فى موقف يتسم بالوضوح والحسم، جاء بيان الهيئة العامة للاستعلامات صباح 21 سبتمبر الجارى، رداً على ما يموج فى الإعلام العبرى من مقولات فاسدة لا تخلو من وقاحة معهودة، بشأن ما يوصف بدعوة رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على مصر، لتقبل طرد الفلسطينيين من أرضهم، وتتماهى مع مطلب الكيان بتصفية القضية الفلسطينية، وتسمح لنتنياهو ومعه دعاة القتل والاستيطان، سموتريتش وبن غفير وغيرهم، بتحقيق أوهامهم فى الاستيلاء الكامل على قطاع غزة، بعد تدمير أصولها وإبادة أهلها، وطرد من تبقى منهم أحياء، وهم مصابون بالأمراض وعلل التجويع والتشريد الممنهج.
مبادئ حازمة لا تقبل التنازل
تضمن البيان رسالة حاسمة لكل من يعى فى دولة الكيان أو فى الولايات المتحدة، وربوع العالم كله، تمثلت فى ثلاثة مبادئ لا تحتمل اللبس أو التفسيرات المتضاربة: أولها، مبدأ حق مصر فى حماية أمنها، وحقها فى اتخاذ أية خطوات عسكرية أو غير عسكرية تحسباً لأية احتمالات أو سيناريوهات قد تفرض نفسها بفعل الإبادة الجماعية التى تطبقها حكومة الكيان المتطرفة. وتطبيقاً لهذا المبدأ، فإن تحركات الجيش المصرى على أرضه فى سيناء تأتى وفقاً لتوجيهات القيادة العليا لحماية الأمن القومى من الإرهاب والمخاطر المحتملة. وإجمالاً فهى تحركات مشروعة، لا قبل لأحد أن يتدخل فيها، أو أن يضع قيوداً عليها تحت أى حجة أو زعم، أو يحدد ما يجب أن تفعله مصر أو لا تفعله.
ثانياً، مبدأ حرص مصر على اتفاقية السلام، والتى لم تخرق أبداً طوال تاريخها أى معاهدة أو اتفاق، بل يشهد الجميع حرص مصر على العمل الدؤوب من أجل دعم السلام والتسويات السلمية، ليكون مدخلاً لتحقيق الاستقرار فى الإقليم ككل. لكنه حرص مرهون بأن يستجيب الطرف الآخر لمتطلبات هذا السلام، الأمر الذى لا تراه مصر فى السلوك الاسرائيلى، كما هو فى قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، وذلك بالرغم من كل الجهود التى بذلتها القاهرة لإنهاء العدوان والوصول إلى تسويات متوازنة بشأن القطاع والقضية الفلسطينية، وهو ما لا يجد آذاناً صاغية من نخبة التطرف والقتل المهيمنة على القرار الاسرائيلى. ومن ثم يتوجب منطقياً الحرص والتحسب من أى تهور ناتج عن عقلية الاستعلاء والعدوان السائدة فى تل أبيب، والتى للأسف تجد صدى مماثلاً فى واشنطن.
وفى إطار الحرص على الاتفاقية واستمرارها، والتنسيق مع واشنطن وهى أحد أطرافها، قامت مصر بتوضيح الأمر برمته لواشنطن بوسائل عدة، مباشرة وغير مباشرة، ومن بينها التأكيد الواضح دون أى لبس على أن القوات المسلحة المصرية لديها تعليمات واضحة ومحددة، للرد بقوة وحسم على أى تحرك إسرائيلى يستهدف خرق الحدود المصرية، ما يجعل حجة المتطرفين الإسرائيليين حجة عليهم، كما هى حجة على واشنطن.
ثالثاً، استمرار المواقف التاريخية المشهودة بشأن عدالة القضية الفلسطينية، ما يدفع مصر للتأكيد على رفضها التام توسيع العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وعلى مساندتها الراسخة لحق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وفق حل الدولتين، على أراضي الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
دوافع البيان وإفساد المزاعم الإسرائيلية
إن نظرة تأمل للبيئة الإقليمية بكل ما فيها من تعقيدات ومخاطر، والتي صدر في ظلها هذا البيان الحاسم، ترسخ عقلانية الموقف المصرى، وحرصه على دحض الحجج الواهية التي تعمل تل أبيب على نشرها وكأنها حقائق دامغة، فبيان فسادها وضعفها وهشاشتها بات أمراً حتمياً، وهو ما حققه البيان المصرى بكل وضوح.
ففى الكيان العاجز، يدرك نتنياهو والمتطرفون حوله أن مصر هى العقبة الكبرى أمام مشروع استباحة فلسطين وأهلها، وأنها لن تسمح بفرض هيمنة إسرائيلية واستعلاء على الشرق الأوسط، سواء بجهودها الذاتية أو بالتعاون مع من يقبل المشاركة فى عمل تاريخى للبقاء مرفوعى الرأس أياً كانت التضحيات. كما يدرك رئيس وزراء الكيان أن مصر ترى فيما يصفه بالعقيدة التوراتية لإسرائيل الكبرى، التى تتضمن أجزاء من مصر والأردن والسعودية وسوريا ولبنان، أنه مجرد غطاء لمشروع استعمارى لن يكتب له النجاح مهما طالت السنون والأعمار. كما يدرك ثالثاً أن تحديث القوة العسكرية المصرية، وما حققته من تقدم مشهود فى مجال التسليح والتدريب والاستعداد لكافة الاحتمالات، من كل الجبهات الاستراتيجية حول مصر، يعنى تقييد وإفشال مشروع الهيمنة الاسرائيلى.
إن تركيز الإعلام العبرى على التحركات المصرية فى شمال سيناء، مصحوبة بتسريبات رسمية متعمدة حول ما يصفونه مخاوف من هجوم مصرى مباغت قد يعجل بنهاية إسرائيل، والتى تنشر بتنسيق كامل مع مكتب نتنياهو، لا تخلو من عملية عبثية مكشوفة، تستهدف إظهار إسرائيل كبلد مغلوب على أمره، ومُهدد من قبل أكبر الجيران، بهدف استدرار التعاطف مع الكيان بعد أن فقد تأييد قطاعات هائلة من الرأى العام الأوروبى وحتى الأمريكى، لاسيما الأجيال الصاعدة التى اكتشفت حجم الزيف فى السردية الدعائية الإسرائيلية الصهيونية التى سادت طوال أربعة عقود، وهيمنت على مواقف الساسة والإعلاميين والفنانين، حيث تتبلور الآن سردية جديدة قوامها أن إسرائيل دولة غازية لا تحترم القانون الدولى وتنتهك حقوق الإنسان، واحتلالها لفلسطين غير مشروع ويجب أن ينتهى، وأن من العبث تأييد ما يقوم به جيش الكيان من هدم المنازل وقتل الأطفال والنساء وتجويع أهل غزة بمزاعم لا معنى لها، وهى سردية صاعدة بازغة تُفقد الكيان ما كان يتمتع به من تأييد أعمى سابقاً.
ولا تخلو تلك التسريبات الرسمية البلهاء من هدف تحويل الأنظار عن عملية الإبادة الجماعية التى لم تتوقف طوال العامين الماضين، وآخرها ما يجرى من تدمير ممنهج لمدينة غزة تحت مسمى عربة جدعون 2، بهدف إخلاء سكانها وحشرهم جنوب القطاع، تمهيداً لدفعهم لعبور خط الحدود مع مصر. كما تستهدف أخيراً وليس آخراً إظهار مصر وكأنها هى التى تخلت عن معاهدة السلام، ومن ثم يصبح لإسرائيل من وجهة نظرهم المريضة الحق فى عمل عسكرى استباقى لدفع القوات المصرية بعيداً عن الحدود.
مصر من جانبها تدرك جيداً كيف تفكر العصبة الحاكمة فى تل أبيب، كما تدرك أن كل تلك التسريبات الخاصة بالقوات المصرية ليست سوى دخان فى الهواء، وأن محاولة استقطاب الرئيس ترامب ليفرض أموراً بعينها على مصر تخالف مبادئها وتضرب أمنها القومى، ليست سوى أوهام وعبث، تعكس الفشل فى الفكر وضحالة الرؤية الاستراتيجية التى تسود العقل السياسى الإسرائيلى فى الوقت الراهن.
لقد أثبتت مصر بمواقفها الصلبة، والتى عبر عنها الرئيس عبد الفتاح السيسى مرات عديدة لا تحصى، وآخرها ما جاء فى كلمته الرصينة أمام القادة العرب والمسلمين فى قمة الدوحة 15 سبتمبر الجارى، أنها مبادئ غير قابلة للتنازل، تستند إلى رؤية صائبة بشأن العدوان الإسرائيلى والسلام الإقليمى، ورافضة بحسم للاحتلال والاستيطان غير المشروع، ما يجعل دولة الكيان عدواً يجب التحسب لخطواته الطائشة، كما حدث فى الهجوم على قطر.
ومن نافلة القول أنه مهما كانت درجة الوقاحة فى السلوك الاسرائيلى تجاه مصر، واحتمالات تطوره إلى تحرك مجنون، فإن القاهرة قادرة على الرد بقوة غير مسبوقة، تضع إسرائيل فى حجمها الحقيقى ككيان هش يعيش على دعم الولايات المتحدة وحمايتها وأسلحتها المدمرة وأموالها التى تُنفق لدعم الكيان على حساب احتياجات المواطن الأمريكى.
قد يتصور قادة التطرف الإسرائيلى أن محدودية الرد الجماعى، كما ظهر فى قمتى الخليج والعربية / الإسلامية فى الدوحة، بعد العمل الأهوج بالعدوان على قطر 9 سبتمبر الجارى، بالرغم من كل التعاون المسبق الظاهر والخفى بشأن حركة حماس والقضية الفلسطينية ككل، أن ثمة فرصة لتكرار عمل أهوج مماثل ضد دول اخرى، من بينها مصر، الأمر الذى يدفع القاهرة بدون تردد لوأد مثل هذا التفكير الأهوج بالتصرفات والتحركات الحاسمة على الأرض، وقبل أن يدفع المتطرفون فى تل أبيب المنطقة كلها إلى أتون من نار ودمار سوف تمتد آثاره الكبرى لعقود طويلة.