د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

حين هبطت طائرة ملك أسبانيا فيليبي السادس والملكة ليتيسيا في مطار القاهرة في 17 سبتمبر 2025، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه مجرد صفحة جديدة من صفحات البروتوكول الدبلوماسي. استقبال رسمي من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة قرينته، ومراسم عسكرية، وكلمات مجاملة على عتبة قصر الرئاسة بالاتحادية نهاراً وأمام أهرامات الجيزة مساءاً.

لكن من يتأمل الصورة بشكل أعمق قليلاً يدرك أن ما جرى لم يكن احتفالاً شكلياً، بأول زيارة رسمية من ملك أسبانيا إلى مصر منذ عدة عقود، بل كان أقرب إلى محاولة لنسج خيوط جديدة بين ضفتي البحر المتوسط، بين القاهرة ومدريد، في زمن تتغير فيه خرائط السياسة كما تتغير الأمواج التي تضرب شواطئ هذا البحر العتيق.

زيارة ملك أسبانيا إلى مصر جاءت في لحظة صاخبة، حيث يشتعل العالم العربي على أكثر من جبهة، وفلسطين – كما كانت دوماً – في القلب من الأزمة، والبحر المتوسط لم يعد مجرد ممر تجاري أو فضاء ثقافي، وإنما تحول إلى ساحة صراع على الطاقة، والهجرة، والأمن، والتوازنات الكبرى. وفي قلب كل هذا، جاءت إسبانيا، الدولة الواقعة على الطرف الآخر من المتوسط، لتقول عبر ملكها إنها ترى مصر شريكاً لا غنى عنه، وأنها تريد أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات، أساسها ليس فقط المصالح، وإنما المبادئ أيضاً.

فلسطين… ضمير السياسة

الملفت في لقاء القاهرة بين الرئيس السيسي والملك فليبي السادس لم يكن فقط عبارات المجاملة أو الصور الرسمية، وإنما كان ما قاله الرئيس السيسي، وهو يصف قرار مدريد الاعتراف بدولة فلسطين بأنه "موقف مبدئي" و"خطوة على الجانب الصحيح من التاريخ". هذه الجملة وحدها تختصر الكثير. فالقضية الفلسطينية عند مصر هي جوهر ما يجري في المنطقة منذ أكثر من ثمانين عاماً. وحين اختارت إسبانيا أن تعترف بفلسطين، فإنها لم تفعل ذلك استجابة لاعتبارات ظرفية ملحة، وإنما لأنها قرأت بوضوح أن التاريخ لا يرحم من يقف في صف القوة الغاشمة ضد الحق المشروع. وهنا كان حديث الرئيس السيسي بالغ الأهمية، عندما نبه العالم بأن القضية الفلسطينية ما زالت "في قلب الصراع"، وأن انهيار حل الدولتين سيؤدي إلى انفجار شامل يطال الجميع، شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً.

ومن جانبه، لم يخف الملك فيليبي تقديره لدور مصر، لا سيما في جهود وقف إطلاق النار بقطاع غزة وخطة إعادة الإعمار للقطاع، والتي وجدت إجماعاً عربياً وإسلامياً. وقد بدا للمراقبين وكأن مدريد تقول للقاهرة "نحن معكم"، ليس فقط بالكلمات، بل بالقرارات التي تترجم على أرض الواقع، في الأمم المتحدة، وفي سياسات الاتحاد الأوروبي.

البحر المتوسط… ميدان مشترك

لكن الزيارة التاريخية لملك أسبانيا إلى مصر لم تكن كلها تدور حول فلسطين. فالمتوسط، هذا البحر الذي كان في التاريخ القديم مسرحاً للفتوحات والحضارات، ثم صار في العصور الوسطى ملتقى للأديان والثقافات، واليوم عاد ليكون ميداناً للتحديات الكبرى. على مياهه تتقاطع ثلاثة ملفات كبرى:

1- الطاقة: غاز شرق المتوسط أصبح كنزاً تتنافس عليه القوى الكبرى، خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا في عام 2022، وما تبعها من بحث أوروبي محموم عن بدائل للغاز الروسي. مصر اليوم مركز إقليمي للطاقة، وإسبانيا بوابة الغاز إلى أوروبا. هنا تتلاقى المصالح، وتفتح أبواب لشراكة استراتيجية.

2- الهجرة غير الشرعية: والتي تقلق مدريد وتضع القاهرة في موقع الحارس الصامت على أبواب الشمال. وفي هذا السياق، يشار إلى أن القاهرة أظهرت قدرة ملحوظة على التعامل مع ملف الهجرة غير القانونية، إذ نجحت منذ عام 2016 في وقف خروج قوارب الهجرة غير النظامية من سواحلها، ما جعلها شريكاً أساسياً للاتحاد الأوروبي في هذا الملف المعقد.

3- الأمن: من الإرهاب الذي يطل من صحارى ليبيا إلى القلاقل التي تمتد من الساحل الإفريقي حتى المشرق، وكلها قضايا تتطلب تنسيقاً يتجاوز الحدود الوطنية.

من هذا المنطلق، بدا النقاش بين السيسي والملك فيليبي وكأنه حوار بين ضفتين تدركان أنه لا مجال للانعزال، وأن مصير كل طرف مرهون بما يجري على الطرف الآخر. هنا، تلتقي مصلحة مصر بمصلحة إسبانيا، لا عبر تحالفات مكتوبة على الورق، بل من خلال إدراك مشترك بأن استقرار المتوسط ليس رفاهية بل ضرورة وجود.

بالطبع، لم يغب عن المحادثات المصرية-الاسبانية أن مصر محاطة بأزمات من كل اتجاه. إلى الشرق، صراع فلسطين – إسرائيل وما يحمله من احتمالات الانفجار. إلى الغرب، ليبيا التي لم تستقر بعد، وفيها تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية بشكل معقد. إلى الجنوب، السودان يغرق في نزاعات داخلية تهدد بأن تتحول إلى حرب ممتدة، إضافة إلى تحديات القرن الإفريقي ومياه النيل.

في هذا السياق، قال الرئيس السيسي بوضوح إن مصر تواجه تحديات استراتيجية على كل جبهاتها. كانت الرسالة للإسبان، وللعالم أيضاً، بأن القاهرة ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل هي "دولة جبهة" تتحمل عبء الاستقرار في محيط مضطرب.

إسبانيا، التي تعرف جيداً معنى الضغوط الإقليمية بحكم موقعها على حدود أوروبا وأفريقيا والأطلسي والمتوسط، وجدت في هذا الكلام ما يعكس تطابقاً في التجربة وإن اختلفت الجغرافيا.

الاقتصاد… الطريق إلى المستقبل

السياسة بلا اقتصاد تتحول إلى شعارات. ولذلك، لم يكن غريباً أن تأخذ الشراكات الاقتصادية مكانها على طاولة مباحثات الرئيس المصري والملك الاسباني. فمنذ زيارة السيسي إلى مدريد عام 2022، وُقع اتفاق شراكة استراتيجية فتح الباب أمام استثمارات وتعاون في مجالات عدة. لكن الأرقام تقول إن حجم التبادل التجاري ما زال متواضعاً مقارنة بالإمكانات.

إسبانيا تمتلك خبرة عالمية في البنية التحتية، والنقل، والسكك الحديدية، والطاقة المتجددة، والسياحة. ومصر من جانبها تنفذ أضخم مشروع تنموي في تاريخها الحديث، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى المدن الحديثة والذكية، إلى ممرات الطاقة والموانئ. هنا تكمن فرص ضخمة للشركات الإسبانية أن تكون جزءاً من عملية التحول المصري.

في قطاع الطاقة بالذات، تبدو الصورة واضحة: مصر مركز إقليمي للغاز، إسبانيا بوابة أوروبا، والتكامل ممكن وواعد. وفي ظل التوجه الأوروبي نحو "التحول الأخضر"، يصبح التعاون في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر مسألة وقت لا أكثر.

ولعل الزيارة الملكية كانت إشارة بأن مدريد تريد أن تدخل إلى السوق المصرية بثقل أكبر، لا كضيف عابر بل كشريك طويل المدى.

الثقافة… ذاكرة مشتركة

أما الثقافة، فهي الخيط الأعمق الذي يربط البلدين. في المخيلة العربية، لا تزال الأندلس حاضرة كرمز لزمن ذهبي خرج فيه إشعاع ثقافي لا يزال أثره حاضراً في الضمير العربي. وفي الوعي الإسباني، يظل التراث المصري - الفرعوني والإسلامي - مفتاحاً لفهم الشرق وسحره. اليوم، ثلاثة عشر بعثة أثرية إسبانية تعمل في وديان مصر ومعابدها، من سقارة إلى الأقصر وأسوان ووادي الجمال، فيما تتسع في الجامعات الإسبانية أقسام لدراسة الشرق الأوسط والعالم العربي. في المقابل، تتنامى في مصر رغبة في تعلم الإسبانية. وهذه الروابط ليست هوامش على دفتر العلاقات، بل هي النص المكتوب بخط اليد الذي يعطي للعلاقة دفئها وصدقها.

الأمن والدفاع… مواجهة الأخطار المشتركة

في زمن تتقاطع فيه التهديدات، لم يكن ممكناً تجاهل التعاون الأمني والدفاعي في القمة التي جمعت الرئيس المصري والملك الاسباني. فإسبانيا عضو في الناتو، ولها خبرة في مواجهة الإرهاب والهجرة. ومصر من جانبها تخوض معارك حقيقية ضد الإرهاب، وتمتلك جيشاً يعد الأقوى في المنطقة. هنا، ليس الحديث عن تحالف عسكري بين القاهرة ومدريد، ولكن عن تنسيق، وتبادل خبرات، وتفاهمات في قضايا تمس أمن البحر المتوسط.

نحو شراكة استراتيجية شاملة

على أية حال، يمكن القول إن زيارة ملك إسبانيا وقرينته إلى مصر تمثل لحظة نوعية فارقة في العلاقات المصرية-الإسبانية. فهذه الزيارة ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي إعلان واضح عن تحول الرؤية الإسبانية نحو القاهرة كشريك استراتيجي. ومما يؤكد هذا الأمر على الجانب المصري، أن الرئيس السيسي أكد على أن العلاقة مع مدريد تقوم على مبادئ متينة بقدر ما تقوم على مصالح مشتركة، مما يؤسس لشراكة متوازنة ومستدامة بين الدولتين.

ومما يعزز من هذه الشراكة أن السياسة والأخلاق فيها. فالتوافق حول القضية الفلسطينية ورفض التهجير والاستيطان يشكل قاعدة صلبة، بينما تفتح الفرص الاقتصادية والثقافية والأمنية آفاقاً واسعة لبناء شراكة استراتيجية شاملة تخدم مصالح الشعبين وتعزز الاستقرار في البحر المتوسط والشرق الأوسط.

ومن جهة أخرى، تُظهر هذه الزيارة أن البحر المتوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية، بل أصبح "ساحة اختبار" لدور الدول المتوسطة. إذ تثبت مصر وإسبانيا أن القوى المتوسطة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وقادرة أيضاً على المساهمة في صياغة النظام الإقليمي والدولي في مجالات الطاقة، والهجرة، والأمن، والمناخ، حيث لا تستطيع القوى الكبرى وحدها فرض الحلول، ولا يمكن للدول الصغيرة الصمود بمفردها. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الشراكة المتنامية بين مصر وإسبانيا أصبحت تشير إلى أن السياسة العالمية لم تعد حكراً على القوى الكبرى، وأن الدول المتوسطة يمكنها لعب أدوار فاعلة تفوق وزنها الجغرافي والاقتصادي إذا امتلكت الرؤية والإرادة. فالشراكة المصرية-الإسبانية ليست مجرد تعاون ثنائي، بل نموذج لكيفية سد القوى الوسطى للفراغات التي تتركها القوى العظمى، وتحويل البحر المتوسط إلى فضاء للتعاون والاستقرار.

لكن، سيظل نجاح هذه الشراكة مرهوناً بتحويل التوافق السياسي بين القاهرة ومدريد إلى آليات مؤسسية واضحة للتعاون، واستثمار الزخم الذي أتاحته زيارة ملك إسبانيا إلى مصر لتعميق الروابط على مستوى الحكومات، والشعوب، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، ومراكز الفكر. عندها فقط، ستصبح العلاقة بين ضفتي المتوسط شراكة استراتيجية حقيقية، قائمة على التاريخ والجغرافيا والإنسان، ونموذجاً للتعاون الأورومتوسطي في القرن الحادي والعشرين.