سعيد عكاشة

خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

اهتمت التغطيات الإعلامية العالمية للهجوم الذي شنته إسرائيل واستهدف قادة حركة حماس في قطر، في 9 سبتمبر 2025، بشرح خلفيات اتخاذ القرار من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وتداعيات هذا الهجوم على المفاوضات بين إسرائيل وحماس للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وكذالك التأثيرات المنتظرة له على علاقات إسرائيل والولايات المتحدة بالعديد من دول الشرق الأوسط، وخاصة دول الخليج العربي. ويبدو من الضروري هنا استكمال الصورة الكلية لتأثير الهجوم الإسرائيلي بإلقاء الضوء على ردات الفعل في الداخل الإسرائيلي نفسه.

من التأييد والتفاؤل إلى الشك والتشاؤم

لم تقم وسائل الإعلام الإسرائيلية بنشر أية استطلاعات للرأي عن موقف الرأي العام الإسرائيلي من الهجوم حتى الآن، ورغم ذلك يمكن بلورة صورة تقريبية لردات الفعل الداخلية في إسرائيل على الهجوم، وتحليل مضمونها، من خلال ما تم نشره من تصريحات من جانب قادة المعارضة، ومقالات الرأي في الصحف الإسرائيلية، والمنظمات الإسرائيلية المعنية حصراً بقضية مصير الرهائن لدى حركة حماس.

بداية، جاءت تصريحات بعض قادة المعارضة لتعكس تأييداً كاملاً للعملية، دون التساؤل عن التبعات التي ستترتب عليها، سواء فيما يتعلق بمصير قضية تحرير الرهائن الإسرائيليين في غزة، أو على مستوى التكلفة التي ستتكبدها إسرائيل في علاقاتها الخارحية. وسنتناول موقف تلك الأطراف من الهجوم على الترتيب:

1- موقف المعارضة: عقب الهجوم مباشرة، أصدر زعيم المعارضة يئير لبيد بياناً قال فيه: "أُهنِّئ سلاح الجو، وجيش الدفاع، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وجميع قوات الأمن على العملية الاستثنائية لإحباط عدونا". كذلك أشاد رئيس حزب "معسكر الدولة" بيني جانتس بالقادة السياسيين لقرارهم شن الضربة، مشيراً إلى أن إسرائيل يجب أن تلاحق إرهابيي حماس وقادتهم في كل مكان وفي كل زمان.

كانت الإشادة القادمة من جانب حزبين إسرائيليين مصنفين على أنهما من أحزاب الوسط التي لا تتبنى أجندة متطرفة حيال المشكلة الفلسطينية بضربة عسكرية لها تداعيات خطيرة على مصير الرهائن وعلى صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، بالإضافة إلى عدم إدانة أحزاب اليسار مثل "ميرتس" و"العمل" (المتحالفين حالياً تحت مسمى "المعسكر الديمقراطي") للعملية، بمثابة إشارة إلى سيادة الشعور العام في إسرائيل بالرغبة في معاقبة قادة حماس وقتلهم للانتقام مما جرى في السابع من أكتوبر 2023 كـ"قيمة ومطلب قومى مطلق" وفقاً لهذه القوى السياسية.

وربما تعمد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في بيانه بعد تنفيذ العملية، توجيه الرأي العام الإسرائيلي في هذا الاتجاه تحديداً بالتذكير بأن "قادة حماس كانوا قد سجدوا لله شكراً في نفس الموقع عقب هجوم حماس المفاجئ آنذاك"، وأن "العملية التي استهدفت نفس القادة وفى نفس الموقع كانت رداً متأخراً على احتفال حماس بقتل وأسر قرابة ألفين من المدنيين والجنود على مدى ما يقرب من عامين".

لم يلبث هذا الموقف أن تغير بعد ساعات قليلة من إعلان حركة حماس فشل عملية استهداف قادتها الكبار، رغم سقوط ضحايا آخرين ليسوا من قادة الصف الأول من حماس مثل نجل خليل الحية ومدير مكتبه. إذ بادرت وسائل الإعلام الإسرائيلية، في تغطياتها ومتابعتها للحدث، بإصدار تقارير تتحدث عن عدم اليقين بأن العملية قد حققت أهدافها، وأن قادة حماس الذين تم استهدافهم ربما يكونوا قد نجوا من الحادث.

وفور صدور هذه التقارير، صرح يئير لبيد لموقع CNN قائلاً: "العملية الإسرائيلية في الدوحة لا علاقة لها بالإستراتيجية وقد تكون فاشلة كما كان متوقعاً". ورغم عدم صدور تصريحات مماثلة من بيني جانتس، أو من جانب زعماء الأحزاب المعارضة الأخرى، إلا أن أجواء التفاؤل والابتهاج التي سادت في الساعات الأولى بعد تنفيذ العملية، انقلبت في اتجاه الشك والتشاؤم. ويمكن فهم موقف لبيد الأخير على أنه مؤشر إلى أنه - وربما بعض أحزاب المعارضة - سيحاولون استغلال هذا الفشل (حال تأكد وقوعه بالفعل بظهور بعض من قادة حماس الخمس المستهدفين في وسائل الإعلام)، في معركتهم المستمرة لإسقاط الائتلاف الحاكم، والدعوة لانتخابات مبكرة.

2- موقف النخب الإعلامية: أظهرت تعليقات الخبراء وكتاب الرأي في وسائل الإعلام الإسرائيلية نفس الترحيب بالعملية مثلها مثل قادة أحزاب المعارضة، ولكنها تساءلت عن تداعياتها على قضية مصير الرهائن والمفاوضات الجارية مع حماس لإنهاء الحرب وكذلك تأثيرها على العلاقات الخارجية لإسرائيل عامة ومع الولايات المتحدة خاصة، وقد تكثفت هذه التساؤلات بشكل كبير في ظل النتائج غير المحسومة للعملية.

من ضمن الأسئلة التي تم طرحها، توقيت اتخاذ القرار، حيث كتب آفى يسسخوروف في يديعوت أحرونوت في 10 سبتمبر قائلاً: "منذ بداية الحرب حصلت قطر، بغير حق، على نوع من الحصانة التي أثارت كثيراً من التساؤلات من دون إجابة: كيف يمكن لدولة عادية تستضيف كبار قادة التنظيم المسئولين عن أفظع "مذبحة" ضد الشعب اليهودي منذ المحرقة، أن تصبح الوسيط المركزي بين حماس وإسرائيل؟، قطر هي التي حوّلت مليارات الدولارات إلى خزائن حماس، وما زالت ترعى أذرعها الإعلامية في العالم عبر قناة الجزيرة، كما تنفذ حملات خارجية وصلت حتى أروقة البيت الأبيض في واشنطن".

يقود هذا التعليق إلى استنتاج مفاده أنه سواء فشلت عملية الدوحة أو ثبت نجاحها، فإن توجه إسرائيل المقبل هو إخراج قطر من عملية التفاوض لأجل الإفراج عن الرهائن، إذا ما تم الاتفاق على استئنافها مجدداً. ويبدو ذلك احتمالاً لا يمكن استبعاده، بعد أن اتسعت فجوة الثقة بين إسرائيل وقطر؛ الأمر الذي يصعب معه تصور إمكانية عودة الوساطة القطرية حتى لو أرادت الدوحة ذلك، فالتفسير الوحيد لإبقاء إسرائيل فى السابق على الدور القطري فى الوساطة أنها (أى إسرائيل) كانت تراهن على قدرة قطر على الضغط على قادة حماس من أجل الإفراج عن الرهائن دفعة واحدة؛ وهو ما تبين أنه رهان غير صحيح، وأن أقصى ما يمكن أن تعمل عليه هو اتفاقات جزئية بين حماس وإسرائيل تقود إلى تسوية نهائية تضمن بقاء حماس فى حكم القطاع.

هنا، واتصالاً بذلك، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً أن نتنياهو سيستمر في حملته العسكرية لاحتلال القطاع وتغيير الأمر الواقع بالقوة، حتى لو تمت التضحية بالرهائن، وهو ما دعا الخبير الإسرائيلي في الشئون العربية عاموس هرئيل لأن يكتب في هاآرتس في 10 سبتمبر قائلاً: "لقد عززت إسرائيل خطواتها الهجومية وكسرت تابو تبنته فترة طويلة، وهو ألا تهاجم مباشرة في قطر. قد يدفع ذلك حماس إلى الزاوية، لكنه لا يكسر بالضرورة روح من تبقى من قيادتها. كما يمكن تفهم الغضب الشديد من جانب عائلات الرهائن، فحياة أبناءهم في خطر متزايد، سواء من العملية البرية لجيش الدفاع الإسرائيلي أو في ظل خطوات انتقام وإساءة محتملة من قبل آسريهم من حماس".

ربما لم يرد هرئيل التصريح مباشرة بما أصبح حقيقة في إسرائيل، وهو أن حياة الرهائن وتحريرهم لم تعد ضمن أولويات نتنياهو وائتلافه، وأن عملية الدوحة كانت أكبر برهان على ذلك. كما يبدو أن عملية تصفية قيادات حماس ستستمر، حتى لو فشلت عملية الدوحة، وهو ما أكده السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يشيل ليتر بقوله: "إذا فشلت إسرائيل في قتل قادة حماس في غارة جوية على قطر فإنها ستنجح في المرة القادمة"، مضيفاً: "لقد توعدنا الإرهابيين على أينما كانوا .... سنلاحقهم، وسندمر أولئك الذين سيدمروننا".

3- موقف عائلات الرهائن: منذ انهيار الهدنة المؤقتة بين إسرائيل وحماس في مارس الماضي، نجحت عائلات الرهائن في حشد عشرات المظاهرات في أنحاء إسرائيل للمطالبة بتوقيع صفقة مع حماس تضمن حياة ذويهم حتى لو كان الثمن هو إيقاف الحرب. ورغم ذلك، لم يتزحزح نتنياهو عن موقفه. ومع بدء عملية "عربات جدعون" الأولى والثانية، أيقنت عائلات الرهان أن القرار قد اتُخذ بالتضحية بحياتهم، وجاءت عملية الدوحة لتؤكد ذلك، وهو ما حدا ببعض النشطاء في المنتديات التي تم تأسيسها لدعم عائلات الرهائن للقول بأن "الأمر قد انتهى وعلى الجميع إدراك أن الرهائن سيعودون كجثث".

رغم ذلك، تواصل عائلات الرهائن محاولاتها للحفاظ على حياة ذويهم، خارج إطار الاتصالات مع حكومة نتنياهو، حيث بدأوا في عقد اجتماعات مع مسئولين قطريين في واشنطن لإقناعهم بمواصلة جهودهم، وممارسة الضغط على حماس، للامتناع عن إيقاع أي أذى بالرهائن، تحت دافع الانتقام من عملية الدوحة. وتبدو هذه الاتصالات مرفوضة من جانب نتنياهو، لأنها ستمنح قطر وحماس ورقة أخرى لمساومة إسرائيل وإجبارها على العودة لطاولة المفاوضات التي تستهدف تحقيق هدنة إضافية وصفقة جزئية للإفراج عن بعض الرهائن وليس جميعهم كما يريد ترامب ونتنياهو.

خلاصة ونتائج

ثمة دلالات عديدة تشير إليها ردات الفعل الداخلية على الضربة التي وجهتها إسرائيل لقادة حماس في الدوحة، حيث تتوزع المواقف بين الإجماع على "ضرورة الانتقام من قادة حماس ومطاردتهم في أي مكان"، وبين الخشية من تأثير هذه الضربة على حياة الرهائن. ولكن يبدو بوضوح أن استعادة الرهائن عبر المفاوضات باتت مستبعدة من الجانب الإسرائيلي الرسمي، وهدف بعيد لا يمكن تحقيقه عملياً من جانب عائلات الرهائن. وفى كل الأحوال، سيكون الموضوع الأكثر إثارة للجدل في إسرائيل في الأيام القليلة القادمة حول تأثير عملية الدوحة على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية من جانب، وحدود التصعيد المحتمل بين قطر وإسرائيل سياسياً من جانب آخر.