مهاب عادل حسن

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تنطلق الحكومة الإسرائيلية في ضوء معطيات اللحظة الراهنة التي يتهيأ فيها قطاع غزة لتصعيد عسكري يستهدف الاحتلال الكامل للقطاع، ارتباطًا بموافقة المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر في 7 أغسطس 2025، على خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاحتلال قطاع غزة، من حسابات سياسية واستراتيجية معقدة تفرضها تعقيدات الداخل الإسرائيلي، وكذلك السياق الإقليمي والدولي الضاغط لإنهاء هذه الحرب، باعتبارها المحفز الرئيسي لحالة التصعيد العسكري، وعدم الاستقرار الإقليمي الذي تشهده المنطقة في الوقت الراهن، والذي تتزايد مخاطره في ظل التأزم الذي يعيشه الائتلاف الإسرائيلي على نحو يدفع قادته لانتهاج سياسات متطرفة مدفوعة بحسابات سياسية انتخابية ضيقة، وذلك بغطاء يرتبط بتحقيق أهداف استراتيجية (القضاء على فرص قيام دولة فلسطينية) تساعد في تعبئة وحشد التيار اليميني المتطرف في الشارع الإسرائيلي كحاضنة دعم لهذه السياسات.

يعزز جمود المشهد التفاوضي الراهن الذي تتعنت فيه تل أبيب بشأن مرونة موقفها للذهاب إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، من الذرائع التي تحاول الحكومة الإسرائيلية نسجها للتمادي في مخططاتها بشأن احتلال القطاع، ودفع سكانه نحو سيناريو التهجير القسري، خاصة في ظل تمسك حركة حماس بموقفها من مسألة نزع سلاحها وتحييد وجودها العضوي بشكل كامل، على نحو ستكون له تداعياته على ديناميكيات الصراع التي قد تمتد إلى دول الجوار، لما ستشكله هذه التوجهات من تداعيات مباشرة على أمنها القومي.    

تُثير هذه المعطيات بدورها التساؤل حول حدود التصعيد الإسرائيلي بشأن الخطط المعلنة لاحتلال القطاع، والتي تزامنت مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي "ارتباطه الشديد" برؤية "الأرض الموعودة وإسرائيل الكبرى"[1]، وهو ما سيتولد عنه تداعيات ستضر بمعادلة الاستقرار الإقليمي على المستوى الاستراتيجي، الذي سيعد خصمًا مباشرًا من حسابات البقاء التي رسخها جيل الآباء الصهاينة المؤسسين[2].

معطيات السياق الراهن وتعقيداته الناشئة

لاح في الأفق خلال الأيام الماضية أمل تجدد بشأن تحريك جمود المشهد التفاوضي، ارتباطًا بمرونة موقف حركة حماس والقبول بالتوصل إلى "اتفاق شامل" يُطلق بموجبه سراح جميع الرهائن الإسرائيليين، في مقابل الإفراج عن عدد يتم الاتفاق عليه من السجناء الفلسطينيين، على أن يتضمن ذلك وقفًا دائمًا لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وإعادة فتح المعابر، وبدء جهود إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الموافقة على تشكيل إدارة وطنية مستقلة تتألف من التكنوقراط لتولي مسئولية إدارة الشئون المدنية في غزة[3]. وكانت قد سبقت ذلك أيضًا بالموافقة على اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار، في الشهر الماضي، يتضمن هدنة أوّلية لمدة 60 يومًا مقابل إطلاق سراح جزئي للرهائن على دفعتين، وذلك اتساقًا مع مقترح طرحته الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام، وأبدت تل أبيب مرونة لقبوله[4]. غير أن هذا الأمل تبدد مع تعنت موقف إسرائيل التي أبدت رفضها لهذه المقترحات متمسكة بإنهاء الحرب بشروطها التي حددها مكتب رئيس الوزراء في خمسة بنود، تتمثل في: نزع سلاح حركة حماس؛ ونزع السلاح من قطاع غزة؛ بالإضافة إلى السيطرة الأمنية الإسرائيلية في غزة؛ و"إنشاء إدارة مدنية بديلة"، هذا فضلاً عن إطلاق سراح جميع الرهائن[5]، وهو ما لم تبد الحركة مرونة في تقبله.

في مقابل ذلك، استمرت الحكومة الإسرائيلية في إجراءاتها التصعيدية في إطار ما أسمته بعملية "عربات جدعون 2"، وأعلنت في هذا الإطار عن استهداف المتحدث باسم كتائب القسام المعروف إعلاميًا بـ "أبو عبيدة"، هذا فضلاً عن استكمال الإجراءات العسكرية لاحتلال كامل مدينة غزة التي أعلن الجيش الإسرائيلي عن سيطرته على 40% منها، لتصل بذلك إجمالي مساحة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى ما يعادل نحو 75% من مساحة القطاع، وذلك بحسب بيانات الجيش الإسرائيلي ومن بين هذه الإجراءات البدء في استهداف كامل البنية المدنية داخل المدينة، وخاصة الأبراج السكنية التي كانت تأوي العديد من الأسر، وذلك لفرض الضغط على ما يقارب مليون مدني ودفعهم للنزوح إلى ما يسمى بالمناطق الإنسانية في جنوب القطاع[6].

ينطلق الموقف الإسرائيلي وفقًا لمعطيات اللحظة الراهنة من ناحية التمادي في المسار العسكري، من حسابات ترتبط بإدارة الضغوط الداخلية المرتبطة بهشاشة استقرار الائتلاف والرغبة في الحفاظ على تماسك حاضنة الدعم التي توفرها أحزاب اليمين الديني. هذا فضلاً عن الاتجاه عبر التصعيد العسكري الراهن لتحييد الآثار المحتملة للضغوط الدولية خاصة تلك المرتبطة بإعلان عدد من الدول نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر انطلاقها خلال الشهر الجاري، نظرًا لتأثير تلك التحركات على زيادة درجة انكشاف سردية الحكومة الإسرائيلية بشأن "النصر المطلق" والقدرة على حسم المعركة عسكريًا وفرض الأمر الواقع بالقضاء على فرص قيام دولة فلسطينية. ومن ثم، تعمل الحكومة الإسرائيلية على إقرار هذا الوضع عبر تعزيز سيطرتها العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، والتي بلغت بحسب ما يتم إعلانه 70% من مجمل مساحته، للإبقاء على سردية الانتصار والتقليل من أية آثار سياسية لهذه الاعترافات على نحو يُمكن توظيفه ضد الائتلاف الحكومي والترويج لفشله في تحقيق الأهداف التي حددها لنفسه ومنها منع قيام دولة فلسطينية، وهو ما يحاول إثبات قدرته على تحقيقه عبر مسار التصعيد العسكري في الوقت الراهن، وفرض واقع جديد يضمن تغيير جغرافيا القطاع وتقطيع الأواصر بينه وأي دولة مستقبلية ممكنة مع الضفة الغربية. ومن ناحية أخرى، فرض هياكل حكم سياسي ومجتمعي تعزز من الانقسام الداخلي وتساعد في تشكيل حواضن محلية كبديل لحكم السلطة الفلسطينية (الطرف الشرعي المقبول دوليًا) لقطع الطريق أمام المحاولات الإقليمية والدولية للإبقاء على خيار حل الدولتين. 

بالتزامن مع ذلك، تعمل الحكومة الإسرائيلية على تهيئة الداخل خاصة أهالي الأسرى والمتضامنين معهم، لتقبل التكلفة المحتملة لاستمرار المسار العسكري في مقابل الهدف الاستراتيجي المرتبط بالقضاء على فرص قيام دولة فلسطينية في الجوار، وهو ما يتجلى في الوقت الراهن في ضوء ما يتدفق من تقارير بشأن التواصل الذي يحدث بين المسئولين العسكريين وأهالي الأسرى التي تؤكد على احتمالية عدم نجاة ذويهم[7]. وتراهن الحكومة الإسرائيلية على أن تعكس عبر هذه الإشارات القدرة والمرونة على التعامل مع عامل التكلفة سواء المرتبط بالضغوط الدولية أو بالضغوط الداخلية، لإحكام دائرة الضغط ضد حركة حماس، وتحييد جبهات الضغط المضاد المتشكلة تحت وطأة انتهاكاتها الجسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين، تعويلاً منها على أن يدفع ذلك الحركة للقبول بالشروط التي وضعتها لإنهاء الحرب على نحو تحافظ معه على سردية الانتصار، وترسخ لواقع يصعب معه قيام دولة فلسطينية.

الخيارات الإسرائيلية ومسارات التصعيد المحتملة

رغم ما تعكسه الحكومة الإسرائيلية من مرونة في التعامل مع تكلفة خياراتها التصعيدية وإثبات القدرة على التمادي في مسارات التصعيد التي تلقى قبولاً وصدى إيجابيًا في أوساط اليمين الديني المتطرف، على نحو يعزز من تماسك الائتلاف، غير أن هذه القدرة لا تزال محدودة الاختبار في احتواء تداعيات هذه الخيارات، خاصة إذا ما أقدمت على خيارات تصعيد حادة في اتجاه دفع سكان القطاع نحو التهجير القسري إلى دول الجوار، وفقًا للمخططات التي روجت لها خلال الفترة الماضية، وتعمل على فرضها في الوقت الراهن عبر المسار العسكري، ارتباطًا برؤيتها في فرض الأمر الواقع، نتيجة حالة الإغراء بالتصعيد العسكري والإنجازات التكتيكية التي حققتها، والتي تراهن على أنها ستمهد لها الطريق نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية، بما يتماشى مع طبيعة تطلعاتها التي يُفصح عنها مسئولوها، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أكد ارتباطه الشديد برؤية "إسرائيل الكبرى"، بالإضافة إلى تصريحاته التي أصدرها خلال اليومين الماضيين بشأن عزمه "السماح للفلسطينيين بمغادرة القطاع عبر معبر رفح الحدودي إذا رغبوا في ذلك"[8]، وهو ما انتقدته القاهرة -وبعض الدول العربية- وأكدت موقفها الرافض والحاسم بشأن أية محاولات لتهجير الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية، والتي تستهدف تل أبيب من وراءها تصفية القضية الفلسطينية. 

تفرض هذه الخيارات التصعيدية التي من شأنها أن توسع دائرة الصراع وتُخل بمعادلات الاستقرار الإقليمي، تكلفة كبيرة على تل أبيب، على نحو سيمتد بطبيعة الحال للإضرار بالمصالح الغربية في المنطقة، والاستراتيجية الأمريكية الخاصة بموازنة نفوذ القوى الصاعدة عبر تعزيز شبكة حلفاءها هناك. ولعل هنا يبرز نموذج التقارب (الهندي – الصيني – الروسي) مؤخرًا تحت وطأة السياسات الأمريكية التي لم تنجح في استقطاب بعض قوى هذا المحور. وهنا يبرز التأثير الذي يُمكن أن تحدثه السياسات الإسرائيلية المتطرفة التي ينحاز فيها بنيامين نتنياهو لشركاءه من اليمين المتطرف في الائتلاف، والتي تشكل في الوقت الراهن أرضية مشتركة للرفض عربيًا وإقليميًا، على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، في ظل الآثار السلبية لهذه السياسات على مسارات التعاون الإقليمي التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، ورغبته في استكمالها حاليًا، وهو ما ينعكس في الإشارات السلبية التي أصدرتها بعض الدول الموقعة على الاتفاقات الإبراهيمية التي رعتها واشنطن، في ضوء السياسات المتطرفة للحكومة الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بمخططات التوسع الاستيطاني وضم الأراضي في الضفة الغربية التي تعمل عليها تل أبيب بالتوازي مع تصعيدها في القطاع، وهو ما اعتبرته تلك الدول "خطًا أحمر"[9].

وفي هذا الإطار، تعوّل الأطراف الإقليمية عبر أرضية الرفض المشترك لهذه السياسات الإسرائيلية التي تنتصر فيها لجناح اليمين الديني المتطرف، والتي تعكسها الخطابات الرسمية للمسئولين الإسرائيليين بشأن الرؤية التوراتية التوسعية، وكذلك تحركات تل أبيب التصعيدية، وموقفها المتعنت بشأن المسار السياسي للتسوية، على أن يكون هناك تدخل من جانب الإدارة الأمريكية لتعزيز الضغط على الجانب الإسرائيلي، ودفعه نحو مسارات التسوية السياسية بما يجنب المنطقة مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة، تضر بمصالح الجميع. ويبرز في هذا الصدد الرسائل التي يحاول الرئيس الأمريكي أن يبعث بها، خاصة في ظل تأكيده على انخراط واشنطن في "مفاوضات عميقة للغاية" مع حركة حماس[10]، بالإضافة إلى اللقاءات التي يُجريها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في باريس مع الوسطاء لبحث الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. وإن كان ذلك لا يُعوّل عليه بدرجة كبيرة – على الأقل في الوقت الراهن - خاصة في ظل الإشارات التي تعكسها الإدارة الأمريكية برغبتها في موازنة الضغط الغربي الذي تقوده في الوقت الراهن بعض العواصم الأوروبية ضد تل أبيب لوقف الحرب، بدعم موقف الأخيرة الرافض للاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية، لينعكس ذلك في رفضها وإلغائها تأشيرات دخول أعضاء السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى تأييد شروط الحكومة الإسرائيلية التي وضعتها لوقف الحرب.

أيضًا يتكامل مع هذا المشهد الضاغط على المستوى الإقليمي والدولي، الذي يشكل قيدًا بدرجة أو بأخرى على الجموح الإسرائيلي نحو الخيارات الصفرية، الضغط الداخلي المرشح للتصاعد في ظل التقارير التي تتدفق لمسئولين عسكريين إسرائيليين بشأن الخسائر المؤكدة في صفوف الأسرى الإسرائيليين إذا ما استكملت الحكومة الإسرائيلية مسار احتلالها العسكري للقطاع، وهو ما تراهن الأخيرة على تحييده عبر المزايدة على مواقف الرافضين باعتبار أن ذلك يصب في صالح تأسيس دولة فلسطينية.


[1] Netanyahu says he’s on a ‘historic and spiritual mission,’ also feels a connection to vision of Greater Israel, Times of Israel, August 12, 2025. Retrieved from: https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/netanyahu-says-hes-on-a-historic-and-spiritual-mission-endorses-vision-of-greater-israel/

[2] Stephen M. Walt, The Dangerous Decline in Israeli Strategy, Foreign Policy, August 16, 2024. Retrieved from: https://foreignpolicy.com/2024/08/16/the-dangerous-decline-in-israeli-strategy/  

[3]  حماس تعلن استعدادها لصفقة شاملة لوقف إطلاق النار في غزة، وكالة شنخوا الصينية، بتاريخ 4 سبتمبر 2025. انظر:

https://arabic.news.cn/20250904/3b14207f7c2e48a69f687516011ace6d/c.html 

[4] Adam Rasgon, Isabel Kershner and Ronen Bergman, Hamas Accepts New Gaza Cease-Fire Proposal, Officials Say, The New York Times, August 18, 2025. Retrieved from:

https://archive.is/20250819091704/https://www.nytimes.com/2025/08/18/world/middleeast/hamas-israel-gaza-ceasefire.html#selection-4501.0-4501.13

[5] ToI Staff, Trump: ‘We’re in very deep’ talks with Hamas, some hostages may have ‘recently died’, Times of Israel, September 6, 2025. Retrieved from: https://www.timesofisrael.com/trump-were-in-very-deep-talks-with-hamas-some-hostages-may-have-recently-died/

[6] Stav Levaton, For 2nd day, after warning, IDF strikes Gaza City high-rise it says served Hamas terror, Times of Israel, September 6, 2025. Retrieved from: https://www.timesofisrael.com/for-2nd-day-idf-strikes-gaza-city-high-rise-it-says-served-hamas-terror-operations/

[7] Brother of Matan Angrest: Official told us IDF will operate in area he is likely held, safety can’t be guaranteed, Times of Israel, September 6, 2025. Retrieved from: https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/brother-of-matan-angrest-official-told-us-idf-will-operate-in-area-he-is-likely-held-safety-cant-be-guaranteed/

[8] Netanyahu accuses Egypt of imprisoning Gazans as Egypt vows to block Palestinian displacement, The Jerusalem Post, September 5, 2025. Retrieved from: https://www.jpost.com/middle-east/article-866507

[9] الإمارات تجدد تحذيرها: ضم إسرائيل للضفة الغربية أو أي جزء من الأراضي الفلسطينية خط أحمر، سي إن إن، 5 سبتمبر 2025. انظر:

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/09/05/al-marar-israels-annexation-of-the-west-bank-or-any-part-of-the-occupied-palestinian-territories-is

[10] Trump: ‘We’re in very deep’ talks with Hamas, some hostages may have ‘recently died’, Op.cit.