د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في خطوة تؤكد أن الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط لم يعد مجرد سلعة في أسواق الطاقة العالمية، وإنما تحوّل إلى أداة جيوسياسية شديدة الحساسية تعكس توازنات القوة وتعيد تشكيل خرائط النفوذ في هذه المنطقة المضطربة من العالم، أوردت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، في 3 سبتمبر 2025، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر توجيهًا بتعليق متابعة اتفاقية الغاز المقررة مع مصر، والمبرمة في بداية أغسطس 2025.

وجاء هذا القرار بذريعة ما سمّاه نتنياهو "انتهاك معاهدة السلام" من جانب مصر، استنادًا إلى تقارير – لم توضّح الصحيفة مصدرها – عن "خروقات" مصرية للملحق العسكري لمعاهدة السلام التي وقعتها مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979، مثل تعزيز الانتشار العسكري في سيناء.

هل يسقط وهم "السلام الاقتصادي"؟

إذا ما ثبتت صحة هذا الأمر، في ظل عدم وجود تصريحات رسمية بهذا الشأن من أي طرف، فإن القرار يضع مستقبل التعاون الطاقوي بين البلدين، بل وفي منطقة شرق المتوسط التي شهدت اكتشافات هائلة من الغاز الطبيعي في العقد الماضي، تحت ضوء من الشك العميق، خصوصًا أن الاتفاقية التي تشير الصحيفة إلى إمكانية تجميدها كانت تُعَدّ خطوة استراتيجية لتعزيز هذا التعاون، في ضوء امتلاك القاهرة البنية التحتية الضرورية لتصدير الغاز، سواء عبر خطوط الأنابيب أو محطات الإسالة.

كذلك، يكتسب القرار المحتمل بعدًا خطيرًا يتمثل في كونه مؤشرًا على تسييس الطاقة واستخدامها كسلاح ضمن سياق الصراع العربي–الإسرائيلي الممتد، خاصة أنه يأتي في ظل ممانعة القاهرة الشديدة لمخططات التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية، وفي وقت تواجه فيه مصر أزمة نقص في الغاز نتيجة تزايد حجم الطلب المحلي بسبب ارتفاع استهلاك الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء وتلبية احتياجات مصانع الأسمدة والبتروكيماويات. وقد دفع هذا الوضع الحكومة إلى استقدام 4 سفن تغييز، والتعاقد على عشرات الشحنات من الغاز المستورد لسد الاحتياجات المحلية، مع خطط للربط مع قبرص لاستيراد الغاز منها.

القرار الإسرائيلي المحتمل يأتي بعد أن وقّعت شركتا ريشيو ونيو ميد إنرجي، المملوكتان لمجموعة ديليك التابعة لرجل الأعمال الإسرائيلي إسحاق تشوفالا، اتفاقًا جديدًا في 7 أغسطس الماضي، يُعَدّ امتدادًا لاتفاق آخر أُبرم عام 2019، لتصدير غاز طبيعي من حقل "ليفياثان" إلى مصر. وبموجب الاتفاق الجديد، وهو الأضخم في تاريخ إسرائيل، ستبيع الشركتان – اللتان تمتلكان نحو 60% من هذا الحقل العملاق، بينما تمتلك شركة شيفرون الأمريكية ما يقارب 40% – 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى شركة الطاقة المصرية بلو أوشن إنرجي حتى عام 2040، مقابل 35 مليار دولار.

موقف نتنياهو المحتمل في هذا الصدد يثبت صحة التحذيرات التي أطلقها كثير من خبراء الطاقة في مصر تجاه الاتفاق الجديد، إذ عبّروا عن مخاوفهم إزاء إمكانية استخدامه كورقة ضغط حتى عام 2040، في ظل مساعي الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة وراء تحقيق أوهام "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات."

ومن المؤشرات المهمة في هذا السياق، مطالبة الشركات الإسرائيلية القاهرة في فبراير 2025 برفع سعر الغاز بنسبة 40% خلال اجتماع عُقد في القاهرة لبحث زيادة الكميات الصيفية. كما ظهرت هشاشة الاعتماد المصري على الغاز الإسرائيلي خلال حرب الإثنى عشر يومًا بين إسرائيل وإيران (13-24 يونيو 2025)، بعد توقف مؤقت في التصدير، ما أضر بشدة بقطاعي الكهرباء والصناعة في مصر.

بدائل متعددة بعيدًا عن الغاز الإسرائيلي

رئيس الوزراء الإسرائيلي يخطئ إذا ظن أن تهديده بتعليق صادرات الغاز إلى مصر سيشكل ورقة ضغط استراتيجية قادرة على ليّ ذراع القاهرة. صحيح أن مصر وجدت في الغاز الإسرائيلي خيارًا أقل كُلفة نسبياً من الناحية المالية لسد الفجوة المتزايدة بين الاستهلاك المحلي المتنامي وتراجع الإنتاج من بعض الحقول الكبرى مثل "ظُهر"، إلا أن اعتماد القاهرة على هذا الغاز لم يكن أبدًا الخيار الوحيد. فمصر تمتلك شبكة واسعة من البدائل التي تمكّنها من تأمين احتياجاتها، بدءًا من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية بأسعار تنافسية، مرورًا بتفعيل مشروعات الربط مع قبرص واليونان، وصولاً إلى توسيع الشراكات مع دول عربية غنية بالغاز مثل قطر والجزائر. كما أن برامج التوسع في الطاقة المتجددة والطاقة النووية السلمية توفر مسارًا استراتيجيًا لتخفيف الضغط عن الغاز الطبيعي.

وبالتزامن مع ذلك، لا تتعامل القاهرة مع أزمات ملف الطاقة بمنطق رد الفعل، بل تمتلك بالفعل سيناريوهات بديلة لمواجهة أي تقلبات أو انقطاعات في الإمدادات. وتشمل هذه السيناريوهات استيراد شحنات عاجلة من الغاز المسال، وتسريع وتيرة تنمية الحقول البحرية الجديدة في البحر المتوسط والدلتا، إلى جانب إجراءات لترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة. ومن ثم، فإن أي خطوة إسرائيلية لتعليق الإمدادات قد تتحول في واقع الأمر إلى فرصة لتعجيل مسار الاكتفاء الذاتي، وتعزيز استقلال القرار الطاقوي المصري بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

دلالات جيوسياسية

مع ذلك، يحمل احتمال تعليق نتنياهو اتفاقية الغاز المقررة مع مصر عدة دلالات جيوسياسية واستراتيجية، أبرزها:

1- تزعزع قيمة نموذج التكامل الاقتصادي كبديل للصراع العربي–الإسرائيلي. فقد كان التعاون في الطاقة يُقدّم كنموذج للسلام الاقتصادي (Economic Peace)، لكن القرار المحتمل يثبت أن الاقتصاد لا ينفصل عن الجيوسياسة، وأن التعاون يظل رهينًا بالموازين الاستراتيجية والأمنية.

2- الإضرار بالهدف الاستراتيجي المصري في أن تصبح مركزًا محوريًا لتداول الغاز وإعادة تصديره، وهو ما قد تكون له تداعيات سلبية على أمن الطاقة في أوروبا، التي تعتمد على الغاز المصري–الإسرائيلي جزئيًا عبر خطوط وأنابيب ومحطات إسالة في إدكو ودمياط.

3- إضعاف ثقة المستثمرين في قطاع الغاز بشرق المتوسط. فالتراجع المفاجئ من جانب إسرائيل عن الالتزامات التعاقدية يفتح الباب لخسائر مالية جسيمة، ويضعف صورة المنطقة كبيئة آمنة للاستثمار، ويخصم من رصيد دولها في مواجهة التحديات العالمية.

دروس استراتيجية

ومن منظور استراتيجي، يطرح قرار نتنياهو بتعليق مفاوضات الغاز مع مصر، إذا ما ثبتت صحته، عدة دروس أساسية، لعل من أبرزها ما يلي:

أولاً، إن هشاشة قطاع الطاقة تهدد الاستقلال السياسي. كذلك، فإن الاعتماد على مصدر خارجي لتلبية الاحتياجات المحلية من الطاقة، خاصة إذا كان هذا المصدر محكومًا باعتبارات أيديولوجية متطرفة، يخلق ثغرة في منظومة الأمن القومي.

ثانيًا، إن إسرائيل ليست شريكًا اقتصاديًا محايدًا، ولا يمكن الوثوق به في ظل الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية. فمثل هذه الحكومة توظف أدوات الاقتصاد لتكريس تفوقها ومحاولة إخضاع محيطها العربي. وبالتالي فإن الثمن السياسي لاستيراد الغاز منها قد يفوق أي مكاسب مالية محتملة.

ثالثًا، ضرورة تنويع الشركاء الخارجيين والسعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. فمصر مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة بناء استراتيجيتها الطاقوية، عبر توسيع الاستكشاف البحري وتعزيز التعاون مع شركاء بديلين مثل قطر وروسيا والجزائر، لتأمين استقلال قرارها الوطني.

الغاز… وقود جديد في معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي

على أية حال، تؤكد هذه الأزمة أن الصراع العربي–الإسرائيلي لم ينتهِ، بل تبدّلت أدواته وانتقل من ميادين الحرب إلى أسواق الطاقة. فالغاز الطبيعي لم يعد مجرد وقود لمحطات الكهرباء، بل وقودًا لصراع الإرادات، ومرآة لتوازنات القوة في المنطقة.

ومن جهة أخرى، تمثل مصر، بما تملكه من موقع جغرافي وبنية تحتية متقدمة لتسييل الغاز وإعادة تصديره، شريكًا لا غنى عنه لإسرائيل نفسها. وبالتالي، فإن أي توقف في إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من إسرائيل لن يلحق الضرر بمصر وحدها، بل سيضرب المصالح الاقتصادية الإسرائيلية ذاتها "في مقتل"، ويُفقد تل أبيب ثقة الشركاء الدوليين الذين ينظرون إلى مصر باعتبارها البوابة الرئيسية لتسويق الغاز الإسرائيلي إلى الأسواق الأوروبية.

وفي هذا السياق، يجب أن تتعامل القاهرة، بما تملكه من موقع ودور وتاريخ، بوعي استراتيجي عميق مع التهديدات الإٍسرائيلية بتسييس التعاون في قطاع الغاز الطبيعي، وأن تبني سيادتها الطاقوية كشرط لبقاء قرارها الوطني مستقلاً، بعيدًا عن أوهام "إسرائيل الكبرى".