في خطوة غير متوقعة أثارت الكثير من التساؤلات، أعلنت المملكة المتحدة في 31 أغسطس 2025 إغلاق سفارتها في القاهرة بصورة "مؤقتة"، وذلك عقب قرار السلطات المصرية إزالة الحواجز الأمنية المحيطة بمبنى السفارة في حي جاردن سيتي. ورغم أن لندن قدّمت القرار في إطار احترازي، فإن جذور هذا التوتر تكشف عن أبعاد أعمق تتعلق بالسيادة الوطنية، ومحاولة بعض المسئولين البريطانيين التدخل في الشئون الداخلية لمصر من خلال دعم جماعات غير قانونية ونشطاء حقوقيين أدانتهم أحكام القضاء المصري.
فالقاهرة لم تتخذ هذا القرار بمعزل عن السياق. فقد جاء بعد تقاعس السلطات البريطانية عن توفير الحماية الكافية للسفارة المصرية في لندن، حين حاصر متظاهرون مؤيدون لغزة المبنى. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ اعتقلت الشرطة البريطانية شاباً مصرياً من اتحاد شباب المصريين في الخارج أثناء محاولته الدفاع عن السفارة، قبل أن تتدخل الخارجية المصرية للإفراج عنه. بالنسبة للقاهرة، بدا المشهد تعبيراً عن ازدواجية المعايير في التعامل مع البعثات الدبلوماسية، وهو ما استدعى رداً يعيد التوازن.
رسالة مصر إلى العالم
إزالة الحواجز الأمنية لم يكن إجراءً أمنياً فحسب، بل رسالة سياسية واضحة. فهي تؤكد أن سيادة مصر ليست قابلة للتفاوض، وأن المعاملة بالمثل باتت أساساً حاكماً في السياسة الخارجية المصرية. فالقاهرة أرادت أن تقول إن أمن السفارات الأجنبية داخل أراضيها سيُحدد وفق تقديرها السيادي، تماماً كما يجب أن تحترم الدول الأخرى أمن بعثاتها المصرية في الخارج.
هذه الرسالة تأتي في سياق إقليمي حساس، إذ تواجه مصر ضغوطاً متزايدة للقبول بترتيبات تمس جوهر القضية الفلسطينية، من بينها مشاريع تهجير قسري أو تسويات تنتقص من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وفي ظل هذه الأجواء، رأت القاهرة أن ما جرى أمام سفارتها في لندن لم يكن مجرد حادث عرضي، بل جزءاً من مشهد أوسع لمحاولات اختبار صلابة الموقف المصري.
مرجعية قانونية وسياسية
الموقف المصري يستند إلى المادة 22 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، التي تمنح الدولة المضيفة سلطة تقدير الترتيبات الأمنية حول البعثات الدبلوماسية. ومن جهتها، خلصت الأجهزة الأمنية المصرية إلى أن الوضع لا يستدعي استمرار الحواجز الاستثنائية التي فُرضت منذ سنوات حول السفارة البريطانية في حي جاردن سيتي الراقي. سياسياً، جاء القرار بمثابة رد مباشر على ما اعتبرته القاهرة تقاعساً بريطانياً في حماية مصالحها.
وبالمناسبة، ليست هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها مبدأ المعاملة بالمثل على الساحة الدولية. ففي عام 2017، أزالت واشنطن الحواجز الأمنية حول السفارة الروسية رداً على إجراءات مماثلة اتخذتها موسكو. والصين بدورها تلتزم بتطبيق هذا المبدأ بصرامة في علاقاتها مع الدول الغربية. من هنا، تبدو الخطوة المصرية جزءاً من تقليد دبلوماسي راسخ، لا خروجاً عنه.
انعكاسات محتملة
الأزمة الدبلوماسية الراهنة تفتح الباب أمام عدة تداعيات. فمن ناحية، قد تؤثر سلباً، في حالة امتدادها لفترة زمنية طويلة، على التعاون المصري–البريطاني في مجالات الأمن والاقتصاد، لاسيما أن لندن تُعد شريكاً مهماً في الاستثمار والتجارة والأمن. ومن ناحية أخرى، فإن إصرار القاهرة على مبدأ المعاملة بالمثل يعزز من مكانتها كقوة إقليمية تسعى لإرساء قواعد أكثر عدلاً في العلاقات الدولية.
وإدراكاً لخطورة الموقف، حرصت القاهرة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، كما ظهر في الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول. لكن احتواء الأزمة يتطلب التزاماً بريطانياً واضحاً بحماية المقار الدبلوماسية المصرية، بما يضمن استعادة الثقة المتبادلة.
خيارات الحل
من أجل تجاوز الأزمة سريعاً، يمكن للجانب المصري النظر في:
1- إطلاق حوار استراتيجي مع الجانب البريطاني، من أجل إعادة تعريف أطر التعاون الثنائي ويضمن معالجة جذور التوتر قبل تفاقمها، وبالتالي تجنب حدوث أزمة دبلوماسية مشابهة في المستقبل.
2- تطوير آليات دبلوماسية مبتكرة لمعالجة حالات اختلال التوازن في المعاملة بالمثل.
3- تعزيز التنسيق مع دول الجنوب العالمي لصياغة ميثاق شرف دبلوماسي يقوم على المساواة.
4- إجراءات داخلية مصرية تشمل إنشاء وحدة بوزارة الخارجية لمتابعة تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وتدريب الدبلوماسيين على آليات تفعيله.
إلى جانب ذلك، يمكن لمراكز الفكر في الجانبين ممارسة دور في تعظيم التعاون المستقبلي وتجنب الأزمات وسوء الفهم والتقدير لدى مسئولي الجانبين، من خلال تنظيم حوارات مغلقة بين الخبراء، أو عقد ندوات مشتركة بين المؤسسات البحثية المرموقة في الدولتين، وإصدار تقارير تستشرف مستقبل العلاقات المصرية-البريطانية.
تحول في السياسة الخارجية المصرية
الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين القاهرة ولندن تمثل علامة فارقة في تطور السياسة الخارجية المصرية، إذ تكشف عن رؤية استراتيجية عميقة للتعامل مع المستجدات الدولية والاقليمية الأخيرة. كما تكشف أيضاً عن مساعٍٍ حثيثة تبذلها القيادة المصرية من أجل صياغة قواعد جديدة للتعامل في الفترة المقبلة، وذلك بما يتسق مع مكانة مصر العالمية والإقليمية كدولة محورية وعضو مؤسس في حركة عدم الانحياز.
وبهذا المعنى، فإن القاهرة لا تدافع عن مصالحها فحسب، بل تقدم أيضاً نموذجاً لدول الجنوب التي تسعى إلى تحقيق معادلة أكثر توازناً وعدالة في النظام الدولي. وهذا النموذج يقوم على ضرورة الاحترام الكامل لسيادة مصر وأمنها القومي باعتبارهما خطين أحمرين.
وفي هذا السياق، يمكن القول إنه بقدر ما تمثل الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين القاهرة ولندن تحدياً للعلاقات الثنائية، فإنها أيضاً فرصة لإعادة ضبط ميزان الاحترام المتبادل، ولإعادة تأكيد حقيقة أن مصر اليوم ليست هي الدولة التي يمكن تجاوز سيادتها أو اختبار صبرها.