أنهت إسرائيل حرب الإثنى عشر يوماً التي شنتها ضد إيران وحاولت خلالها تعزيز سردية النصر المطلق التي يروج لها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليعود ويستكمل الحرب ضد قطاع غزة – باعتبارها حلقة الابتداء في هذه السلسلة الصراعية والحرب متعددة الجبهات التي تقوم بها تل أبيب في المنطقة – التي تدخل عامها الثاني دون أن تتحقق الأهداف التي وُضعت لها من ناحية تحرير الرهائن والتحييد الكامل للقدرات العسكرية والسياسية لحركة حماس.
وفي هذا الإطار، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي ربط نتائج المواجهة مع إيران بأهداف حربه ضد القطاع، حيث ذهب لكون انتصاره في هذه المواجهة سيشكل ضغطاً متزايداً على حركة حماس ويدفعها للرضوخ لشروط اتفاق تسوية تعلن خلاله هزيمتها وتسليم أسلحتها وتحرير الرهائن، وهو ما بدا أنه غير متحقق في ظل فشل جولة التفاوض الأخيرة، بل تطورت الأحداث بشكل دراماتيكي مع إعلان المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر في إسرائيل في 7 أغسطس 2025 عن اقتراح نتنياهو باحتلال قطاع غزة.
تُثير هذه التطورات بدورها التساؤل حول آفاق عملية التسوية وما إذا كان هذا الإعلان يمثل الرؤية الإسرائيلية لليوم التالي للحرب التي لطالما تهرب المستوى السياسي الإسرائيلي من توضيح ملامحها في ظل شكوك بامتلاكه استراتيجية للخروج أم أنه جاء في إطار سياق المناورة لفرض الضغط وتعزيز تماسك الائتلاف والإبقاء على حالة الحشد اليميني في الشارع الإسرائيلي.
حسابات اللحظة الراهنة للموقف الإسرائيلي
تأتي هذه التطورات التي ترافقت مع فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس، من ناحية الإعلان الإسرائيلي عن الاحتلال الكامل لقطاع غزة، في ظل سياق داخلي ضاغط تتعقد معه حسابات الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف، على نحو تتعزز معه التكهنات وعدم اليقين بشأن الدوافع الحقيقية وراء هذا الإعلان ما بين كونه يعكس التوجه نحو تطبيق الرؤية التي تدعمها الأحزاب اليمينية المتطرفة الدافعة نحو تهجير سكان القطاع وإعادة احتلاله على غرار وضع ما قبل عام 2005، قبل قرار الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، والذي صوّت بتأييده (آنذاك) رئيس الحكومة الحالي، وما بين كونه يأتي في إطار هامش المناورة التكتيكية التي توفر مساحة حركة لرئيس الوزراء لتعزيز تماسك الائتلاف خاصة بعد الانسحابات الأخيرة للأحزاب الحريدية من الحكومة، وفي الوقت ذاته يختبر تكلفة تطبيق هذه الرؤية ارتباطاً بعوامل السياق الضاغط في الوقت الراهن داخلياً وخارجياً.
وفي هذا الإطار، يُمكن تفصيل بعض العوامل التي تشكل خلفية مهمة في إصدار هذا الإعلان وأبعاده المحتملة، والتي تتركز على محددات السياق الحاكمة لسياسات الحكومة الإسرائيلية في الوقت الراهن، وذلك على النحو التالي:
1- تصاعد حدة الاستقطاب الداخلي: يشهد الداخل الإسرائيلي تصاعداً ملحوظاً في حدة الاستقطاب، وذلك ارتباطاً بعدة عوامل يأتي في مقدمتها الحرب التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة، والتي أدى طول أمدها -حيث تدخل عامها الثاني- إلى تصاعد حدة الاستقطاب ما بين تيار يعارض، وآخر يؤيد الذهاب لاتفاق لتحرير الأسرى بحسب ما تعكسه استطلاعات الرأي التي كشفت عن ارتفاع هذه النسبة في أعقاب الحرب الإسرائيلية ضد إيران. على سبيل المثال، أظهرت نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته الجامعة العبرية يومي 15 و16 يونيو الماضي، ارتفاع نسبة التأييد لصفقة رهائن تُنهي الحملة العسكرية من 68% إلى 76% منذ بدء العملية الإيرانية، ويؤيد 71% من الإسرائيليين اليهود هذه الصفقة[1]، وهو ما تقاطع أيضًا مع نتائج الاستطلاع الذي بثته القناة 12 الإسرائيلية في 11 يوليو الفائت، بأن 74% من الإسرائيليين، بما في ذلك 60% من الأشخاص الذين صوتوا لصالح الائتلاف يؤيدون اتفاقاً لتحرير الأسرى[2].
رغم أن هذه النسب قد تتباين ارتباطاً بتغيرات السياق المرتبط بإعلان الحكومة الإسرائيلية الاحتلال الكامل لقطاع غزة، إلا أنها مؤشر استدلالي يعكس وجود انقسام في الشارع الإسرائيلي ما بين مؤيد ومعارض لهذا التوجه ارتباطاً بأولوية تحرير الأسرى كهدف أساسي للحرب ضد القطاع، الذي تتضائل فرص تحقيقه مع تفضيل الحكومة الإسرائيلية المسار العسكري والاتجاه للتصعيد باحتلال كامل القطاع. وينعكس هذا الانقسام في الوقت الحالي في المظاهرات التي يقودها أهالي الأسرى، وتتضامن معها بدرجة كبيرة المعارضة محدودة التأثير في تفاعلات المشهد العام.
أيضاً يتكامل مع هذا المشهد الاستقطابي مشهد آخر لا يقل أهمية في الوقت الراهن بل قد يزيد في تأثيره إذا تفاقمت حدة تصعيد أزمة قانون تجنيد الحريديم، التي تعكس ملمحاً للاستقطاب السياسي والمجتمعي، والتي تتصاعد في الوقت الحالي بشكل دراماتيكي خاصة في ضوء التطور الأخير المرتبط بموجة الاعتقالات التي طالت عدداً من شباب الحريديم المتهربين من الخدمة العسكرية، وهو ما نتج عنه خروج تظاهرات لمئات الحريديم أمام السجن المحتجز فيه الأعضاء المنتمون إليهم رافعين لافتات ضد ما وصفوها بـ "إسرائيل الكافرة"[3].
وما بين هذا وذاك تبرز خطوط التباين المحدود بين المستوى السياسي والعسكري اللذين يتوحدا على أهداف الحرب ضد قطاع غزة، وكذا أساليب فرض الضغط ضد البيئة المحلية الحاضنة لحركة حماس عبر منع دخول المساعدات في إطار عملية "عربات جدعون"، إلا إنها تباينات لا ترقى لمستوى الخلاف بين وزير الدفاع السابق يوآف غالانت ورئيس الوزراء نتنياهو، إنما ترتبط هذه التوترات التي ترافقت مع إعلان المجلس الوزراي المصغر الاحتلال الكامل لقطاع غزة، بالجوانب المهنية الخاصة بالقدرات القتالية للجيش الإسرائيلي المتطلبة لتطبيق هذا القرار، والتي تواجه بعض التحديات التشغيلية في الوقت الراهن.
2- هشاشة استقرار الائتلاف الحكومي: يعاني الائتلاف الإسرائيلي في الوقت الراهن من الهشاشة المرتبطة بتراجع الأغلبية التمثيلية للحكومة من 68 مقعد إلى 60 مقعد فقط، وذلك على خلفية انسحاب الحزب الحريدي "يهودت هتوراه" (7 مقاعد) وعضو الكنيست الوحيد الذي يمثل حزب "نوعام"، من الحكومة والائتلاف، وكذلك انسحاب حزب "شاس" (11 مقعد) من الحكومة مع بقاءه في الائتلاف لمنع الحكومة من السقوط[4]. وجاءت هذه الانسحابات على خلفية أزمة قانون تجنيد الحريديم، حيث بدا إقدام الأحزاب الحريدية على هذه الانسحابات كمناورة لاستيعاب ضغوط الناخبين الحريديم، وفي الوقت نفسه رفع مستوى الضغط ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي حاول كعادته المراوغة بأن يجدد الأمل لدى قادة هذه الأحزاب وجمهور ناخبيها الذين يشكلون ضغطاً ضد الائتلاف، فاتجه إلى إقالة رئيس لجنة الخارجية والأمن يولي إدلشتاين الذي كان يعترض على تمرير صيغة قانون يتم بموجبها إعفاء الحريديم من التجنيد[5]. وفي هذا الصدد بدا أن نتنياهو أراد من خلال هذه الإقالة أن يعكس لقادة الأحزاب الحريدية وجمهورها نيته بحسم الأمر وإصدار القانون، إلا أن تطورات المشهد الراهن المرتبطة باعتقالات الحريديم وتظاهرات اعضائها تعكس غير ذلك، وأن هذه التحركات من جانب نتنياهو إنما كانت محاولة لكسب مزيد من الوقت، وترحيل هذه الأزمات لتجنب تشابكها مع ضغوط أخرى فتخلق أزمة وجودية لاستمرار الائتلاف.
تعمق هذه المعطيات بدورها من هشاشة استقرار الحكومة والائتلاف التي تعزز في الوقت نفسه من زيادة تأثير الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة التي يقودها كل من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، التي تعمل بطبيعة الحال على استغلال هذا الوضع لإخضاع نتنياهو لضغوطها المرتبطة بدرجة أساسية بمطالب عدم الذهاب إلى اتفاق يقود لوقف إطلاق النار في قطاع غزة خاصة في ظل نتائج استطلاعات الرأي التي لا يتمكن حزب "الصهيونية الدينية" الذي يتزعمه سموتريتش من تجاوز عتبة الحسم اللازمة للحصول على مقاعد بالكنيست القادم[6]. ولذلك يعوّل قادة هذه الأحزاب على الخطاب والسياسات التصعيدية المتخذة في قطاع غزة والضفة الغربية ومنها الإعلان عن الاحتلال الكامل للقطاع لتحسين وضعيتها لدى جمهور ناخبيها في الانتخابات القادمة.
3- تزايد ضغوط اتساع رقعة الاعتراف بالدولة الفلسطينية: فرضت الإعلانات الغربية من جانب عدد من العواصم الأوروبية عن اتجاهها للاعتراف المنفرد بدولة فلسطينية كآلية ضغط لإيقاف الحرب ومنع الحكومة الإسرائيلية من الإقدام على المزيد الانتهاكات والسياسات المتطرفة المتعمدة لتغييب حل الدولتين كمسار قابل للتطبيق، مزيداً من الضغوط ضد الحكومة الإسرائيلية نظراً لما تحدثه هذه التوجهات الغربية من حالة انكشاف في سردية الانتصار المطلق التي يروجها رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الرأي العام الإسرائيلي، والتي يربطها ليس فقط بتحقيق الأهداف المعلنة للحرب ضد قطاع غزة، وإنما يربطها بمنع أي مسار من شأنه التأسيس لقيام دولة فلسطينية، وذلك عبر المسار العسكري ومخططات الاحتلال والتهجير التي يُفصح عنها. وفي هذا السياق يعمل المستوى السياسي الإسرائيلي على تحييد آثار هذه التوجهات عبر النزوع نحو سياسات أكثر تطرفاً في قطاع غزة على غرار الإعلان باحتلال القطاع وكذلك التوسع في السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية.
4- جمود المشهد التفاوضي: راهن رئيس الوزراء الإسرائيلي على الذهاب إلى اتفاق هدنة جزئية مفرغة المضمون بحيث لا يشمل أية التزامات بضمان وقف إطلاق النار بعد انقضاء الهدنة أو مرونة بشأن خرائط الانتشار العسكري داخل القطاع، بحيث ينحصر الاتفاق في إطلاق سراح أسرى مقابل أسرى، في مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار، وهو ما كان من شأنه احتواء ضغوط الداخل لأهالي الأسرى والمتضامنين معهم، وكذلك تخفيف الضغوط الدولية، بيد أن فشل جولة المفاوضات نتيجة إصرار الموقف الإسرائيلي على أن يكون الاتفاق وفقاً للمعايير السابقة، التي يتقيد فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بما يشترطه شركاؤه في الائتلاف من الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، عقّد من الحسابات السياسية لرئيس الوزراء، الذي اختار التصعيد المتماهي مع أجندة اليمين المتطرف تجنباً لأي انسحابات قد يُقدم عليها قادة هذه الأحزاب على نحو يقود إلى انهيار الحكومة.
آفاق ومسارات التسوية المحتملة
تفرض معطيات المشهد الراهن حسابات ضيقة ينطلق منها المستوى السياسي الإسرائيلي في صياغة توجهه نحو مسارات التسوية وسيناريوهات اليوم التالي للحرب في قطاع غزة، ارتباطاً بالأجندة اليمينية المتطرفة التي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي وشركاؤه في الائتلاف إلى تصديرها للمشهد على نحو يسهل معه عمليات الحشد والتعبئة للناخبين من التيار اليميني المتطرف في الشارع الإسرائيلي كحاضنة دعم سياسي في مواجهة ضغوط الداخل، وكذلك الضغوط الخارجية.
بيد أن هذه التحركات الراهنة للائتلاف الحكومي، والتي انعكست في الإعلان عن الاحتلال الكامل لقطاع غزة -وإن ارتبطت في خلفيتها بحسابات سياسية ائتلافية ضيقة- إلا إنها تعبر عن رؤية اليمين الإسرائيلي التي تتسيد المشهد في الوقت الراهن خاصة في أعقاب المواجهات التي خاضتها تل أبيب في المنطقة في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر ومحاولتها إزالة وصمة الفشل والهزيمة التي لحقت بها عبر ترسيخ وتحقيق سردية "النصر المطلق" التي يروج لها المستوى السياسي، والتي رفعت بدورها من سقف توقعات وطموح الجمهور اليميني المتطرف الذي يشكل بيئة حاضنة للائتلاف الحكومي الراهن، وهو ما يجعل هذا الأخير لا يُقدم على مسارات من شأنها الإضرار بما حققه من إنجازات تكتيكية يسعى لترجمتها إلى أهداف استراتيجية وسياسية، تساعده في تمرير رؤيته وترميم صورته في الداخل وتجديد فرص الفوز في الانتخابات القادمة.
ارتباطاً بهذا السياق، تنحصر خيارات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في ضوء معطيات المشهد الراهن في عدة مسارات يُمكن إجمالها على النحو التالي:
1- النزوع نحو احتلال القطاع وتغيير جغرافيته السياسية: وفقاً لما جاء في إعلان المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر الإسرائيلي بالموافقة على خطة احتلال قطاع غزة، وهو ما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي ترويجه بأنه "سيطرة أمنية على أراضي القطاع"، كما جاء خلال مقابلته مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية قبل اجتماع مجلس الوزراء، قائلاً: "نعتزم السيطرة على كامل أراضي قطاع غزة بهدف ضمان أمننا، ونقل السيطرة على القطاع إلى حكومة مدنية لا تضم حماس أو أي طرف آخر(في إشارة إلى السلطة الفلسطينية)"[7]، فإن مؤشرات هذا المسار تتعزز في الوقت الراهن خاصة مع استمرار جمود المشهد التفاوضي في ظل التعنت الإسرائيلي، وكذلك تحركات الحكومة الإسرائيلية بالاستهداف النوعي للصحفيين الفلسطينيين داخل القطاع. وتستغل الحكومة الإسرائيلية بيئة الضغط الدولي الدافعة نحو تأمين خيار حل الدولتين وفرص قيام دولة فلسطينية بتأمين شرعية داخلية لخطتها التي تستهدف من خلالها إقرار واقع جديد تتغير معه الجغرافيا السياسية للقطاع باعتبار ذلك يمثل الخيار الاستراتيجي غير المحكوم فقط بالحسابات السياسية الضيقة للائتلاف، وإنما لدرء خطر تأسيس دولة فلسطينية في الجوار، وهو ما يتلاقى مع توجه الجمهور الإسرائيلي بعد أحداث السابع من أكتوبر وسياسات الحشد اليميني التي تعمدتها الحكومة الإسرائيلية لكراهية الآخر الفلسطيني وفرص التعايش السلمي معه، وهو ما عكسته نتائج استطلاعات الرأي التي أكدت تراجع النسبة المؤيدة لخيار التعايش السلمي مع الفلسطينيين بين الجمهور الإسرائيلي لتصل إلى 21% من البالغين الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل والدولة الفلسطينية يمكن أن تتعايشا بسلام - وهي أدنى نسبة منذ بدء طرح هذا السؤال في عام 2013 وفقاً لنتائج استطلاع الرأي الذي أجراه مركز بيو للأبحاث في الفترة من 5 فبراير إلى 11 مارس 2025[8]، وتؤكده نتائج استطلاعات أخرى[9].
ومن شأن هذه الخطة وهذا المسار أن يضمن تغيير جغرافيا القطاع وتقطيع الأواصر بينه وأي دولة مستقبلية ممكنة مع الضفة الغربية. ومن ناحية أخرى، فرض هياكل حكم سياسي ومجتمعي تعزز من الانقسام الداخلي وتساعد في تشكيل حواضن محلية كبديل لحكم السلطة الفلسطينية (الطرف الشرعي المقبول دولياً) لقطع الطريق أمام المحاولات الإقليمية والدولية للإبقاء على خيار حل الدولتين.
2- القبول باتفاق تهدئة جزئي "مفرغ المضمون": وفقاً لحسابات التكلفة التي تقدرها التقارير الإسرائيلية للسيناريو السابق سواء من ناحية الخسائر البشرية المباشرة في صفوف الرهائن والجنود الإسرائيليين أو على المستوى الاقتصادي المرحلي والمستدام في ضوء المسئولية المترتبة على إسرائيل باعتبارها ستكون سلطة الاحتلال القائمة في القطاع، وهو ما سيترتب عليه مشاكل ائتلافية سيكون معها صعوبة قبول بنود مالية يتم تمريرها لتوفير الإمدادات الأساسية لسكان القطاع، خاصة في ضوء الرفض الإقليمي المحتمل لتمويل إعادة الإعمار تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، فضلاً عن حاضنة الرفض الإقليمي والدولي لمخططات تهجير السكان كبديل لتحمل تلك التكلفة، فإن سيناريو احتلال القطاع قد يوفر هامش حركة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يستهدف من وراءه فرض الضغط على الدول الغربية ورفع كلفة تحركاتها بدعم قيام دولة فلسطينية وفي الوقت نفسه ممارسة مزيد من الضغوط ضد حركة حماس، وهو ما يراهن نتنياهو بأن يدفع كافة الأطراف لتجنب هذا السيناريو في مقابل تراجع الأولى عن ضغوطها والتماهي مع اعتبارات الحكومة الإسرائيلية برفض قيام دولة فلسطينية ودفع الثانية للقبول باتفاق تهدئة جزئي "لا مرونة فيه" بشأن ضمانات استدامة وقف إطلاق النار أو خطط الانتشار العسكري لتجنب هذا السيناريو الذي سترتفع معه التكلفة البشرية في صفوف المدنيين الفلسطينيين. ومن ثم، قد يُنظر إلى السيناريو الأول باعتباره تكتيكياً لفرض السيناريو الثاني لتجنب التكلفة الإسرائيلية المتوقعة مع عدم استبعاده واستكماله في حال فشل هامش المناورة لدفع المشهد نحو مسار سياسي تتحقق معه المصالح الإسرائيلية دون تكلفة.
ما بين هذا وذاك قد تُراوح الحكومة الإسرائيلية بين السيناريوهين ارتباطاً بعامل التكلفة الذي سيتصاعد إذا ما أقدمت على استكمال السيناريو الأول وزادت معها الضغوط الخارجية وكذلك ضغوط الداخل التي ستكون حساسة لتزايد أعداد القتلى في الأسرى الإسرائيليين وكذلك في صفوف الجنود. بيد أن سوابق الحكومة الإسرائيلية الراهنة في التعامل مع عامل التكلفة التي تربطها دائماً بأهداف استراتيجية على غرار القضاء على فرص قيام دولة فلسطينية لجعلها مقبولة التحمل والمزايدة على الرافضين، قد تقلص الرهانات على آثار هذا العامل في تغيير حسابات الحكومة الإسرائيلية، إلا إذا جرى في المشهد ما لم يحدث في سوابق التصعيد السابقة كقرار اجتياحها مدينة رفح، بشكل سيصعب معه احتواء عامل التكلفة، وهو ما ستكشف عنه تطورات قادم الأيام.
[9] מדד החברה הישראלית לחודש מרץ 2025: 85% מהיהודים לא רואים סיכוי לשלום עם הפלסטינים, JPPI, March 11, 2025. Retrieved from: https://shorturl.at/NL58E