د. محمد السعيد إدريس

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في إطار تقييمه للإرهاصات التى سبقت تفجر ثورة 23 يوليو عام 1952، ومنها سياسة "الاغتيالات السياسية" لرموز النظام البائد، تحادث جمال عبد الناصر مع نفسه رافضاً وبشدة لـ "الاغتيالات السياسية" كمنهج لـ "التغيير الثوري المطلوب من أجل مصر" الذي يحلم به ورفاقه، وقال: "يجب أن يتغير طريقنا .. ليس هذا هو العمل الإيجابي الذى يجب أن نتجه إليه.. إننا نحلم بمجد أمة"، وهنا وجد نفسه أمام تفجر سؤالين، على نحو ما أوضح في "فلسفة الثورة":

أولهما: ما الذى نريد أن نصنعه؟

وثانيهما: وما طريقنا إليه؟

وبعد أن نجح الحدث الثوري ليلة 23 يوليو 1952 وتداعت النجاحات تلو الأخرى، عاد ليسأل: أكان الذى حدث يوم 23 يوليو هو كل ما نريد أن نصنعه؟، ويجيب بالنفى، ويقول: "إنه كان الخطوة الأولى على الطريق"، ويزيد: "والحق أن فرحة النجاح في 23 يوليو لم تخدعني، ولم تصور لى أن الآمال قد تحققت وأن الربيع قد جاء، بل لعل العكس هو الصحيح".

وهكذا كانت البدايات...

أولاً: الجوار الإقليمي والدوائر الثلاث

كان إدراك جمال عبد الناصر عالياً بعاملين وهو يتطلع بالثورة إلى الأمام وهي تحقق نجاحاتها في الداخل: الأول عامل الزمان، والثاني عامل المكان، وهو يفكر في الدور، أو بالأحرى، الأدوار التي يجب أن تقوم بها الثورة المصرية كي تكتمل نجاحات "الفعل الثوري" الذى يحمي الثورة في الداخل ويؤمِّن نجاحها في مشروعها الذى قامت من أجله.

أدرك عبد الناصر مبكراً تأثير هذين العاملين كمحددين أساسيين للدور الذى يجب أن تقوم به، وهنا يقول في "فلسفة الثورة" أيضاً: "لم يعد مفر أمام كل بلد من أن يدير البصر حوله خارج حدود بلاده ليعلم من أين تجيئه التيارات التي تؤثر فيه، وكيف يمكن أن يعيش مع غيره.. وكيف؟ .. ولم يعد مفر أمام كل دولة من أن تنظر حولها تبحث وضعها وظروفها في المكان، وترى ماذا تستطيع أن تفعل فيه وما هو مجالها الحيوي، وميدان نشاطها ودورها الإيجابي في هذا العالم المضطرب"، قال هذا انطلاقاً من وعيه بحقيقة مهمة كان يرددها: الزمان يفرض علينا تطوره.. والمكان يفرض علينا حقيقته، ومن هنا بالتحديد استطاع جمال عبد الناصر أن يتوصل في تأمله العميق لـ "المكان"، أو ما يسمى حالياً "الموقع الاستراتيجي" المصري الذى يتوسط القارات الكبرى القديمة الثلاث التي هي "قلب العالم" آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى الدوائر الثلاث الأساسية:

- الدائرة العربية، التي "هي منا ونحن منها.. امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحنا بمصالحها، حقيقة وفعلاً، لا مجرد كلام".

- الدائرة الإفريقية، التى "شاء القدر أن نكون فيها، وشاء القدر أيضاً أن يكون فيها صراع مروع حول مستقبلها، وهو صراع سوف تكون آثاره لنا أو علينا، سواء أردنا أو لم نرد".

- الدائرة الإسلامية، التى تضم عالماً إسلامياً تجمعنا وإياه روابط لا تقر بها العقيدة الدينية فحسب، وإنما تشدها حقائق التاريخ".

هذا الإدراك التمييزي للدوائر الثلاث دعمه إدراك آخر بـ "الدور المصرى" وأن وجود مصر في مكانها التاريخي والجغرافي لم ولن يكون أمراً عبثياً، فكما وعى جمال عبد الناصر أن "القدر لا يهزل"، وأن مصر مناط بها "دور البطل التاريخي" في قلب هذا العالم الذى تعيش فيه ويعيش فيها ولكن مع وعي بأن هذا الدور "ليس دور زعامة، إنما هو دور تفاعل وتجاوب" أي دور مسئولية.

هكذا كانت بداية الإدراك، ومنه وبه انطلقت مسئولية العلاقة مع ما أسماه جمال عبد الناصر بـ "الدائرة الإسلامية"، "دائرة إخوان العقيدة" الذين "يتجهون معنا، أينما كان مكانهم تحت الشمس، إلى قبلة واحدة، وتهمس شفاههم الخاشعة بنفس الصلوات". وبهذا الوعي المبكر كان تقديره يفوق كل الحدود في ما يمكن أن يحققه "عالم إسلامي ناهض، بملايين تجمعهم عقيدة واحدة"، وبه تحددت "معالم الدور" و"حدود المسئولية" للثورة الجديدة في مصر، وبالأخص تجاه "الجوار الإقليمي الإسلامي" الذى تحدده الجغرافيا ويرسم معالمه التاريخ، أي الأمم الثلاث الكبرى التى صنعت الحضارة العربية الإسلامية المجيدة: الأمة العربية التى خصها الله سبحانه وتعالى بالرسالة وبالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأمة الإيرانية (بمكوناتها المختلفة عرقياً ودينياً) والأمة التركية، هذه الأمم الثلاث، ومعها الأمة الكردية، ربطت بينها الجغرافيا والتاريخ معاً، وجمعتها "العقيدة الواحدة" ومنها كان "النهوض الحضاري".

هذه الأمم الثلاث تشكل ما نسميه بـ "المثلث الذهبي" الذى يمكن أن ينطلق منه النهوض الحضاري المأمول في عالم أرادوا أن تكتسحه وتسيطر عليه حضارة واحدة هي الحضارة الغربية بكل عنصريتها وتسلطها وإمبرياليتها الجديدة التي هي امتداد طبيعي لإمبريالتها القديمة. ويتفق معنا في هذا الإدراك، بل وسبقنا إليه، العالم الجليل الدكتور جمال حمدان الذى أعطى لهذا المثلث: مصر (العرب) وإيران وتركيا اسم "مثلث القوة الإقليمي" الذى قال في مؤلفه "نحن وأبعادنا الأربعة": "رغم أن مصر في أفريقيا موقعاً فقد كانت أبداً في آسيا، وهي في أفريقيا، بالجغرافيا لكنها في آسيا بالتاريخ"، ويرى أن هذا المثلث سيكون من أهم مراكز القوة الطبيعية في العالم العربي والشرق الأوسط، ويتوافق معه، لحسن الحظ، كبار المفكرين في إيران وتركيا خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية والعالمية المتسارعة والتوجه الإسرائيلي – الأمريكي المحموم لوضع نهاية لما يسمونه بـ "عالم سايكس- بيكو" ويقصدون به النظام الإقليمي الذى أسسته اتفاقية "سايكس – بيكو" لعام 1916 التى فرضت على العرب ورسمت حدود الدول وقسمت العالم العربي، وما فرض قبل ذلك من حدود جديدة لكل من تركيا وإيران مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ضمن مسعاهم لفرض "هندسة جديدة لشرق أوسط جديد" تقوده إسرائيل ويرتكز على تفكيك النظام العربي وإسقاطه من ناحية، وتفكيك الدول الكبرى على الأخص إيران وتركيا ومصر والسعودية وغيرها إلى دويلات صغيرة عرقية وطائفية يسهل إدارتها والتحكم فيها من جانب "القيادة الإسرائيلية".

إدراك هذا الخطر يعيدنا مجدداً إلى السؤال الأهم: كيف نظر جمال عبد الناصر إلى العلاقة مع هذا الجوار الحضاري الإقليمي الذي يجمع الأمم الإسلامية الكبرى: العرب وإيران وتركيا، ودور مصر في التأسيس لمثلث القوة أو "المثلث الذهبي".

هل كان واعياً بضرورة تأسيس هذا المثلث ووفق أي تصور وأي شروط، وكيف أدار عبد الناصر معاركه مع القوى التي كانت تقف حجر عثرة في تأسيس هذا المثلث الذهبي الذى هو "مثلث القوة الإقليمي" الذى يجمع مصر وإيران وتركيا، أو ما نسميه في مدرسة تحليل النظم الإقليمية بـ "قلب النظام" (Core)، أي قلب النظام الإقليمي الذى يجب أن يؤسس ويربط في دائرته الأولى: العرب وإيران وتركيا ويمتد في دوائر أوسع ليشمل "العالم الإسلامي".

الإجابة على هذه التساؤلات يمكن أن تقدم إجابة لسؤال شديد الأهمية وهو: هل كانت "الناصرية" كما جسدها جمال عبد الناصر فكراً ونضالاً "مشروعاً ماضوياً" أم هي بكل وضوح "مشروع المستقبل"؟

هذا هو السؤال، أو الفرضية الأساسية التي ترتكز عليها هذه الورقة.

ثانياً: محددات العلاقة بالجوار الإقليمي

لم يكن إدراك جمال عبد الناصر لمركزية التأسيس لـ "المثلث الذهبي" بين مصر وإيران وتركيا وليد أوهام أو خيالات، لكنه كان إدراكاً استراتيجياً بأن هذا التوجه لتأسيس "محور للقوة الإقليمية" سيكون الأجدر في تحقيق الأهداف الكبرى للثورة المصرية بتطلعاتها القومية والإقليمية:

1- مواجهة المخططات الاستعمارية في الوطن العربي والانتصار لثورة التحرر العربية.

2- مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين والتخلص منه، واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

3- تحقيق هدف الوحدة العربية دون أية عوائق من دول الجوار الإقليمي: إيران وتركيا.

كان الشغل الشاغل لجمال عبد الناصر وهو مسكون بهذا الطموح هو: كيف يمكن أن يتحقق الالتقاء المشترك على هذه الأهداف مع كل من إيران وتركيا ضمن "إطار تكاملي" يؤمِّن التعاون والتنسيق المشترك، والالتقاء على الأهداف العليا، ويحول دون تدخل أي من هاتين القوتين الإقليميتين في الشئون الداخلية لأي من الدول العربية، وأن يقود إلى مواجهة مشتركة مع المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.

لذلك كان جمال عبد الناصر شديد الحرص في شروطه لدعم نضال الشعب الإيراني ضد نظام الشاه، رداً على طلبات بعض فصائل المعارضة الإيرانية بالحصول على الدعم المصري المالي والسياسي والتدريبي اللازم لتفعيل النشاط الثوري ضد نظام شاه إيران حليف الولايات المتحدة الأمريكية وصديق إسرائيل.

فقد طلب عبد الناصر من كل من السيد فتحي الديب (سفير مصر في سويسرا، ورجل المخابرات العامة المكلف بالعمل في الساحة العربية)، والسيد كمال الدين رفعت عضو القيادة المشتركة التعرف على موقف الأخوة الإيرانيين من القضايا التالية:

1- موضوع نظام الحكم كما خططوا له بعد نجاح الثورة، مع توضيح الأساس الاقتصادي والاجتماعي لنظامهم المزمع إقامته. (هنا يتكشف مدى وعي جمال عبد الناصر بثقل ووزن خصائص النظام الاقتصادي والاجتماعي في كل دولة على قرارات سياستها الخارجية وأهدافها العليا التى تحكم علاقاتها بجوارها الإقليمي والعالم).

2- علاقتهم بالنظام الدولي (هل سيختارون الانحياز لأي من المعسكرين الكبيرين المتصارعين: المعسكر الرأسمالي الغربي الذى تقوده الولايات المتحدة، والمعسكر الاشتراكي الذى يقوده الاتحاد السوفيتي، أم سينحازوا إلى "معسكر عدم الانحياز" الذى تقوده مصر والهند ويوغسلافيا ودعم حركات التحرر في دول العالم الثالث، والعمل من أجل هزيمة الاستعمار) .

3- موقفهم من المصالح الأجنبية الموجودة في إيران حالياً (هل سيكملون مسيرة الزعيم الإيراني محمد مصدق في تأميم الثروة الوطنية الإيرانية أم سينحازون إلى جانب الاحتكارات الأجنبية في إيران، بما يعنيه ذلك من إخضاع إيران لإرادة القوى الخارجية صاحبة المصالح في إيران، ومن ثم توظيف إيران الجديدة ضد مشروع التكامل الإقليمي وتأسيس المثلث الذهبي الإقليمي بين مصر وإيران وتركيا).

4- القومية العربية كفكرة (هل هم ضد فكرة ودعوة القومية العربية كما هو حال شاه إيران، أم سيدعمون حركة القومية العربية والتوحيد العربي، الذى يمكن أن يقود إلى تأسيس تكتل عربي يمتلك من القوة ما يوازن كلاً من القوتين الإيرانية والتركية، ومن ثم تأمين نجاح تأسيس التكامل الإقليمي العربي – الإيراني – التركي على أساس من توازن القوى الإقليمي) .

5- المشكلة الكردية (هل هم مع حل ديمقراطي للمشكلة الكردية، أم سيستخدمون تلك المشكلة كأداة لاستنزاف العراق وعرقلة مسيرته العربية على نحو ما يفعل الشاه مع العراق).

6- الشيعة العراقيون (هل سيستخدمون شيعة العراق كورقة للتدخل في الشئون الداخلية العراقية على نحو ما يفعل الشاه، أم سيدعمون الوحدة الوطنية العراقية على أساس من المواطنة المتساوية وليس الصراع المذهبي – الطائفي).

7- الموقف من إسرائيل (هل سيواصل الحكم الجديد في إيران بعد انتصار الثورة سياسة الشاه في التعاون مع إسرائيل على حساب الموقف من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والعلاقات العربية – الإيرانية، أم سيكون لهم موقف مختلف ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي).

8- الخليج العربي وما أثاره الشاه من قضايا الحدود (كان عبد الناصر يعني بالتحديد مطالب الشاه في "شط العرب" والحدود الإيرانية – العراقية، وهي مطالب يعارضها عبد الناصر. ولم تكن قضية جزر الإمارات الثلاث قد تفجرت بعد في ذلك الوقت، فالشاه تسلم الجزر الثلاث من الاحتلال البريطاني ليلة انسحابه من الخليج أول نوفمبر 1971) .

9- وعى المعارضة الإيرانية باستقلاليتها الثورية كضرورة لازمة للنجاح، إذ لم يشأ عبد الناصر أن يفصل هذا الأمر عن شروطه لدعم الثوار في إيران ضد الشاه.

كان عبد الناصر مهموماً بتأمين شروط الثورة ضد الشاه، لذلك كان حريصاً على أن يصلهم هذا الشرط، أي "الاعتماد على الذات والقدرات الذاتية الوطنية قبل أي دعم خارجي"، ولذلك كانت توصيته بهذا الخصوص: "من المهم تأكيدي على ضرورة اهتمامهم بتوفير إمكانيات العمل الثوري محلياً لتكون مساعدتنا لهم في حدود الإمكانيات المتاحة لدينا، وفي إطار تزويدهم بما لا يمكن توفيره لديهم محلياً وليس في قدراتهم المتاحة".

وفق هذه الأسس، تحددت معالم الدور المصري في العلاقة مع إيرن وتركيا بما يمثلانه من ضلعين أساسيين في مثلث النهوض الحضاري المأمول لتكوين قوة مركزية شرق أوسطية قادرة على مواجهة المشروعين: الاستعماري الغربي والاستعماري الصهيوني والانتصار لفلسطين وحقوق شعبها المشروعة، وتحقيق الحلم العربي في الوحدة العربية. هذا يعني حقيقة مهمة وهي وعي جمال عبد الناصر بخصوصية العلاقة بين الدوائر الثلاث: الدائرة العربية التي هي دائرة التأسيس للمشروع الوحدوي العربي، والدائرة الأفريقية التى تناضل فيها مصر لدحر الاستعمار والانتصار لحركة التحرر العالمية، ثم الدائرة الثالثة الإسلامية التي يتمركز محورها في "مثلث القوة الإقليمي" المصري – الإيراني – التركي، الذى يغذي من ناحية الدور المصرى في الانتصار لحركة التحرر العالمية، ويدعم من ناحية أخرى مشروع الوحدة العربية، وتهيئة الظروف الإقليمية المواتية لإنجاح هذا المشروع، وهكذا تتكامل الدوائر في مشروع واحد هو المشروع الناصري الذى يفرض نفسه الآن بقوة لإعادة التدبر الوطني والقومي للتطلع إلى مستقبل عربي يعزز السيادة ويؤسس للنهوض ودحر مخططات إسرائيل والغرب في فرض "سايكس – بيكو" جديدة تعيد تقسيم ما سبق تقسيمه من أرض العرب على أسس جديدة عرقية ومذهبية وطائفية، وتمعن في تعميق الصراعات العربية – الإيرانية، والعربية – التركية، والتركية – الإيرانية، كي لا يبقى غير المشروع الإسرائيلي – الأمريكي.

ثالثاً: نضالات عبد الناصر للتكامل مع الجوار الإقليمي

لم يتوقف جمال عبد الناصر عند حدود الإدراك الاستراتيجي للدور المصري العربي والإقليمي وضروراته، ولكنه امتد إلى الفعل المدروس، بل والعمل النضالي، لإزالة المعوقات التي تقف حجر عثرة أمام الدعوة التكاملية الإقليمية والدفع بمحفزات النجاح نحو الإمام.

ورغم كثافة المعارك والأدوار التي خاضتها وقامت بها مصر ضمن هذا الإدراك والوعي يمكن تحديد معركتين نضاليتين مميزتين ضمن هذا المسار: أولاهما، التصدي الواعي لدعوة تأسيس "حلف بغداد" التي كانت تستهدف الانحراف بمسيرة النضال العربية، والدفع بإيران وتركيا ومعهما باكستان للعمل من أجل إنجاح المخطط الغربي الأمريكي – البريطاني لربط الإقليم الشرق أوسطي بسياسة الأحلاف الأمريكية ضمن الصراع الأمريكي – السوفيتي، ومن على قاعدة إحدى الدول العربية المركزية هذه المرة وهي العراق. وثانيتهما، العمل المكثف من أجل إسقاط نظام الحكم الشاهنشاهي في إيران لصالح الثورة الشعبية الإيرانية، للقضاء على الدور الذى كانت تقوم به إيران الشاه في خدمة المشروع الاستعماري الغربي ومن خلفه المشروع الصهيوني واستنزاف القدرات العربية في العراق وتهديد الأمن القومي العربي في الخليج، طموحاً في قيام إيران أخرى يمكن أن تكون ركيزة نضالية ضد المشروع الاستعمارى الأمريكي – الصهيوني وأن تكون شريكاً في التأسيس لمشروع حضاري إقليمي جديد.

1- إسقاط حلف بغداد

تبنى جمال عبدالناصر مبكراً سياسة الأحلاف التي سخرت لها الولايات المتحدة كل إمكاناتها لفرضها على دول الشرق الأوسط ضمن سياسة إحكام الحصار والاحتواء للاتحاد السوفيتي. وكان "مشروع قيادة الشرق الأوسط" الذى طرحته الولايات المتحدة مدعومة من بريطانيا هو البداية التي منيت بالفشل بعد رفضها عربياً وبالذات انطلاقاً من مصر في عهد آخر حكومة وفدية بزعامة مصطفى النحاس عام 1951. ومع نجاح الثورة في مصر، جدد جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير الجهود الأمريكية بطرح فكرة "الأحلاف" على جمال عبد الناصر، لكنه صدم برد الزعيم المصري. فعندما سأل عبد الناصر جون فوستر دالاس: "التحالف ضد من؟" كانت الإجابة: "ضد الاتحاد السوفييتي"، هنا جاء رد عبد الناصر أن "مصر لن تدخل في تحالف ضد الاتحاد السوفييتي لأنه أولاً لا يحتل أرضاً عربية وأنه ثانياً لا يمثل تهديداً أيديولوجياً للعرب المتمسكين بعروبتهم ودينهم"، وزاد قوله مخاطباً دالاس: "إذا كانت لديكم فكرة تأسيس حلف يستهدف إسرائيل سنكون نحن أول من ينضم إليه"، هنا كانت صدمة دالاس الكبرى ومنها كان عزمه على القضاء عليه.

لم يكتف عبد الناصر بذلك، بعد أن استشعر جدية التحرك الأمريكي- البريطاني لاختراق النظام العربي وربط الدول المركزية العربية بتحالف مع دول إقليمية رئيسية في الإقليم وبالتحديد: تركيا وإيران وباكستان، فتزعمت مصر الدعوة لمحاربة الأحلاف وبالأخص "حلف بغداد" مستندة إلى الأسباب التالية:

أ- خطورة ارتباط الدول العربية أو الانضمام للأحلاف العسكرية التى ستلقى بها في أحضان النفوذ الأجنبي وتقحمها في حرب لا مصلحة لها فيها.

ب- ضرورة توحيد السياسة العربية الخارجية لصالح شعوب الأمة العربية.

ج- العمل على تحويل الضمان الجماعي العربي إلى حقيقة واقعة وتدعيمه بمعرفة الدول العربية نفسها.

د- العمل على تدعيم الجامعة العربية وإتاحة جميع الإمكانيات لها التي تجعلها جديرة بمكانتها لدى الشعوب العربية وتساعد في تكتل العرب وتجمع كلمتهم.

رغم ذلك، سعت حكومة العراق منفردة برئاسة نوري السعيد للتوقيع على المسودة الأولى للتحالف الجديد الذى أخذ اسم "حلف بغداد" في 24 فبراير 1955 مع تركيا، ثم انضمت بريطانيا إلى الحلف بعد مضي نحو شهرين، وتبعتها باكستان في أول يوليو 1955، وأخيراً انضمت إيران في نوفمبر 1955، وشاركت الولايات المتحدة في هذا الحلف بصفة مراقب، ولكنها مارست صفتها كعضو في لجان مجلس الحلف.

وبعد أربعة أيام فقط من توقيع العراق وإيران على مسودة تأسيس "حلف بغداد" (24 فبراير 1955) اخترقت إسرائيل الحدود المصرية، وشنت غارة على قطاع غزة بدعوى الانتقام من الفدائيين، وقبلها كانت كل من بريطانيا والولايات المتحدة قد رفضت الاستجابة لمطالب مصرية بشراء أسلحة بريطانية وأمريكية للجيش المصري، وكان هذا الرفض البريطاني والأمريكي لتسليح الجيش المصري، ومن بعده، إعلان "حلف بغداد" ثم الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة بمثابة تهديد مباشر لمصر وثورتها ودورها العربي والإقليمي.

وجاء الرد المصري مدوياً من جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج (18 أبريل 1955) بإندونيسيا الذى ضم 21 دولة من آسيا وأفريقيا جمع بينها فرصة التخلص من الاستعمار وتحرير الإرادة، وترأس جمال عبد الناصر واحدة من أهم لجان هذا المؤتمر وهي "لجنة تصفية الاستعمار"، وهناك قال مقولته الشهيرة: "إن تصفية الاستعمار في أي بقعة من بقاع العالم هو انتصار للثورة العربية ولثورة الحرية في كل أنحاء العالم"، ومن هناك في باندونج كان لقاء جمال عبد الناصر مع شواين لاي رئيس وزراء الصين وقتذاك وجرى التوافق على قيام الصين بدور محوري لتوقيع مصر صفقة كبيرة سوفيتية لتسليح الجيش المصري أخذت اسم "صفقة الأسلحة التشيكية"، ومن هناك أيضاً جاء اعتراف مصر بالصين الشعبية صفعة للولايات المتحدة ولسياسة الأحلاف وبالتحديد لحلف بغداد.

وتداعت الأحداث سريعة بعد ذلك في وقت لم تتوان فيه مصر عن الدعوة في كافة الأرجاء العربية لإسقاط حلف بعداد ومحاصرته. وعندما رد الأمريكيون على اعتراف مصر بالصين الشعبية وعلى عقد صفقة التسليح للجيش المصري من الاتحاد السوفييتي التي كانت تعني بالنسبة للأمريكيين فتح أبواب الشرق الأوسط واسعة أمام الاتحاد السوفييتي بإلغاء اتفاق البنك الدولي مع مصر لتمويل مشروع بناء السد العالي، رد جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، الذى أعقبه العدوان الثلاثى ضد مصر من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 30 أكتوبر 1956.

فشل العدوان الثلاثي على مصر أنهى عهد الإمبراطورية البريطانية وكان خطوة مهمة لإسقاط حلف بغداد بعد أن قامت تجربة الوحدة المصرية – السورية في 22 فبراير 1958 استجابة من مصر لمواجهة التهديدات التركية ضد سوريا، وكان قيام الجمهورية العربية المتحدة إيذاناً بتفجر الثورة في العراق في يوليو 1958 وإسقاط حكومة نوري السعيد وسقوط "حلف بغداد" معها.

كانت هذه المعارك مجتمعة تدور ضمن ثلاثة حلقات مترابطة أحكمتها قيادة جمال عبد الناصر: أولها، إعطاء كل الأولوية لتحرير فلسطين ونبذ تورط دول إقليمية وعربية في سلام مع كيان الاحتلال أو "موالاة حلفائه". وثانيها، الوحدة العربية ومحاربة أي محاولة لتفكيك وحدة الموقف العربي لصالح أعداء العرب. وثالثها، رفض انخراط الدول الإقليمية المجاورة: إيران وتركيا في تحالف ضد العرب.

2- دعم ثورة الشعب الإيراني لإسقاط نظام الشاه

ربط شاه إيران بلاده بالاستعمار الغربي، وجعل منها أهم القواعد العسكرية للتجسس والتهديد العسكري ضد الاتحاد السوفييتي من جنوبه الرخو. فقد لعبت إيران في عهد الشاه طيلة عهده دوراً محورياً في سياسة الاحتواء الأمريكية ضد الاتحاد السوفييتي من جنوبه على نحو الدور الذى قامت به تركيا من غربه بعضويتها التأسيسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1949، والثمن هو حماية "عرش الشاه" من الشعب الإيراني، لذلك كان تخوفه شديداً بقيام الثورة في مصر التي أسقطت النظام الملكي الذى كان قد دخل في علاقة مصاهرة مع شاه إيران بزواجه من شقيقة ملك مصر، والتي أخرجت الإنجليز من أراضيها، وتزعمت دعوة الوحدة العربية وتحرير الشعب العربي وشعوب العالم الثالث من الاستعمار. فقد خشى على نظامه من المد الثوري العربي وانتقال عدوى الثورة إلى الداخل الإيراني، خاصة وأن الشاه قد أعلن انحيازه المبكر للعدو الاستراتيجي للأمة العربية وكانت حكومة الشاه من أول من اعترف بكيان الاحتلال الإسرائيلي عام 1950، وأخذ يمارس اعتداءاته على الشعب العراقي ودعم التمرد الكردي وتهديد عروبة الخليج والدول الخليجية، وتحويل بلاده إلى ركيزة للاستعمار البريطاني ومن بعده للولايات المتحدة التي ورثت دور بريطانيا بعد انسحابها الرسمي من الخليج عام 1971، حيث جرى تحويل إيران بقرار أمريكي إلى "شرطي الخليج" خدمة للمصالح الأمريكية التى ورثت الدور الاستعماري البريطاني في الخليج.

لم يكتف الشاه بأن يكون في مقدمة من اعترفوا بكيان الاحتلال الإسرائيلي دون أي اعتبار لعلاقات بلاده مع العرب، ولكنه، وبعد أن أعاده الأمريكيون عنوة إلى عرشه بعد عزله إثر ثورة محمد مصدق، زاد من كثافة ارتباطاته بالكيان الإسرائيلي، عندما فتح الأبواب لمساهمة الشركات الإسرائيلية في مشروع المياه في عبدان، وتبادل البعثات الثقافية والاقتصادية والرياضية واستقبال الوفود البرلمانية مع الكيان، وممارسة مكتب الوكالة الإسرائيلية بطهران نشاطه في جمع التبرعات من يهود إيران، وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين المحتلة، واستثمار أموال يهودية في إيران، وإمداد إسرائيل باحتياجاتها البترولية، ومشاركة إسرائيل في جميع المؤتمرات الدولية التي تقام في إيران، واستقبال قادة الكيان في طهران وعلى رأسهم ديفيد بن جوريون وموشى دايان، ثم الاعتراف بإسرائيل عام 1960 والانضمام إلى "حلف السنتو" الذى أخذ فيما بعد اسم "حلف بغداد" مع كل من بريطانيا وتركيا والعراق وباكستان الذى اعتبر، عربياً، تحدياً خطيراً لأهداف النضال العربي الوحدوي والتحررى.

لذلك كله، كان على مصر بقيادة جمال عبد الناصر، وهي حريصة على تأسيس علاقات تكامل مع كل من تركيا وإيران لمواجهة المد الاستعماري وخطر كيان الاحتلال الإسرائيلي أن تكثف جهودها ضد نظام الشاه، وأن تستجيب لطلب الدعم العسكري والمالي والسياسي الذى تقدمت به أبرز فصائل المعارضة التي كانت تجهز لخوض صراع مع النظام يستهدف إسقاطه.

حدد جمال عبد الناصر حقيقة الموقف المصري من نظام شاه إيران في رده على الخطاب الذى أعلن فيه الشاه (24 يوليو 1960) في مقابلة صحفية اعترافه رسمياً بكيان الاحتلال الإسرائيلي وإقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين. هاجم عبد الناصر هذه الخطوة في خطاب له قال فيه أن "شاه إيران قد باع نفسه بثمن بخس للمستعمرين، ولو كان الشاه قد باع نفسه رخيصاً، فليس من الممكن أن تبيع الأمة الإيرانية نفسها بالذهب والكنوز.. إن الأمة الإيرانية لن تخضع لحكومة المستعمر وهذا ليس بإمكان الصهيونية الدولية التي تحكم في إيران، ولا نرى ضرورة في إبقاء سفارتنا في هذه الدولة".

واضح من هذا الخطاب حرص عبد الناصر على التمييز بين الأمة الإيرانية والشعب الإيراني وبين الشاه الحاكم سليل الأسرة البهلوية الحاكمة التى ربطت نفسها بالاستعمار الغربي مبكراً منذ نهايات الحرب العالمية الأولى.

لذلك كانت مصر مهيأة للاستجابة لطلب فصائل إيرانية معارضة للحصول على المساعدة من مصر لإسقاط النظام في إيران، وكانت شروط جمال عبد الناصر التي أشرنا إليها لتقديم تلك المساندة والمساعدة كاشفة لفحوى السياسة المصرية نحو دولتي الجوار الإقليمي: إيران وتركيا.

يعتبر كتاب "عبد الناصر وثورة إيران" الذى كتبه الأستاذ فتحي الديب أحد أبرز رجال جهاز المخابرات العامة المصرية ومؤسسيها والمسئول عن ساحة العمل العربية الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (القاهرة عام 2000) أهم وأدق الوثائق التي تتضمن فحوى الاتصالات التي جرت بين قادة فصائل الثورة الإيرانية عام 1963 مع السيد فتحي الديب وقت أن كان سفيراً لمصر في سويسرا وبمشاركة السيد كمال الدين رفعت عضو القيادة المشتركة، والتي اختتمت بالتوصل مع "حركة تحرير إيران" عقب جولات مكثفة من المباحثات المشتركة لـ "الميثاق الإيراني" الصادر في القاهرة في 15 يناير 1964 والذى تضمن تفاصيل المشروع الثوري الإيراني داخل إيران وخارجها وبعدها تم وضع أسس تعاون ودعم ثورة 23 يوليو، طبقاً لتوجيهات الرئيس جمال عبد الناصر للثورة الشعبية للقضاء على "حكم الشاه المستبد".

ووضع برنامج التدريب تحت رعاية جهاز المخابرات العامة المصرية وكانت مدته 10 أسابيع ويتضمن التدريب على برامج قتال الصاعقة وحرب العصابات، والحفاظ على السرية وقواعد الأمن، والعمليات السرية مثل التجنيد والمراقبة وعلم النفس الاجتماعي، والعقائد السياسية. وبدأ الإيرانيون يتوافدون للتدريب في معسكر "أنشاص" حتى أواخر عام 1966، عندما طلب قادة المعارضة نقل نشاطهم إلى لبنان لأسباب أوضحوها ونقلها عنهم فتحي الديب في كتابه المشار إليه، منها صعوبة الاتصال من القاهرة بينهم وبين قادتهم في الداخل عكس الأمر من لبنان حيث الاتصالات طبيعية ومتاحة، وصعوبة الحفاظ على السرّية اللازمة لعملهم، ومن ثم فإنهم يفضلون الانتقال إلى بيروت، فهي أقرب إلى إيران، والانتقال منها إلى طهران والعكس لا يثير الشبهات، فهناك خطوط طيران رسمية بين البلدين، كما أن الحاضنة الشيعية في لبنان توفر الكثير من الدعم والحماية ، فضلاً عن أنهم أخذوا من الخبراء المصريين ما يحتاجونه من برامج التدريب، كما أن الذين تدربوا في مصر سيقومون بدورهم بتدريب غيرهم.

ووافق جمال عبد الناصر على قرارهم قائلاً: "إن أقدر الناس على تحديد المناخ الصالح لممارسة النضال هم المناضلون أنفسهم" وهناك من بيروت بدأت صفحة أخرى جديدة لهؤلاء الثوار مع فصائل المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان.

رابعاً: المثلث الذهبي الإقليمي – رؤية مستقبلية

أربكت نكسة يونيو 1967 حسابات جمال عبد الناصر بعد أن أضحى هدف "إزالة آثار العدوان" هو الهدف الاستراتيجي العاجل وتحولت كثير من الأهداف المهمة إلى "أهداف آجلة" ومن بينها كفاح عبدالناصر من أجل التأسيس لقوة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط بين مصر (العرب) وإيران وتركيا.

كانت إيران تحظى بالأولوية على أجندة جمال عبد الناصر أكثر من تركيا ليس لتفوق الوزن النسبي لإيران على الوزن النسبي لتركيا في مشروع جمال عبد الناصر الإقليمي، ولكن لفداحة المخاطر التي كان يمثلها الشاه ونظامه بالنسبة للمشروع العربي الوحدوي الذى كان يقوده جمال عبدالناصر، ولقد كان الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي سباقاً في إدراك هذه المفارقة، إذ لاحظ الشاه مدى عنف رد الفعل المصري، وخاصة موقف الرئيس جمال عبدالناصر على إعلان الشاه إقامة علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، الأمر الذى لم يحدث بالنسبة لتركيا عندما اعترفت بإسرائيل دون أن تتأثر علاقاتها بالدول العربية والإسلامية.

هذه الملاحظة طرحها الشاه في لقاء جمعه بالأستاذ محمد حسنين هيكل، عندما بادره الشاه بالقول: "دعني أسألك سؤالاً، وقد كنت صديقاً لعبد الناصر، هل في إمكانك أن تخبرني لماذا اختلفت معاداته لتركيا عن معاملته لي؟ فمنذ إنشاء إسرائيل كانت لتركيا علاقات دبلوماسية معها على مستوى السفراء. في حين كانت علاقاتنا بإسرائيل على مستوى محدود للغاية، لكن عندما زدنا هذه العلاقة والتي لم تصل لمستوى السفراء غضب عبد الناصر غضباً شديداً وقطع العلاقات معنا.. لماذا لم يفعل الشئ نفسه مع تركيا؟".

أجاب هيكل بأن "تركيا أقامت علاقاتها مع إسرائيل قبل مجئ عبد الناصر للسلطة، وكانت سياستها أن يبقى الحصار حول إسرائيل. كان عبد الناصر يقف ضد أي بلد تقيم حلقات اتصال مع إسرائيل، وكان يخشى أنه لو كسرت إيران حلقة الحصار حول إسرائيل، فإنه سيكون بمثابة سابقة للدول الإسلامية الأخرى، مثل إندونيسيا والملايو وباكستان يمكنها أن تتبعها... فالمسألة مسألة مبدأ".

هذا لا يعني أن جمال عبدالناصر كان يتساهل مع تركيا على حساب المصالح العربية، فأحد الدوافع المهمة لتعجيله باتخاذ قرار الوحدة المصرية مع سوريا كان الخشية عليها من التهديدات والأطماع التركية التي كانت قد تفاقمت في الأشهر القليلة التي سبقت إعلان الوحدة المصرية – السورية وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة.

الموقف المصري تحسن تجاه إيران بعد نكسة 1967 عندما طالبت إيران بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وكان أحد الأسباب المهمة لهذا التحول المصري هو حاجة مصر للدعم الإيراني في الأمم المتحدة. وأخذت العلاقات تتحسن خطوة خطوة حتى تم الاتفاق في 23 أغسطس 1970 على إعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بين البلدين.

بعد وفاة جمال عبد الناصر، شهدت العلاقات المصرية – الإيرانية تحولات دراماتيكية بين الصداقة الشديدة في الفترة من 1971-1979، أي منذ تولي الرئيس الراحل أنور السادات للرئاسة في مصر، وحتى سقوط الشاه في إيران في فبراير 1979 وتأسيس الجمهورية الإسلامية، حيث تحولت العلاقة إلى مزيج من العداوة الشديدة أو العلاقات الباردة والتوجس المتبادل، في حين لم تحدث تحولات مثيرة في العلاقات المصرية – التركية، كانت العلاقات أقرب إلى التنافسية منها إلى الصداقة أو العداوة، باستثناء السنوات التي شهدت الجنوح التركي لزعامة "محور إسلامي – سُني" بتفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ قيام ثورة 30 يونيو عام 2013 في مصر عقب سقوط حكم الإخوان المسلمين، وتحول تركيا إلى "ملاذ آمن" لقادة الجماعة الهاربين من مصر.

فقد حدثت في إيران منذ عام 1979، الذي سقط فيه نظام الشاه وتأسس نظام الجمهورية الإسلامية، وفي مصر خلال العام نفسه، الذي وقعت فيه معاهدة السلام مع إسرائيل، تحولات تفوق كل تصور.

فإيران التى كانت قبل عام 1979 أهم شركاء وحلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط تحت قيادة الشاه محمد رضا بهلوى تحولت فجأة إلى أهم أعداء البلدين بعد سقوط نظام الشاه وتأسيس الجمهورية الإسلامية يوم 11 فبراير عام 1979، وطرحت مفاهيم استراتيجية إيرانية جديدة تحكم أنماط تحالفاتها وصراعاتها الإقليمية والدولية مثل التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها الشيطان الأكبر، ومع إسرائيل باعتبارها العدو الذى يحتل القدس، ومثل شعار "لا شرقية ولا غربية"، ومبدأ "الموالاة والتبرؤ"، أى الموالاة والدعم للدول وللشعوب المستضعفة ولحقوق هذه الشعوب، والتبرؤ من الاستكبار والاستعلاء ومحاربته، أي التصدي للقوى الدولية المستكبرة (أمريكا شيطان، وبريطانيا شيطان). وفي مقابل هذا التحول الكامل في العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت مصر، وفي العام نفسه، تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران، بإعلان استضافتها للشاه المخلوع دون دول العالم كلها، وتوقيع معاهدة للسلام مع إسرائيل التى جعلتها شريكاً للأخيرة في ما سمى بـ "عملية السلام"، وجعلتها تتخلى عن سياسة العداء لإسرائيل وتدخلها في مواجهة مع إيران، وهى المواجهة التى تفاقمت في السنوات اللاحقة باغتيال "الجماعة الإسلامية" المصرية للرئيس الراحل أنور السادات، والدخول في سنوات من المواجهة الدامية مع التيار الإسلامي الجهادي ثم مع إيران بعد تعليقها صورة لخالد الإسلامبولي قاتل السادات وإطلاق اسمه على أحد شوارع العاصمة طهران. وفي سنوات لاحقة اتهمت مصر إيران بدعم وإيواء متهمين من قادة "الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" المصريين.

وهكذا، بدلاً من أن يؤدي التحول في إيران من كونها دولة حليف لإسرائيل إلى دولة معادية لها ابتداء من عام 1979 إلى جعل إيران حليفاً لمصر، إذا بالثورة الإيرانية تضع البلدين وجهاً لوجه، بعد أن تحولت مصر إلى حليف للولايات المتحدة، التي تحولت بدورها من أهم حلفاء إيران إلى عدوها اللدود بفرض حظر عسكري واقتصادي عليها منذ سقوط نظام الشاه وحتى الآن، وفقد التحول في الموقف من الحليف الدولى فعاليته في تطوير علاقات البلدين، حيث جرى تبادل هذا الحليف. فالولايات المتحدة التى كانت العدو لمصر منذ قيام ثورة 23 يوليو، وبالذات في سنوات عقد الستينيات (باستثناء السنوات من 1973 – 1979 أيام حكم السادات)، وكانت حليفاً قوياً لإيران، لم تبق هكذا بعد عام 1979، بل تبادل البلدان العلاقة معها، فتحولت الولايات المتحدة من عدو إلى حليف لمصر، فيما تحولت من حليف إلى عدو لإيران، والنتيجة هي التوتر الدائم للعلاقات بين مصر وإيران.

العلاقات المصرية – التركية عاشت، ومازالت تعيش توتراً مشابهاً، منذ أن أخذت تركيا تطمح إلى تجاوز دورها كـ "موازن" Balancer بين إسرائيل كدولة طامحة للهيمنة الإقليمية في إقليم الشرق الأوسط، وإيران الحريصة على فرض نفسها كقوة "مناوئة" لهذا الطموح الإسرائيلي وقيادة تيار المقاومة ضد إسرائيل، وبدأت تسعى إلى فرض نفسها هي الأخرى كدولة إقليمية مسيطرة بمشروع أيديولوجي إسلامي – عثماني (العثمانية الجديدة) طامح إلى تجديد أمجاد الإمبراطورية العثمانية وقيادة مشروع "إسلامي – سُني" بالتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة المشروع "الإسلامي – الشيعي" الذى تقوده إيران والمشروع الصهيوني الذى تقوده إسرائيل، في وقت بقى فيه العالم العربي معزولاً ومهمشاً في أطراف النظام الإقليمي الشرق أوسطي.

هذه المعادلة بدأت تتغير بقوة في ظل طموحات إسرائيل المدعومة أمريكياً لفرض نظام شرق أوسط تقوده تل أبيب بالتحالف مع الدول العربية السنية التي انخرطت في مشروع "السلام الإبراهيمي" برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي بدأت تتحدث عن ضرورة تأسيس حلف "ناتو شرق أوسطي" يربط إسرائيل بالدول العربية – السنية تحت الرعاية الأمريكية، لكن التغيرات السريعة والمتلاحقة منذ هجوم "طوفان الأقصى" ضد كيان الاحتلال (7 أكتوبر 2023) وما أعقبه في ديسمبر 2024 من طوفان آخر اجتاح الشام وأسقط نظام الرئيس بشار الأسد، وقبله الحرب الإسرائيلية على حزب الله واغتيال أبرز قياداته وعلى رأسهم حسن نصر الله، ثم العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران (13 يونيو 2025)، الذى استهدف إسقاط النظام في إيران وتدمير قدرات إيران النووية، أخذت تفرض معادلات جديدة لتوازن القوى الإقليمي.

أين نحن مصر وأين نحن العالم العربي من كل هذه التطورات التي كشفت عنها تلك الحرب سواء ما يخص جديد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في ظل الوضع غير المستقر مع إيران، أو ما يخص الطموح الإسرائيلي لفرض هندسة إسرائيلية للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط لجعل إسرائيل قوة أحادية قادرة على الهيمنة بعد إخراج كل القوى المناوئة لمشروعها على المستوى الإقليمي خاصة: إيران وتركيا ومصر من معادلة الصراع الإقليمي؟

لقد أضحى على القوى العروبية، وخاصة الناصريين منهم، أن تقدم إجابتها على هذا السؤال انطلاقاً من الإدراك الناصري لضرورة التأسيس لمشروع تكامل إقليمي مصري- إيراني- تركي يؤسس لمشروع حضاري نهضوي يجمع الأمم الكبرى الثلاث التي أسست للنهضة العربية الإسلامية: العرب والإيرانيون والأتراك ومعهم الأمة الرابعة الشريكة في ذلك البناء الحضاري التاريخي، وأعني الأمة الكردية.

لدينا مدخل مهم للتفكير في إجابات عن فحوى هذه "الديناميكيات" الجديدة يتمثل في الأفكار المهمة في الدراسة التي نشرتها مجلة "فورين أفيرز" (عدد يوليو/أغسطس 2025) وكتبها كل من الدكتورة أونا هاثاواي أستاذة القانون في كلية الحقوق بجامعة ييل، وهي باحثة غير مقيمة في "مؤسسة كارنيجي" للسلام الدولي الأمريكية، والرئيس المنتخب للجمعية الأمريكية للقانون الدولي، بالمشاركة مع زميلها الدكتور سكوت شابيرو أستاذ القانون وأستاذ الفلسفة في جامعة ييل، وهما مؤلفا كتاب "الأمميون: كيف أعادت خطة جذرية لحظر الحرب تشكيل العالم". هذه الدراسة جاءت تحت عنوان: "النظام العالمي الأمريكي الجديد: عودة الروح للحرب ولمبدأ (القوة تصنع الحق)"، وتمحورت حول خلاصتين:

الأولى: أن الولايات المتحدة (وليس فقط إدارة ترامب) باشرت عملياً تدمير النظام العالمي الذى أقامته بعد الحرب العالمية الثانية، والذى استند (ولو إسمياً) إلى القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة وما تضمنه هذا الميثاق من أهداف ومبادئ سامية، ترفض الحرب كوسيلة لحل النزاعات، وتعلي من حق الدول في الدفاع عن نفسها وسيادتها ومواردها، وتمتعها بحق تقرير المصير واستقلالية قرارها الوطني. فالولايات المتحدة تنتكس الآن بهذه الالتزامات وتعود مجدداً إلى "نظام ما قبل الحرب العالمية الأولى" المستند إلى تشريع مبدأ الحرب، والاستيلاء على الأرض والدول بالقوة، إضافة إلى إحياء المبدأ الشهير الذى نبذه العالم بثوراته التحررية التي أعقبت تأسيس الأمم المتحدة كرمز لنظام القانون وعدالته وسيادة الدول، وهو مبدأ "القوة تصنع الحق" (Might makes Right).

الثانية: أن هذا التحول الأمريكي سيدفع الدول الكبرى إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ لها، واحتلال ما تشاء من الدول في مناطق نفوذها (الولايات المتحدة تبتلع كندا والمكسيك وجرينلاند وربما كل القارة الأمريكية) مع طموحات التمدد الجغرافي في الشرق الأوسط (على غرار ريفيرا الشرق الأوسط الأمريكية المأمولة في قطاع غزة)، وروسيا تبتلع أوكرانيا وما يتيسر لها من دول البلطيق وشرق أوروبا، والصين تبتلع تايوان وما يتيسر لها في شرق آسيا/ الباسيفيك.

الخلاصة التي توصلت إليها تلك الدراسة هي دعوة الدول الـ 192 التي صوتت دعماً لموقف الولايات المتحدة في قرار صدر عن الجمعية العامة يدين محاولة روسيا ضم الأراضي الأوكرانية، للتوحد هذه المرة ضد الولايات المتحدة والقوى العالمية الكبرى وتأسيس تحالف عالمي يكون هدفه التصدي للولايات المتحدة ومنعها من إعادة فرض "الحرب" كقانون أساسي (وقانوني) لنظام عالمي جديد تريد أن تفرضه.

هذه "التوصية" أو "الخلاصة" المهمة تجد ما يدعمها في الشرق الأوسط ضمن النتائج والديناميكيات التي ولدتها الحرب الأخيرة على إيران ومن أبرزها:

- لم يعد ممكناً الفصل بين ما هو مشروع أمريكي وما هو مشروع إسرائيلي في الشرق الأوسط، وأن التوجه الأمريكي – الإسرائيلي للسيطرة الكاملة على الشرق الأوسط وفرض هندسة جديدة لنظامه الإقليمي تخدم المصالح العليا الأمريكية والإسرائيلية، لن يتراجع بل هو في مرحلة صعود، يؤكد هذا "هوس" كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال بقانون "القوة تصنع الحق على حساب القانون الدولي وحقوق وحريات الشعوب في العدالة والسلام".

- إن إسرائيل، رغم الدرس القاسي الذى ولدته الحرب على إيران، وفشل إسرائيل في الاعتماد على قوتها الذاتية لهزيمة إيران سيزيد من اندفاعها لفرض مشروعها المرتكز على قاعدة منع وجود جيوش قوية في الدول المحيطة بها: خاصة إيران وتركيا ومصر، على الترتيب اعتماداً على تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة.

- إن الدول الإقليمية الثلاث: إيران ومصر وتركيا ستجد نفسها مدفوعة حتماً للتفكير في كيفية التصدي لهذا المشروع الإسرائيلي – الأمريكي.

ويبقى السؤال هو: إلى أين؟

الإجابة على هذا السؤال تستلزم الوعي بحجم وخطورة التحديات التي تواجه الأمم الثلاث طالما أن إسرائيل تحاول فرض نظام إقليمي تسيطر عليه منفردة، وعندها لن تكتفي بعزل كل من مصر وإيران وتركيا بل ستسعى إلى تفكيكها بدعم أمريكي – أوروبي إلى دويلات عرقية وطائفية صغيرة غير قادرة على تحدي النفوذ الإسرائيلي، وتنفيذ المخطط نفسه على الدول العربية الأخرى الكبيرة منها على وجه الخصوص المملكة العربية السعودية.

الإجابة على هذا السؤال هي حتمية العمل على تأسيس كيان إقليمي في المنطقة، ولنتفق على تسميته "كياناً مشرقيا متوسطياً" يربط الوطن العربي بطرفيه المشرقي والمغربي (المتوسط) بجواره الإقليمي الإيراني – التركي، كي يكون هذا الكيان قادراً على تحدي المشروع الإسرائيلي – الأمريكي.

العمل من أجل تحقيق التكامل الإقليمي في كيان يجسد "مثلث القوة الإقليمي" أو "المثلث الذهبي" هو ذروة الاستجابة للتحديات المتجددة. رغم كل ما يعتري هذا الطموح من طوباوية غارقة فى الخيال إذا جلنا بخاطرنا على فداحة الواقع على المستويات الوطنية والقومية فى هذا الإقليم، لكن الوعى بالواقع وتحديات وإدراك الفرص وإغراءاتها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن تأسيس هذا الكيان الإقليمى سواء اكتفى بالتأسيس لسوق مشتركة أم تجاوز الطموحات وسعى لتأسيس كونفيدرالية إقليمية هو الاستجابة العملية للتحديات التى تواجه البشرية جمعاء وفى القلب منها الإقليم المشرقى المتوسطى، وهو الطريق الأمثل لانخراط القوى الإقليمية فى إرهاصات التأسيس لنظام عالمى جديد يؤسس على قاعدة الهويات الحضارية. فالإقليم المشرقى المتوسطى هو المؤهل لتشكيل الكتلة الثالثة الوازنة بين كتلتين حضاريتين متنافستين: الكتلة الحضارية الغربية والكتلة الحضارية الآسيوية، فالكتلة الحضارية الإسلامية التى تعبر عن هذا الإقليم هى الكتلة التاريخية القادرة على تحقيق التوازن بين الكتلتين الأخريين، وترجيح نموذج التفاعل والحوار الحضارى بديلاً للصراع بين الحضارات لإدارة التفاعلات فى النظام العالمى الجديد.

تحقيق هذا الطموح يستلزم القيام بالعديد من المهام:

- أول هذه المهام التأسيس لوعى إقليمى حضارى جديد تتحمل مسئولياته طبقة من المثقفين ورجال الأعمال ومكونات المجتمع المدنى تكون مهمتها التأكيد على أن خيار التكامل الإقليمى هو الخيار الأرجح للخروج من النفق المظلم الذى مازالت الأمم الأربعة تائهة فى أزقته دون أمل بالخروج.

- ثانى هذه المهام بلورة نموذج مفاهيمى يتجاوز الحدود الضيقة لمفهوم "الدولة الأمة" أو "الدولة القومية" الذى هو أساس الدولة فى إيران وتركيا ومازال يمثل طموحاً عربياً وكردياً. فالإيرانيون والأتراك أنجزوا مشروع دولتهم القومية على العكس من العرب والكرد، وإن كان الوضع الكردى أكثر مأساوية، رغم ذلك فإن مشروع الدول القومية جرت محاصرته بأنماط من الأيديولوجيات الوطنية المغلقة خاصة فى إيران وتركيا، ومن ثم أضحى السبيل مغلقاً أمام قدرة هاتين الدولتين للتعامل منفردة مع التحديات الهائلة المستحدثة على المستوى العالمى.

لذلك أضحى ضرورياً ابتداع نموذج مفاهيمى لا يتعارض ولا يتصادم مع مفهوم "الدولة- الأمة" أو "الدولة القومية" ولكن يتجاوزه على المستويين الشعبى والجغرافى وهو الكيان الإقليمى الذى يستوعب الأمم الأربعة دون أن يلغى خصوصياتها ولا يتصادم معها، وهذا يعنى أن القوى المنحازة لهذا المشروع الإقليمى التكاملى الجديد مطالبة بالعمل على ثلاثة مستويات:

- المستوى الأول، الترويج للمشروع والدعاية له.

- المستوى الثانى، تعظيم المكاسب التى يمكن أن تتحقق فى حال إنجازه.

- المستوى الثالث، احتواء وتقزيم السلبيات والمشاكل التى من المحتمل أن تواجه التأسيس لهذا المشروع.

- ثالث هذه المهام هو مواجهة المشاكل والأزمات المتفجرة بين الأمم الأربع والعمل على إيجاد الحلول لها سواء كانت مشاكل حدودية، أو مشاكل قومية، كما هو حال الكرد فى كل من إيران وتركيا وسوريا، أو مشاكل سياسية كما هو حال العلاقات الإيرانية – الخليجية واليمنية، والعلاقات التركية مع كل من سوريا والعراق.

- رابع هذه المهام هو تكريس الاهتمام بالوسائل الكفيلة ببناء الثقة بين الأمم الأربع، وفى مقدمتها خلق وعى إقليمى بالتكامل كسبيل أمثل لمواجهة التحديات وتحقيق الطموحات، وإبراز العمق الثقافى المشترك والعمق التاريخى والجغرافى الذى يربط شعوب هذه الأمم، مع تركيز على أبرز سمات النظام العالمى الجديد الذى يؤسس على قاعدة "الكتل الاقتصادية – الجغرافية"، ومشروع التكامل الإقليمى المشرقى المتوسطى يمكن أن يشكل أحد أبرز هذه الكتل، لأنه يتفوق على غيره من الكتل الاقتصادية بوحدته الثقافية والتاريخية والحضارية.

إنجاز هذه المهام الأربع يعتبر قضية نضالية وطنية وقومية وإقليمية لأن التأسيس لكيان إقليمى تعاونى فى المشرق المتوسطى هو بالفعل طريق الخلاص والخروج للجميع من النفق المظلم.