مهاب عادل حسن

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تعكس متغيرات اللحظة الحالية لعملية التفاوض بشأن الوصول لاتفاق هدنة داخل قطاع غزة، جملة من الحسابات المعقدة للأطراف المعنية بالعملية، لا سيما إسرائيل وحركة حماس، خاصة على وقع التطورات المتسارعة المرتبطة بشن إسرائيل عملية اجتياح جزئي لمدينة رفح وتحديداً الجانب الشرقي للمدينة، وهو ما كان له تأثيره السلبي على مسارات التفاوض وفرص التهدئة، دون أن يقود ذلك إلى انهيارها بشكل كامل، خاصة في ظل الجهود المكثفة التي تقوم بها مصر بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، من أجل دفع المسار السياسي للوصول إلى اتفاق مقبول لجميع الأطراف، ومنع الائتلاف الإسرائيلي المتطرف من استغلال هذه التعثرات لاستكمال المسار العسكري الذي سيكون له تداعيات كارثية ستضر بأمن واستقرار المنطقة، بل وستنسحب آثاره إلى داخل القوى الدولية الراعية للمفاوضات على غرار الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد، مع الدول الغربية الأخرى، حراكًا احتجاجيًا غير مسبوق في الجامعات ارتباطاً بتصاعد الأحداث والانتهاكات الإسرائيلية داخل قطاع غزة.

أولاً: الحسابات الإسرائيلية

ينطلق الموقف الإسرائيلي في اللحظة الراهنة من جملة من المحددات الحاكمة في التعامل مع أية مقترحات لدفع مسار تهدئة وهدنة داخل قطاع غزة، وفقًا للركائز التالية:

1- استقرار الائتلاف الحكومي وترميم الانقسامات: ينطلق قادة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من حسابات سياسية ضيقة ترتبط بالرغبة في البقاء في المشهد السياسي أطول فترة ممكنة لتحقيق "انتصار" يمكن ترويجه داخلياً لتخفيف آثار صدمة 7 أكتوبر 2023 من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعبئة أنصار التيار اليميني المتطرف عبر السياسات المتطرفة والعدوانية التي يقوم بها هذا الائتلاف في عدوانه ضد قطاع غزة والمدنيين الفلسطينيين، على النحو الذي تتعزز معه الحظوظ الانتخابية لأعضاء الائتلاف المتطرفين في أية انتخابات قادمة.

ومن ثم، يستهدف أعضاء الائتلاف وعلى رأسهم نتنياهو الحفاظ على استقرار وتماسك الائتلاف، وتحييد التباينات والانقسامات الحادة في مواقف وزراء الائتلاف الحكومي بشأن القضايا الخلافية التي قد تؤدي في النهاية إلى انهيار الائتلاف وتفسخه. وفي اللحظة الحالية تثار بعض الخلافات داخل الائتلاف بشأن اتفاق الهدنة إلى الدرجة التي ذهب فيها بعضهم للتهديد بالانسحاب من الائتلاف إذا ما تم التوصل إلى اتفاق هدنة تتوقف بموجبه الأعمال العسكرية، ويتعطل الاجتياح البري لمدينة رفح، إلا أن ذلك لم ينسحب إلى مواقف وزراء مجلس الحرب، ومن أبرزهم بيني غانتس الذي أكد أن "الحكومة لن يكون لها الحق في الاستمرار في الوجود إذا قام زعماء اليمين المتطرف بعرقلة اتفاق لاستعادة الرهائن الذي لا ينهي الحرب ضد حماس"[1]، وهو ما أيده أيضًا زميله من حزب الوحدة الوطنية، غادي أيزنكوت، الوزير المراقب بحكومة الحرب، والذي رفض بدوره الابتزاز السياسي الذي يقوم به الوزراء المتطرفون: بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير، لعرقلة جهود التوصل إلى اتفاق هدنة[2].

ومن ثم، من شأن التوصل إلى اتفاق هدنة مؤقتة قد تمتد لـ 40 يومًا أو ستة أسابيع بحسب المتداول، دون أن يكون ذلك مشمولاً به وقف كامل لإطلاق النار، وهو ما يتحدث عنه في الوقت الراهن رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو، باعتباره اتفاقًا لا يعني التخلي عن أهداف الحرب المتمثلة في القضاء على حركة حماس أو إيقاف الأعمال العسكرية المتوقعة في مدينة رفح، من شأن ذلك أن يحافظ من ناحية، على ترميم الانقسامات داخل حكومة الحرب خاصة من جانب حزب المعارضة الذي يمثله بيني غانتس وغادي إيزنكوت، بينما سيُبقِى من ناحية أخرى، على بعض الخلافات المثارة في الوقت الحالي من أعضاء مجلس الوزراء الموسع، والتي يمثلها كل من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سومتريش اللذين يصعدان في خطابهما في الوقت الراهن[3]، على غرار ما حدث قبيل الهدنة المؤقتة في نوفمبر الماضي، وهو أمر مفهوم في سياق الحفاظ على خط التشدد تجاه أية اتفاقات هدن في قطاع غزة من أجل مغازلة أنصارهم من اليمين المتطرف وإظهار تمسكهم بخيط رفيع من التشدد بينهم وبين أعضاء مجلس الحرب بزعامة نتنياهو وما يتخذونه من قرارات، دون أن يقود ذلك لصدام يؤدي لتفسخ الائتلاف طالما أن هذه القرارات تدور في فلك الإطار المقبول بالنسبة لهم، والذي يتحدد بعدم الوصول لاتفاق شامل يوقف الحرب دون تحقيق "النصر المقبول" في تصورهم.  

2- الوصول إلى نقطة الانتصار الكامل: في ظل الموقف الداخلي المأزوم الذي يواجهه الائتلاف الإسرائيلي المتطرف والذي يراهن فيه على بقاءه أو انهياره وخسارة حظوظه الانتخابية في أية انتخابات قادمة نظرًا لفشله منذ البداية في التعامل مع أحداث 7 أكتوبر وعدم قدرته على تحقيق "انتصار" خلال عدوانه الذي شنه على القطاع منذ 7 أشهر، وبالتالي يجعل أعضاء هذا الائتلاف "المصلحة السياسية الخاصة" نصب أعينهم في أية مسارات تفاوض أو تصعيد، وهو ما يجدوا أنه يمكن أن يتحقق عبر هذا العدوان الذي يسمح لهم بالوصول لأقصى درجات التطرف في ممارسة القتل تجاه ما يروجوه بـ "العدو الفلسطيني" على نحو ساعدهم خلال الشهور الماضية في حشد وتعبئة التيار اليميني المتطرف في الشارع الإسرائيلي بشكل كبير، ويجدوا أن الوصول للحظة إعلان إنهاء هذا العدوان لا يمكن أن تتأتي إلا بـ "نصر مؤزر" يمكن ترويجه داخليًا للحفاظ على قاعدة تصويت ناخبيهم في أية انتخابات قادمة. ويبدو في ضوء التغيرات التي لحقت بالمشهد خلال اليومين الماضيين بإعلان إسرائيل السيطرة على معبر رفح الحدودي من الجانب الفلسطيني وكذلك محور فلادليفيا الذي شكل مسار جدل كبيرًا في الأوساط العبرية خلال الفترة الماضية، أنه يتم التمهيد للإعلان عن الوصول لنقطة الانتصار المأمولة، التي تجنب أعضاء هذا الائتلاف ويلات الفشل والمساءلة التي ستعقب هذا العدوان.

3- الداخل الإسرائيلي والضغط الاحتجاجي: يقود الشارع الإسرائيلي حراكًا احتجاجيًا تتسع رقعته تحت ضغط جمود الموقف الحكومي بشأن عقد اتفاق لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وهو ما ارتفعت سقف مطالبه مؤخرًا للمناداة باستقالة الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة. هذا الموقف المتصاعد من جانب المحتجين الإسرائيليين يزيد بدوره من الضغوط المفروضة على الحكومة الإسرائيلية، ويدفعها نحو إبداء قدر من المرونة في التعامل مع اتفاق هدنة مؤقتة يتم بموجبه الإفراج عن 33 أسيرًا إسرائيليًا بحسب "الفئة الإنسانية" من النساء والأطفال والرجال الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا والمرضى وفقًا للتقارير المتداولة[4]، ومن شأن هذا الاتفاق أن يخفف بدوره من ضغط الشارع، دون أن يقود ذلك للوقف الكامل لهذا الحراك، خاصة وأن الحديث يدور حول إفراج جزئي عن الرهائن وليس جميعهم.

4- استعادة الهدوء على الجبهات لعودة النازحين الإسرائيليين: ترتبط جهود بعض الشركاء الدوليين لتل أبيب، مثل فرنسا، من أجل خفض مسارات التصعيد الإقليمي التي ستضر بمصالحهم إذا ما اتسع نطاق هذا التصعيد، بمرونة الموقف الإسرائيلي لتمرير اتفاق هدنة من شأنه تهدئة الأوضاع في قطاع غزة وزيادة المساعدات الإنسانية.

ويبدو ذلك واضحاً في الوساطة الفرنسية لتحريك جمود مشهد التفاوض بين تل أبيب وبيروت بشأن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي يستهدف انسحاب قوات حزب الله من المناطق الحدودية بين الخط الأزرق ونهر الليطاني اللبناني، وذلك عبر جولات الحوار والزيارات الكثيفة التي قام بها المسئولون الفرنسيون خلال الفترة الماضية، وكان آخرها المبادرة الفرنسية التي حملها وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه خلال جولته التي قام بها للشرق الأوسط في 28 أبريل الفائت[5].

ومن شأن دفع هذا المسار السياسي أن يجنب إسرائيل تكلفة الخيار العسكري الذي قد يقود الأوضاع إلى منزلق خطر بشأن حرب واسعة بين الجانبين قد تنضم إليها أطراف إقليمية أخرى، وسيزيد بدوره من ضغوط الداخل من جانب النازحين الإسرائيليين من البلدات المتاخمة للحدود اللبنانية، في أعقاب أحداث 7 أكتوبر، وهو ما ترتفع معه الكلفة الاقتصادية التي تتحملها الحكومة الإسرائيلية لدعم هؤلاء النازحين، وكذلك الكلفة السياسية المتوقعة نتيجة تصاعد الغضب والاحتجاج في صفوف هؤلاء النازحين.

5- الحفاظ على علاقات هادئة مع واشنطن: كشفت الفترة الماضية منذ اندلاع أحداث 7 أكتوبر وانتهاءًا بجولات التصعيد الإيراني ضد إسرائيل، عن الحاجة الاستراتيجية للدعم الأمريكي (السياسي والعسكري)، وهو ما اتضح خلال عملية الدعم السياسي المطلق الذي قدمته واشنطن لتل أبيب في عدوانها ضد قطاع غزة، على نحو ساعدها في تأمين موقفها ضد العديد من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عبر الفيتو الأمريكي، وصولاً إلى الدعم العسكري الذي قامت به في التصدى للهجمات الصاروخية الإيرانية التي وجهت ضد تل أبيب في 13 أبريل الفائت، هذا فضلاً عن حزم المساعدات المالية والعسكرية التي قدمتها لها، وكان آخرها تمرير حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 26.4 مليار دولار في 23 من الشهر نفسه[6].

ومن ثم، يدرك قادة الائتلاف الراهن أهمية الحفاظ على علاقات هادئة مع واشنطن وتحقيق درجة من الاستجابة المرنة في التعامل مع تخوفاتها وتحفظاتها بشأن العمليات العسكرية داخل القطاع، خاصة في ظل انعكاسات طول أمد هذه الحرب على تأزم الداخل الأمريكي واتساع رقعة الاحتجاجات الطلابية بالجامعات الأمريكية التي تأتي تزامنًا مع قرب الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 5 نوفمبر القادم، ومؤخرًا زادت هذه الأهمية ليس من منطلق المصلحة الإسرائيلية فقط، وإنما أيضًا من منطلق المصلحة الشخصية لقادة الائتلاف الإسرائيلي لتأمين أنفسهم من الملاحقة الأمنية الدولية إذا ما تم تمرير مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية ضد قادة الائتلاف، وهو ما تطرق إليه – بحسب التقارير المتداولة[7] – رئيس الوزراء الإسرائيلي في مكالمته مع الرئيس الأمريكي جو بايدن في 28 أبريل الفائت[8]. وقد يمكّن هذا التحول واشنطن من ممارسة مزيد من الضغط على قادة الائتلاف لإبداء قدر من المرونة من أجل إبرام اتفاق تهدئة.

ثانيًا: حسابات حماس

كشفت الأشهر الماضية منذ اندلاع الأحداث في 7 أكتوبر الماضي، عن ملامح استراتيجية تدير بها حركة حماس الأزمة، والتي تُدرك من خلالها محدودية القدرات والموارد في مواجهة خصم بقدرات وموارد دعم تقدمها الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لتل أبيب.

 وبالتالي فهذه الحرب غير المتماثلة حاولت فيها حركة حماس أن يكون المكافئ لهذه القدرات ليس فقط الأداة العسكرية، وإنما أيضًا أدوات الضغط السياسي الذي يفرضه الحراك الجماهيري في العديد من دول العالم -لا سيما الدول الغربية- للضغط على حكوماتها من أجل إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين.

 ومع دخول هذه الحرب شهرها السابع، دون أن يتم حسم الأمر عسكريًا، فإن حسابات حماس ستتحدد وفقًا للمتغيرات السابقة المرتبطة بطبيعة قدراتها، والتي ستجعل استراتيجيتها مرتكزة على ورقة الأسرى الإسرائيليين، وعامل الضغط الدولي والإقليمي. وتتمثل أبرز ركائز حسابات حماس مع المبادرات التي طرحت للوصول إلى اتفاق هدنة داخل القطاع، في:

1- إضعاف الاستراتيجية الإسرائيلية لفرض الضغط عبر الداخل الفلسطيني: تستهدف حركة حماس التخفيف من وطأة الانتقادات الداخلية للحركة بين المواطنين الفلسطينيين وخاصة مواطني الشمال وإضعاف تأثير الاستراتيجية الإسرائيلية بتقويض الحركة عبر ضغوط الداخل تحت وطأة سياسات العقاب الجماعي التي اتبعتها داخل القطاع، وهو ما قد يدفع الحركة للاستسلام بحسب التقدير الإسرائيلي.

2- إيقاف المخططات الإسرائيلية للاجتياح "الواسع" لمدينة رفح: اتجهت حركة حماس خلال الفترة الماضية أثناء عمليات التفاوض نحو تأمين بقاءها بمدينة رفح ومنع مخططات الاجتياح الواسع للمدينة التي هددت بها إسرائيل طيلة الفترة الماضية. ووفقًا لتقرير للقناة 12 الإسرائيلية، فقد حرصت تل أبيب على أن يكون ضمن بنود الاتفاق المزمع إبرامه السماح بعودة سكان الشمال، بالإضافة إلى سحب قواتها من ما يسمى بممر نتساريم في وسط غزة، هذا فضلاً عن إبداء المرونة بشأن عودة السكان دون المرور بنقاط التفتيش التي كان من شأنها أن تقوض عودة الشباب في سن التجنيد، حيث كانت اشترطت من قبل عودة النساء والأطفال وكبار السن فقط[9]، وبالتالي من شأن هذه المرونة في الموقف الإسرائيلي –التي قد تراها حماس متعمدة– أن تمهد الطريق لعملية الاجتياح البري على نطاق واسع لمدينة رفح في المرحلة اللاحقة لاتفاق الهدنة المؤقت، لتفكيك ما تبقى من جيوب لحركة حماس وترسانتها العسكرية، خاصة وأن استيعاب هذه الأعداد الضخمة في مناطق الشمال ستذلل الصعاب التي واجهتها في توفير مناطق آمنة للسكان الفلسطينيين لمراعاة التخوفات والاعتبارات الأمريكية والإقليمية التي أبدتها بشأن تنفيذ العملية العسكرية في رفح.

وعزز من هذا الدفع ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في 30 أبريل الفائت خلال لقاءه بأعضاء منتديى "جفورا وتيكفا" المتشددين، اللذين يمثلان عائلات بعض الجنود القتلى وبعض عائلات الأسرى المحتجزين في غزة، بحسب تقرير لموقع "واللا" العبري، من أن "عملية إخلاء السكان في رفح قد بدأت بالفعل استعدادًا للعملية التي ستحدث قريبًا، وجميع وزراء الحكومة يؤيدون ذلك"، مضيفًا بحسب التقارير المنشورة لعدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية حول اللقاء: "فكرة أننا سنوقف الحرب قبل تحقيق جميع أهدافها ليست خيارًا..سوف ندخل رفح وسنقضي على كتائب حماس هناك –سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا– من أجل تحقيق النصر الكامل"[10].

وقد كان لهذه التصريحات انعكاساتها على ما يبدو على موقف حركة حماس بشأن مقترحات التهدئة التي كانت مطروحة في ذلك الوقت، والتي كانت قد أصدرت الحركة بشأنها بعض الإشارات الإيجابية، حيث كان أحد المسئولين بالحركة قد صرح في 28 أبريل الفائت، بأن "الأجواء إيجابية ما لم تكن هناك عراقيل إسرائيلية جديدة، إذ لا قضايا كبيرة في الملاحظات والاستفسارات التي تقدمها حماس بشأن ما تضمنه الرد"[11]. ومن ثم، فإن تأخر الحركة في الرد في ذلك الوقت فسره بعض المراقبون بأنه يرتبط بسعيها لتعزيز ضمانات التفاوض الخاصة بمرحلة ما بعد الهدنة المؤقتة بحيث يتم الاتفاق على إطار عمل تضمن من خلاله الحركة أن لا يتبع هذه الهدنة استكمال للأعمال العسكرية بمدينة رفح بحسب ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، والتي من شأنها أن تستهدف ما تبقى من وجود للحركة في الجنوب بحسب ما يروجه المسئولون الإسرائيليون.

3- الحفاظ على الوجود العضوي لحركة حماس: عكست الحركة خلال الأيام الماضية بعض التحركات غير الاعتيادية فيما يتعلق برؤيتها لليوم التالي للحكم في قطاع غزة، في مسعى منها، على ما يبدو، لضمان بقاءها العضوي في أية معادلات سياسية يتم ترتيبها بشأن حكم القطاع فيما بعد الحرب، وانعكس ذلك في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أعقاب اجتماعه مع رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، في 18 أبريل الفائت، بأن حماس مستعدة لحل جناحها العسكري بمجرد إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وأن تستمر كحزب سياسي[12]، وهو ما يبدو أن الحركة ستكون حريصة لضمان تحققه في أية اتفاقات تهدئة "دائمة" قادمة. وقد يفسر هذا الدافع تحرك الحركة العسكري باستهداف التركزات العسكرية الإسرائيلية عند معبر كرم أبو سالم[13]، في رسالة، على ما يبدو، من الحركة لتل أبيب وكذلك الرعاة الدوليين بتأكيد حضورها العضوي العسكري في القطاع، لأخذ ذلك في الاعتبار في أية مفاوضات ومعادلات تهدئة داخل القطاع، وهو ما ثبت خطأ تقديره، حيث أن هذا التحرك كانت له تداعياته السلبية على مسار المفاوضات ووفر لتل أبيب مبرر البدء الجزئي في اجتياحها لمدينة رفح.

ختامًا، تعكس الحسابات المختلفة لكل طرف على النحو المبين سلفًا درجة من التعقيد التي تُلقي بظلالها على المسار التفاوضي الذي يشهد حالة من التعثر في الوقت الراهن، خاصة إذا تعامل كل طرف مع عملية التفاوض باعتبارها معرقلاً لتحقيق رؤيته وحساباته التي نسجها للوصول إلى "الانتصار" ونقطة النهاية من هذه الحرب التي يحقق فيها مصالحه السياسية، على غرار ما يحدث اليوم من تصعيد تقوم إسرائيل عبره بتنفيذ مخطط اجتياح مدينة رفح، غير مكترثة بتداعيات هذا التصعيد على حياة أسراها في المقام الأول، وكذلك التداعيات الكارثية على حياة الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، والاستقرار الإقليمي المهدد تحت ضغط هذه التحركات، خاصة وأن هذا التطور التصعيدي من جانب تل أبيب بإعلانها السيطرة على المعبر الحدودي لرفح من الجانب الفلسطيني يفرض عليها، ومن وراءها واشنطن، مسئولية جديدة لمنع أية مخططات من شأنها تهجير أهالي قطاع غزة قسريًا تجاه دول الجوار، لما سيكون لذلك من تداعيات إنسانية وخيمة وسيزيد من تعقيد الموقف الذي سيجعلهما في مواجهة العديد من دول العالم التي أكدت رفضها لأية مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، بل وسيجعل واشنطن تحديداً في مواجهة احتجاجات تيار كبير في الداخل تتسع رقعته يومًا بعد يوم، وهو ما تحاول أن تتداركه في الوقت الحالي باتخاذ بعض الإجراءات العقابية المحدودة للتقليل من تداعيات هذه التحركات الإسرائيلية التي تنطلق فيها من حسابات ائتلافية ضيقة قد تجر المنطقة إلى تفجر الأوضاع.


[1] TOI STAFF, Gantz, far-right ministers issue dueling ultimatums to PM over hostage deal, Rafah op, Times of Israel, April 28, 2024. Retrieved From:

https://www.timesofisrael.com/gantz-far-right-ministers-issue-dueling-ultimatums-to-pm-over-hostage-deal-rafah-op/

[2] Michael Hauser Tov, Jonathan Lis and Noa Shpigel, Eisenkot Blasts Ben-Gvir, Smotrich: I Won't Be in a Gov't That Bases Decisions on Political Agendas, Haaretz, May 1, 2024. Retrieved from:

https://www.haaretz.com/israel-news/2024-05-01/ty-article/.premium/eisenkot-blasts-ben-gvir-smotrich-i-wont-be-in-a-govt-that-bases-decisions-on-politics/0000018f-3386-d9c3-abcf-7bf774900000

[3] SAM SOKOL, Smotrich threatens to quit gov’t over hostage deal; Eisenkot slams far-right ‘blackmail’, Times of Israel, April 28, 2024. Retrieved From:

https://www.timesofisrael.com/smotrich-threatens-to-quit-govt-over-hostage-deal-eisenkot-slams-far-fight-blackmail/

[4] In Lebanon, top French diplomat seeks Israel-Hezbollah de-escalation, France 24, April 28,2024. Retrieved From:

https://www.france24.com/en/live-news/20240428-france-s-top-diplomat-in-lebanon-in-push-for-calm-with-israel

[5] John Irish, France pushes efforts in Lebanon to prevent war between Hezbollah and Israel, Reuters, April 28, 2024. Retrieved From:

https://www.reuters.com/world/france-pushes-efforts-lebanon-prevent-war-between-hezbollah-israel-2024-04-28/

See also: Selin Uysal, U.S.-French Cooperation on Preventing an Israel-Hezbollah War, The Washington Institute for Near East Policy, Apr 26, 2024. Retrieved From:

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/us-french-cooperation-preventing-israel-hezbollah-war

[6] Catie Edmondson, House Approves $95 Billion Aid Bill for Ukraine, Israel and Taiwan, The New York Times, April 20, 2024. Retrieved From:

https://www.nytimes.com/2024/04/20/us/politics/house-foreign-aid-bill.html

[7] US opposes ICC probe as Israel fears arrest warrants, France 24, April 29,2024. Retrieved From:

https://www.france24.com/en/live-news/20240429-us-opposes-icc-probe-as-israel-fears-arrest-warrants

[8] Readout of President Joe Biden’s Call with Prime Minister Netanyahu of Israel, The white House, APRIL 28, 2024. Retrieved From:

https://www.whitehouse.gov/briefing-room/statements-releases/2024/04/28/readout-of-president-joe-bidens-call-with-prime-minister-netanyahu-of-israel-4/

[9] TOI STAFF and JACOB MAGID, Biden, Netanyahu speak as Hamas says ‘no major issues’ with latest hostage deal draft, Times of Israel, April 29, 2024. Retrieved From:

https://www.timesofisrael.com/biden-netanyahu-speak-as-hamas-says-no-major-issues-with-latest-hostage-deal-draft/

[10] יקי אדמקר, ברק רביד, נתניהו: פינוי האוכלוסייה ברפיח כבר החל, הסיכוי לעסקת חטופים "נמוך ביותר", וואלה, April 30, 2024. Retrieved From:

https://news.walla.co.il/item/3661072

[11] David Gritten, Gaza war: US 'hopeful' Hamas will accept Israel's new ceasefire offer, BBC News, May 1, 2024. Retrieved From:

https://www.bbc.com/news/world-middle-east-68920131

[12] The New Arab Staff, Hamas willing to dissolve military wing if Palestinian state is established on 1967 borders: Turkish FM, The New Arab, April 18, 2024. Retrieved From:

https://www.newarab.com/news/hamas-willing-disarm-under-two-state-solution-turkey-fm

[13] TOI STAFF, After deadly Hamas rocket attack, Israeli strikes on Rafah said to kill 16, Times of Israel, May 5, 2024. Retrieved From:

https://www.timesofisrael.com/liveblog-may-5-2024/