د. معتز سلامة

خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

جاءت تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الزيارة الرسمية لرئيس جمهورية الصومال الفيدرالية، الدكتور حسن شيخ محمود إلى مصر، في 20 يناير الجاري (2024)، لتبعث بمجموعة من الرسائل في الإطار الإقليمي بالأساس، دون أن تغفل الإطارين المصري والدولي. وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة في توقيتها وخصوصيتها ومضمونها، على نحو تبين من شدة قوة الخطاب الرئاسي، حيث وضعت هذه الرسائل الصومال في مرتبة عليا في الإدراك المصري فيما يتعلق بالأمن القومي العربي، مع حديث الرئيس عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وهو أمر يجعل الصومال (الدولة القابعة في أقصى جنوب العالم العربي)، في وضع مناظر لمستوى الالتزامات القومية التي شددت عليها مصر كثيراً إزاء منطقة الخليج العربي ذات الأهمية البالغة للأمن القومي المصري، والتي أطلق الرئيس السيسي بشأنها منذ أكثر من عشر سنوات ما يمكن تسميته بمبدأ "مسافة السكة". 

السياق الإقليمي للزيارة

أتت زيارة الرئيس الصومالي إلى مصر في أعقاب إبرام إثيوبيا اتفاقاً، في مطلع العام 2024، مع إقليم ما يسمى بـ"جمهورية أرض الصومال"، يمنح أديس أبابا حق إنشاء ميناء تجاري وقاعدة عسكرية في الإقليم، مقابل اعتراف أثيوبيا باستقلال الإقليم كدولة منفصلة. وتتمثل خطورة هذا الاتفاق على الصعيد الإقليمي والدولي، ليس فقط في انتهاكه لوحدة الدولة الصومالية الشرعية التي سعت إثيوبيا للالتفاف عليها وضربها باتفاق مع إقليم داخلها، وإنما في سعيه إلى تكريس تجزئة هذه الدولة عبر الاعتراف بانفصال كيان سياسي داخل حدودها على حساب الدولة الموحدة. فلم تبرم أديس أبابا اتفاقها مع الدولة الصومالية الشرعية المعترف بها دولياً، وإنما مع إقليم داخل تلك الدولة يطمح إلى الانفصال.

وإذا أُقر هذا "الاتفاق" فإنه يعني شرعنة حصول الدول على امتيازات ومصالح خاصة من جراء مساعيها لهدم دول أخرى قائمة، في انتهاك صريح لمبادئ القانون الدولي التي أقرتها مختلف المنظمات الدولية والتي شددت على احترام مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول. كما تتمثل خطورة الاتفاق الإثيوبي في إمكان شرعنته كمنهج للتعامل الدولي مع منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا على مدخل باب المندب، وهي المنطقة الحيوية التي تجتذب انتباه العالم منذ سنوات، وأصبحت مركزاً مضيفاً للقواعد العسكرية والموانئ التجارية التي قامت القوى الكبرى بتأجيرها من دولها.

وعلى الرغم من أن تأجير المواني والقواعد العسكرية هو أمر شائع في هذه المنطقة بالغة الأهمية الجيوسياسية المتصاعدة للعالم، إلا أن خطورة الاتفاق الإثيوبي أنه إذا جرت شرعنته وتكراره من جانب دول أخرى، فإن دولاً كثيرة أخرى دولية وإقليمية يمكنها تكرار مثل هذه الاتفاقيات التجزيئية للأراضي الوطنية للدولة الصومالية ودول أخرى، في منطقة تتكاثر فيها الصراعات التي تفرضها الجماعات الانفصالية والإرهابية وجماعات ما دون الدولة بما فيها منظمات ومجموعات عسكرية خاصة من خارج المنطقة (فاجنر نموذجاً)، على نحو يمكن أن يتيح لكيانات أخرى كثيرة داخل الدول إبرام اتفاقيات مع الدول، ومن ثم تقويض مبدأ أساسي من مبادئ المنظمات الدولية جميعها.

جاءت زيارة الرئيس الصومالي أيضاً في ظل استمرار صراع وحرب بعيدة عن جنوب البحر الأحمر، لكنها ارتبطت بشكل استثنائي وغير اعتيادي في الشهرين الأخيرين بالبحر الأحمر عموماً، وبجنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي وباب المندب خصوصاً، وهى المنطقة التي شكلت هدفاً وإطاراً للاتفاق الإثيوبي، والتي تقع في قلب الأمن القومي العربي والمصالح والمياه العربية. فقد برزت الديناميكية والارتباط الجيوسياسي العجيب بين هذه المنطقة في جنوب البحر الأحمر، وبين الحرب الإسرائيلية على غزة، في أقصى شمال هذا البحر، مع تتابع هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيرات على مناطق في إسرائيل، وعلى السفن التابعة لها أو المتجهة إليها منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي هجمات طالت السفن والبوارج الأمريكية في البحر الأحمر أيضاً، وهو ما أدى إلى توجيه ضربات أمريكية-بريطانية للحوثيين عبر تحالف دولي بقيادة أمريكية جرى تشكيله لهذا الغرض تحديداً، الأمر الذي يهدد بانفجار حرب إقليمية متعددة الجبهات في هذه المنطقة، التي ترتبط بشكل خاص بالمصالح الاستراتيجية المصرية.

وتأتي الخطوة الإثيوبية لتطرح تساؤلات عن الأهداف الخاصة لأديس أبابا، وتداعيات الوجود التجاري والعسكري الإثيوبي فيها، خاصة أن الاتفاق يتضمن إنشاء قاعدة عسكرية إلى جانب ميناء تجاري. بالنسبة لمصر، فإن ذلك يعني أن تضيف إثيوبيا إلى المخاطر والتهديدات التي فرضتها على الدولة المصرية بأزمة المياه والسد (وهو خطر وجودي)، التي لم تشف المرارة المصرية من إثيوبيا ومن أسلوب التفاوض الإثيوبي المزعج لما يزيد على عشر سنوات بشأنه، إمكانات تهديدها لمصر مرة ثانية من خلال الوجود على بوابة الملاحة البحرية على مداخل البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما يعني تهديد لأهم مرفق استراتيجي مصري - دولي، بعد التهديد المائي للوجود، وهو ما يعني الضغط على مصر سياسياً وعسكرياً بعد الضغط عليها مائياً. وفضلاً عن انعكاسات ذلك على إدارة مصر لأزمة المياه بالحد من خيارات الدولة المصرية مستقبلاً في إدارة الأزمة مع إثيوبيا، فإنه يحمل خطر إمكانية إبرام إثيوبيا لتحالفات مع دول وكيانات أخرى مهددة لمصر، مع وجود إثيوبيا على البحر الأحمر، بكل ما يعنيه ذلك من تحكم في شريان من شرايين الاقتصاد والمكانة الاستراتيجية المصرية على الصعيد الدولي.

الصومال في الإدراك المصري

تحظى الصومال بأهمية استراتيجية فريدة، حيث تشكّل تاجاً مرصّعاً على جغرافيا الوطن العربي جنوباً، في منطقة باتت مزدحمة بالوجود الدولي والموانئ والقواعد العسكرية في القرن الأفريقي، بموقع يجعل منها جوهرة جيوسياسية وجيواستراتيجية، مع سواحلها الممتدة بنحو 3025 كم طولاً على المحيط الهندي وخليج عدن، وحتى بوابة البحر الأحمر، وعلى مقربة من باب المندب، وبعدد من المواني المهمة، تمكنها من أن تشكل مركزاً لوجستياً لا مثيل له للتجارة العالمية، خاصة إذا أحكمت شبكات ارتباطها بقناة السويس.

هذه الدولة العربية التي توارت عن دائرة الاهتمام العربي لفترة طويلة وتفصدت أوصالها الوطنية مع انصهارها في بوتقة الأزمة الداخلية، منذ الثورة على رئيسها الأسبق محمد سياد بري، في يناير عام 1991، لم تتعاف حتى الآن، وتباعدت أقاليم الدولة بالتدخلات الخارجية والإرهاب. ورغم محاولات إعادة الوحدة لا تزال مؤسساتها ضعيفة، ولا تزال الصومال محرومة من اكتشاف وإدراك حظها وعائدها، الذي يؤهلها له كنزها الخاص من الموقع الاستراتيجي فقط، بمعزل عن ثرواتها وكنوزها الطبيعية، برغم التطورات الهائلة في بيئتها المجاورة.

ولقد تربّت الأجيال المصرية والعربية المختلفة على أن الصومال أرض عربية، وهي دولة عضو في جامعة الدول العربية. لكل ذلك، كان طبيعياً أن ترفض الصومال ومصر وجامعة الدول العربية مذكرة التفاهم الإثيوبية، وأن تشعر بالانزعاج والفزعة، وأن تعتبر هذه المذكرة لاغية وباطلة. كما كان طبيعياً أن يدين الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب المذكرة الإثيوبية، وأن يعلنوا رفضها. أما مصر فقد أكدت تضامنها مع الصومال، ضد المحاولات الرامية لانتهاك سيادته وسلامة أراضيه، واتهمت إثيوبيا ببث الاضطراب فى محيطها الإقليمي. وجاء لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي بالرئيس الصومالي ليعيد التأكيد على وقوف مصر إلى جانب الصومال، وليرمم ثغرة في جدار الأمن القومي العربي.

الرسائل المصرية في الإقليم

عكست الرسائل التي تضمنتها كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي في المؤتمر الصحفي مع الرئيس الصومالي إدراك القيادة المصرية لوضعية الصومال الخاصة وأهميته للأمن القومي المصري والعربي، ولتشير إلى خطورة الخطوة الإثيوبية، في إطار اطلاع مصر على أهداف إثيوبيا ونياتها، من واقع تجربتها التفاوضية الخاصة مع أديس أبابا بشأن أزمة السد على مدى السنوات العشر الماضية، والتي مارست فيها إثيوبيا مختلف الحيل وأساليب التعنت التي لا تعبر عن نيات طيبة تجاه مصر، التي يجمعها بها نهر واحد منذ آلاف السنين.

جاءت رسائل الرئيس لتمتزج بالرؤية المصرية العامة وبالرؤية الخاصة للقيادة السياسية في ضوء الأوضاع المصرية، وهو أمر يشكل أحد سمات وملامح الخطاب الرئاسي منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم عام 2014. إذ لا يترك الرئيس الفرصة لربط أحداث الخارج بالأوضاع في الداخل وبالأولويات المصرية، على نحو ما يبرز في حديثه المستمر عن أن قوة أي دولة من قوة ووحدة وتماسك شعبها، ودعوته دائماً لأن يكون المصريون على قلب رجل واحد. وفق ذلك تضمنت كلمة الرئيس رسالتين أساسيتين:

الرسالة الأولى، مرتبطة بالشأن الوطني المصري، وجاءت لتعكس أثر التجربة المصرية والأولويات الوطنية لمصر، والتي برزت من تركيز الرئيس عند حديثه عن إنجازات الرئيس الصومالي، على ثلاثة إنجازات: اثنان منها متماثلان مع مصر، وهما حديث الرئيس عن قدرة الرئيس الصومالي على هزيمة الإرهاب، حيث عكس حرص الرئيس السيسي على ذكر ذلك إدراك القيادة المصرية لهذا الخطر وتجربتها معه على مدى السنوات وبشكل خاص منذ 2013، حتى تمكنت من القضاء عليه بعد تضحيات بشرية واقتصادية كبيرة، وهو ما تتفق فيه مصر مع الصومال. فضلاً عن ما أشار إليه الرئيس من إنجازات تحسب للرئيس الصومالي لتمكنه من شطب الديون عن بلاده، حيث أن تركيز الرئيس السيسي على ذلك يشير إلى العبء الذي تستشعره القيادة المصرية بشأن أعباء الديون التي تثقل كاهل مصر وتمثل شاغلاً أساسياً للقيادة؛ وقد تعكس إشارة الرئيس إليها تحديداً -كإنجاز يحسب للرئيس الصومالي- رغبة القيادة المصرية في مبادرة دولية لشطب الديون المصرية. وضمن هذه الرسالة، لم يفت على الرئيس التأكيد على البناء والتنمية والتعمير وتأكيده على أهمية الدولة الوطنية، وكلها مفاهيم وأولويات مستقاة من التجربة المصرية الخاصة على مدى السنوات الماضية.

الرسالة الثانية، عكست رؤية مصر للعلاقات الدولية والأفريقية خصوصاً، وأنها تنحاز لرؤية تعاونية -وليس صراعية- في هذه العلاقات، وهو ما تمثل في تأكيد الرئيس على أن التعاون والتنمية أفضل من أي شيء آخر، موجهاً رسالته للأثيوبيين بشكل خاص على نحو عكس المفاهيم الإيجابية المصرية في الحياة الدولية وفي السياسة الأفريقية لمصر، بتأكيد الرئيس على أن الحصول على تسهيلات في الصومال أو جيبوتي أو إريتريا هو أمر متاح بالوسائل التقليدية، للاستفادة بالموانيء في هذه الدول، وبدعوته إلى الحوار والتعاون بعيداً عن التهديد والمساس بأمن واستقلال الدول، وهو ما يعني أن مصر لا ترفض أي صيغ وآليات وأطر للتعاون الاقتصادي والبناء الوطني تستفيد منها كل الدول بما فيها إثيوبيا، لكنها ترفض القفز على أرض دول للسيطرة عليها، على نحو ما مثله الاتفاق الإثيوبي مع "أرض الصومال".

بذلك تضع مصر إثيوبيا أمام مسئولياتها، وهي الدولة التي يقع على أرضها مقر الاتحاد الأفريقي، الذي ينص قانونه التأسيسي في مادته الثالثة على "الدفاع ﻋﻥ ﺴﻴﺎﺩﺓ الدول ﺍﻷﻋﻀﺎء ﻭﻭﺤﺩﺓ ﺃﺭﺍﻀﻴﻬﺎ واستقلالها". ويورد في مادته الرابعة بنوداً واضحة وضافية، تشدد على "مبدأ المساواة والترابط بين الدول الأعضاء فى الاتحاد، واحترام الحدود القائمة عند نيل الاستقلال، وعدم تدخل أى دولة عضو فى الشئون الداخلية لدولة أخرى"، وهي بنود تدين جميعها الخطوة الإثيوبية مع "أرض الصومال".

وإلى جانب رسالة التعاون، كانت الرسالة الأخرى الموازنة للرسالة السابقة -ضمن السياق ذاته- والتي أكد خلالها الرئيس على أن الصومال بلد عربي، يطبق عليه اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وهو ما يعكس نية مصر الوقوف إلى جانب أشقائها الصوماليين إذا تعرضوا لأي تهديد. لذلك ختم الرئيس كلمته قائلاً: "إننا لن نسمح لأحد أن يهدد الصومال" (محدش يجرّب مصر، ويحاول يهدد أشقاءها خاصة لو طلبوا أن نكون موجودون معهم). ويشير كل ذلك إلى تنامي الإدراك المصري بالأهمية الاستراتيجية المتزايدة للصومال بالنسبة للأمن القومي المصري والعربي على حد سواء، وهو ما يرجح أن يشكل بدايات انطلاقة لمفاهيم مصرية جديدة بشأن القرن الأفريقي والبحر الأحمر.