رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في خطوة جديدة للضغط على النظام الإيراني، قام البرلمان الأوروبي، في 20 يناير 2023، بإصدار توصية لإدراج مؤسسة الحرس الثوري الإيراني على القائمة الأوروبية للكيانات الإرهابية، في سابقة هي الأولى من نوعها؛ أن تضم القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية مؤسسة رسمية، وجزءاً من القوات المسلحة لدولة ذات سيادة، وذلك بعد تصويت 598 نائباً بالموافقة على مشروع قرار إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، فيما عارضه 9 نواب، وامتنع 32 نائباً عن التصويت.

وعلى الرغم من تصويت البرلمان الأوروبي على مشروع القرار بالموافقة، فإن الاتحاد الأوروبي لم يصوت على مشروع القرار في اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء الذي انعقد في 23 يناير 2023، حيث أشار مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل إلى أن التكتل لا يمكنه إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة الكيانات الإرهابية إلا بعد صدور قرار من إحدى محاكم الاتحاد يفيد بذلك. بينما تم فرض حزمة رابعة من العقوبات على إيران خلال الاجتماع. وذلك بإضافة 37 اسماً في إيران لقائمة الاتحاد الأوروبي للأفراد والكيانات الخاضعين لعقوبات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، الأمر الذي يُبقي على احتمالات إدراج الحرس الثوري على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية، إذا ما تحقق شرط صدور قرار من محاكم إحدى دول الاتحاد كما أشار بوريل، فيما يظل لقرار البرلمان دلالاته حتى وإن لم يحصل على موافقة الاتحاد في الوقت الحالي.

عقوبات متصاعدة

كان الاتحاد الأوروبي قد فرض على إيران ثلاث حزم متتالية من العقوبات خلال الأشهر القليلة الماضية، استهدف من خلالها 146 فرداً و12 منظمة، تضمنت شرطة الأخلاق وقادة في الحرس الثوري، ووسائل إعلام رسمية، وتمثلت هذه العقوبات في تجميد الأصول في الاتحاد الأوروبي، وفرض حظر على دخول دوله الأعضاء.

وفي خطوة تصعيدية، تم الإعلان عن أن البرلمان الأوروبي يستعد لمناقشة إدراج مؤسسة الحرس الثوري ضمن الكيانات الإرهابية في جلسته التي عقدت في 20 يناير الجاري، الأمر الذي قابلته إيران باستهجان وتهديد من خطورة هذه الخطوة، حيث وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إقدام البرلمان الأوروبي على مناقشة مشروع القرار بأنها خطوة غير مهنية، وسلوك غير مدروس، ودعا البرلمان للتفكير في عواقب القرار مؤكداً أن إيران سترد على أي قرار ضدها وأن خطوة البرلمان الأوروبي بمثابة إطلاق النار على قدمي أوروبا نفسها. كما صرّح قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي بأن على الأوروبيين تحمل العواقب في حال فشلوا فى التوافق على هذا القرار، بينما جاء التصويت داخل البرلمان بأغلبية ساحقة ليشير إلى رغبة الدول الأوروبية في معاقبة إيران، دون الالتفات إلى تهديداتها، كما طالب البرلمان الأوروبي دول الاتحاد بإدراج اسم المرشد الأعلى للثورة، والرئيس الإيراني، ونواب البرلمان الإيراني، وميليشيا الباسيج وفيلق القدس ضمن العقوبات الأوروبية على إيران.

دوافع عديدة

دفعت العديد من العوامل البرلمان الأوروبي إلى تصعيد عقوباته على إيران، حيث تتمثل هذه الدوافع فيما يلى :

1- تصعيد إيران في توظيف ملف مزدوجي الجنسية: شهد العام الماضي ومنذ تعثر المفاوضات بشأن الاتفاق النووي الإيراني، تصعيداً إيرانياً في استخدام مزدوجي الجنسية وما يمكن توصيفه بدبلوماسية الرهائن، كورقة ضغط مع الغرب، فتوسعت إيران في اعتقال الأجانب، وأصدرت أحكاماً بالإعدام بحق عدد من المعتقلين لديها، بدءاً باستباق السلطات القضائية الإيرانية نظيرتها السويدية بالإعلان عن موعد تنفيذ حكم الإعدام بحق الباحث السويدي من أصل إيراني أحمد رضا جلالي، في التوقيت ذاته الذي يحاكم فيه مسئول إيراني هو حميد نوري، أمام المحاكم السويدية بتهمة تصفية المعارضين عام 1988، وينفذ حالياً حكماً بالسجن مدى الحياة، مروراً بالإفراج عن السجين باقر نمازي وفق صفقة مع الولايات المتحدة للإفراج عن جزء من أموال إيران المجمدة في الخارج، وانتهاءاً بتنفيذ حكم الإعدام بحق على رضا أكبري على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا. فيما مثلت الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ خمسة أشهر، منعطفاً مهماً في اعتقال الأجانب في إيران.

ويمكن القول إن إعدام أكبري لم يتم في هذا التوقيت فقط انطلاقاً من كونه مذنباً، وفقاً للرواية الإيرانية، وإنما على الأرجح تهدف عملية الإعدام إلى تذكير الغرب بجدية إيران في استخدام ملف مزدوجي الجنسية، وأن المعتقلين الأجانب لديها من الدول الغربية، يمكن أن يكونوا إحدى وسائل رد إيران على الاستهداف الغربي لها بالعقوبات.

2- خروقات النظام الإيراني في ملف حقوق الإنسان: منذ وفاة الفتاة العشرينية مهسا أميني عقب توقيفها من قبل شرطة الأخلاق بطهران، واندلاع التظاهرات اعتراضاً على سياسة النظام القمعية ضد النساء ودعوته إلى الاستماع لمطالب الشارع، عبرت الدول الأوروبية عن رفضها لسياسة النظام الإيراني في هذا السياق، وأعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لعمل لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق للتعرف على حقيقة ما يجري في إيران.

كما أكد الاتحاد على أن النظام الإيراني يستخدم عقوبة الإعدام كأداة لإرهاب شعبه، وذلك بعد إقدام السلطات القضائية على إعدام أربعة من المتظاهرين، بتهمة الحرابة، وتأكيدها على قرب تنفيذ أحكام إعدام بحق آخرين، بينما أوضح تقرير نشرته منظمة حقوق الإنسان الإيرانية غير الحكومية (IHR) أن 100 سجين معرضون لعقوبة الإعدام، بينهم 13 سجيناً صدر بحقهم حكم الإعدام بالفعل.

3- انخراط إيران في الحرب الأوكرانية: منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن معلومات استخباراتية تشير إلى توقيع صفقة للطائرات المسيرة تزود بها طهران موسكو لاستخدامها في الحرب على أوكرانيا في أغسطس 2022، بدا أن ثمة اهتماماً أوروبياً متزايداً بهذه الصفقة، خاصة عقب تأكيد أوكرانيا إسقاطها عدداً من الطائرات المسيرة الإيرانية الصنع، وتأكيد واشنطن على وجود عسكريين إيرانيين في جزيرة القرم للقيام بمهمة توجيه الطائرات ناحية الأهداف الأوكرانية، وفرض واشنطن عقوبات على إيران، شملت أشخاصاً ذوي صلة ببرنامج تصنيع المسيرات في إيران، وكذلك مؤسسات ومصانع تقوم عليها هذه الصناعة، وقد تزايدت هذه العقوبات تدريجياً لاسيما مع الحديث عن توريد طهران لصواريخ من بينها صواريخ باليستية لروسيا لاستخدامها في الحرب.

4- تشدد إيران في مفاوضات الملف النووي: يرى الاتحاد الأوروبي أنه قد منح إيران العديد من الفرص للتوصل إلي اتفاق بشأن ملفها النووي، وأنه استطاع من خلال وساطته في الملف تقديم تنازلات مؤثرة من الأطراف الغربية لإقناع إيران باغتنام هذه الفرص بتوقيع الاتفاق مجدداً، غير أن طهران سعت إلى المماطلة للحصول على مكاسب أكبر، ومع دخول الاحتجاجات الشعبية وقمع النظام لها على خط الأزمة مع الغرب، تتضاءل فرص استعادة مسار المفاوضات، مما رجح كفة اللجوء إلى عقوبات مؤلمة للنظام الإيراني، الذي لم يبد مرونة تذكر في إطار مفاوضاته بشأن إحياء الاتفاق النووي.

تداعيات محتملة

على الرغم من أن خطوة إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب الأوروبية، مازالت معطلة، ومشروطة بوجود حكم من محاكم إحدى دول الاتحاد الأوروبي، فإنه يظل لقرار البرلمان الأوروبي رمزية مهمة، حيث كسر هذا القرار حاجز احتمالية إقرار عقوبة أممية على مؤسسة عسكرية رسمية لدولة ذات سيادة، تضاف في حالة إيران إلى العقوبة المفردة التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية في أبريل 2019، وذلك في ظل دعم ألمانيا، وهولندا والتشيك لهذا القرار وسحب فرنسا تحفظها السابق علىه، الأمر الذي من شأنه أن يفرض عدة تداعيات على صعيد الداخل الإيراني، ورد فعل النظام، من أهمها:

1- التأثير سلباً على الاقتصاد الإيراني: مع التسليم بالدور الفاعل إن لم يكن الرئيسي لمؤسسة الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني، فإن عقوبات شاملة قد تطال هذه المؤسسة، يمكن أن تضيف إلى الاقتصاد الإيراني أعباءاً أخرى ناحية توفير النقد الأجنبي، لاسيما وأن الحرس الثوري يمتلك استثمارات كبيرة عده في الخارج، وربما في أوروبا، من خلال شركات وسيطة، أو تابعة لأعضائه، وبموجب هذه العقوبة، ستتم مصادرة ممتلكات المؤسسة وأعضائها بالكامل في دول الاتحاد.

كما يتوقع أن تواجه عمليات نقل النفط وتوريده مشكلات كبرى تتعلق بنقله بحراً وتأمين ناقلاته، حيث تقوم مؤسسة الحرس الثوري بالمهمتين من خلال سفن تابعة لها، وبوضع المؤسسة على قائمة التنظيمات الإرهابية فإن ذلك سيجعل ناقلات النفط في مرمى العقوبات الأوروبية ومن ثم الاحتجاز ومنع المرور، كما حدث مع ناقلات نفط إيرانية قبالة السواحل اليونانية من قبل، وهو ما يفتح الباب أمام المواجهات البحرية بين إيران والغرب، إذ سيبادر الحرس الثوري للتعامل بالمثل.

2- تراجع قدرة الحرس الثوري على تمويل عملياته الخارجية: يمكن القول إنه في حال خضوع مؤسسة الحرس للعقوبات الأوروبية المتمثلة في حظر كل الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة وأعضائها في الدول الأوروبية، عقب إدراجها في قائمة التنظيمات الإرهابية، فإنه من المرجح تراجع قدرة الحرس الثوري على  تمويل مليشياته في الخارج، حيث يتوقع أن تسهم العقوبات الأمريكية والأوروبية في زيادة تكلفة ومخاطر استيراد وتوريد المؤسسة للسلاح من وإلى الخارج، كما سيمنع حظر نشاطها الاقتصادي التدفقات المالية التي تستخدم في تمويل المليشيات التابعة لها.

أما على الصعيد العملياتي، فتقل احتمالات تأثير العقوبات على تحركات المليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني على المدى القريب، نظراً لتمركزها في مناطق نفوذها بالفعل، وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تصريح المرشد الأعلى على خامنئي في وقت سابق بأن آلاف المتطوعين يخدمون خارج حدود البلاد.

3- استقواء المعارضين وتزايد فرص استمرار الاحتجاجات: نظراً لأهمية الحرس الثوري ودوره الضالع في قمع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، فقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع للفيديو من مدن مختلفة مثل قم وبندر عباس، توضح ترحيب المتظاهرين بتصويت البرلمان الأوروبي على تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وسط استمرار التجمعات الاحتجاجية وغيرها من أشكال العصيان المدني في البلاد. ويتوقع أن يسهم قرار البرلمان الأوروبي في منح المحتجين بعض الثقة في وجود دعم دولي لمطالبهم، على أمل أن تسهم الضغوط الغربية في إضعاف النظام، وبالتالي زيادة فرص حصول المحتجين على مكاسب.

4- احتمال انهيار خيار العودة إلي المفاوضات النووية: خلال الجولات التسعة للمفاوضات بين الغرب وإيران بغرض إحياء الاتفاق النووي، سعت الأخيرة إلى الضغط للموافقة على شرطها الأساسي للتوقيع على صيغة نهائية للاتفاق، المتمثل في رفع العقوبات عنها، وبالتحديد تلك العقوبات التي تتصل بالحرس الثوري الإيراني المفروضة من قبل الولايات المتحدة، وهو المطلب الذي لم تقبل به الإدارة الأمريكية، وبالتالي من المرجح أن تعمل العقوبات الجديدة إذا ما أقرها الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، على تقليص فرص استعادة مسار التفاوض بين الطرفين الغربي والإيراني، وبالتالي زيادة فرص لجوء إيران إلى تصعيد نشاطها النووي وتسريع عمليات تخصيب اليورانيوم لمستويات أعلى من 60% تلك النسبة التي استطاعت الحصول علىها صعوداً من 20% فقط عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع عام 2015 منفردة. فضلاً عن إمكانية تنفيذ إيران لتهديدها بالانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو التهديد الذي ساقه وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان عقب الإعلان عن قرار البرلمان الأوروبي بشأن الحرس الثوري.

في النهاية؛ يمكن القول إن الغرب يسعى من خلال العقوبات المتتالية على النظام الإيراني، والتصعيد من جانب البرلمان الأوروبي بوضع الحرس الثوري على القائمة السوداء للتنظيمات الإرهابية، إلى إضعافه، وتضييق الخناق عليه، ضمن معركة لتكسير العظام، بعيداً عن احتمالات المواجهة المباشرة، ذات التكلفة الباهظة، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من وطأة العقوبات، وتداعيات الاحتجاجات والإضرابات العامة التي تشهدها البلاد، ومعاناة أوروبا أيضاً من تبعات الحرب الروسية-الأوكرانية وما تسببت فيه من أزمات في الغذاء والطاقة.