أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

ينظر إلى لقاء القاهرة الذي جمع رئيسى مجلسى النواب والأعلى للدولة الليبيين عقيلة صالح وخالد المشري الأسبوع الماضي (5 يناير 2023) باعتباره انفراجة سياسية قد تشكل اختراقاً في حالة الانسداد السياسي التي ترتبت على فشل إجراء الانتخابات الليبية العام قبل الماضي (ديسمبر 2021). فكحد أدنى لنتائج التفاهمات التي تم الإعلان عنها تمت تسوية الخلافات السياسية بين المجلسين بعد إزالة عقبة المحكمة الدستورية العليا، وفتح آفاق للتوافق بينهما على آليات تسوية النقاط العالقة في القاعدة الدستورية الخاصة بالانتخابات والمتمثلة في ترشيح العسكريين ومزدوجي الجنسية، من خلال اللجنة المشتركة أو طرح تلك النقاط للاستفتاء عليها، إضافة لتشكيل حكومة انتقالية موحدة وفق آلية جنيف، بالتشاور مع البعثة الأممية. 

ومن الأهمية بمكان القول بأن كل انفراجة سياسية في المشهد الليبي تقتضي البحث بالتبعية عن التحديات التي قد تشكل عائقاً أمام تحقيق أهداف هذه الانفراجة، وهي تحديات معروفة سلفاً في ضوء الخبرة الليبية المتراكمة، على سبيل المثال: التحدي الذي تمثله الأطراف الأخرى التي ستتضرر مصالحها الذاتية جراء أي تفاهم بين المجلسين، وتحدي صمود أي تفاهمات أو توافقات بين الأطراف الليبية. كذلك تحدي ضمان الإبقاء على تلك التفاهمات وتنفيذها. وفي ضوء ذلك، يمكن تناول أبرز التحديات التي تواجه هذه الخطوة على النحو التالي:

تحدي أطراف المبادرة المطروحة

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أول التحديات يتمثل في طرفي المبادرة ذاتها. فالتقارب بين المجلسين ليس جديداً، وربما يرى العديد من المراقبين أن التقارب جرى تحت ضغط اللحظة التي بادر فيها المجلس الرئاسي إلى تقديم مبادرة لحلحلة أزمة الانسداد السياسي مدفوعاً هو الآخر بضغوط خارجية وداخلية، وبالتالى يرى هذا الاتجاه أن مبادرة تسوية الخلاف بين المجلسين هي محاولة لقطع الطريق على مبادرة الرئاسي، ومع ذلك لا يمكن إغفال أنها تشكل فرصة جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المشهد الليبي. إلا أنه يتعين على المجلسين إثبات أن التقارب بينهما لا يهدف إلى مجرد احتكار عملية التسوية، ما يعني أن نقطة البدء تتمثل في استعادة الثقة في الطرفين من جانب أكبر عدد ممكن من القوى الوطنية والقوى المنخرطة في الأزمة. 

طبيعة المقاربة المطروحة لحلحلة الأزمة

أعلن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح عن التوصل مع المجلس الأعلى للدولة إلى شبه إجماع حول الوثيقة الدستورية التي تشكل الأساس الدستوري للانتخابات، تتضمن المواد التوافقية، بينما ستحال المواد القليلة العالقة أو الخلافية إلى جولة تالية من الحوار، أو إجراء استفتاء بشأن مادتى ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هناك إجراءات أخرى مطلوبة منها تنقية السجل الانتخابي والمصالحة وضمان القبول بنتائج الانتخابات.

 كما أشار إلى أنه سيكون هناك حوار بين الأطراف الليبية بحضور المبعوث الأممي عبد الله باتيلي للإعلان عن خريطة طريق جديدة. فيما تناول المشري في تصريحات إعلامية عقب اللقاء تفاصيل خريطة الطريق، مشيراً إلى الحاجة لتشكيل حكومة موحدة كضمانة لتحقيق الشفافية وتهيئة الأجواء بشكل عام للانتخابات.

ومن المتصور أن الشق الأول المتعلق بحل مشكلة القاعدة الدستورية محل توافق بين كافة الأطراف الليبية على اختلافها، بينما قد يشكل الشق الآخر المرتبط بإطلاق مرحلة انتقالية جديدة تتضمن تشكيل حكومة جديدة مسألة خلافية من عدة جوانب إجرائية وسياسية وهو ما يمكن تناوله في السياق التالي:

1- التحديات الإجرائية: على الرغم من موضوعية الطرح الذي قدمه الطرفان بأهمية التوافق على إطلاق مرحلة انتقالية جديدة، إلا أن تشكيل حكومة جديدة يعني طول المرحلة الانتقالية المقبلة، خاصة وأن تشكيل حكومة في حد ذاته يتطلب التوافق على تشكيل هذه الحكومة من خلال فريق أوسع من المجلسين. قد يتطلب ذلك إعادة إحياء ملتقى الحوار السياسي، والقيام بعملية اختيار الحكومة على نحو ما جرى في جنيف في مرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر 2020 – مارس 2021). وقد تستغرق هذه العملية عدة أشهر. ويدعم هذه الاتجاه ما أشار إليه المشري في تصريحاته من أن الخطوات ستتم بالتتابع، وهو ما يؤكد على طول المرحلة الانتقالية، من جهة، ومن جهة أخرى، يتطلب الأمر استمرار التوافق بين المجلسين في كل خطوة من الخطوات.

 كذلك في حال اللجوء إلى الاستفتاء على النقاط العالقة في القاعدة الدستورية، من المتصور أن هناك حاجة للإجراءات التي أشار إليها صالح، والخاصة بتنقية جداول الناخبين، وبالتالي سيكون هناك دور للهيئة العليا للانتخابات في هذه العملية، بالإضافة إلى أن الاستفتاء يعد في حد ذاته "بروفة" للعملية الانتخابية تتطلب القبول بنتائجه. وفي ضوء هذه النتائج، تستكمل العملية التشريعة الخاصة بالقاعدة الدستورية، مع الأخذ في الاعتبار أن الوثيقة الدستورية لم يتم الإعلان عن مضمونها، وهي نقطة أثارت الجدل، فالمواد المتوافق عليها بين المجلسين معروفة وكذلك المواد الخلافية، وبالتالي فإن حجب الوثيقة الدستورية خشية إثارة التوترات يعني، وفق مراقبين ليبين، أن هناك تغيرات طالت ما تم التوافق عليه سابقاً، وهو ما فتح مجالاً آخر للجدل على الساحة الليبية.

2-التحديات السياسية: وتتعلق بالقوى الجاهزة لعرقلة مشروع المرحلة الانتقالية الجديدة، في ضوء المواقف وردود الفعل على خطوة التقارب ما بين مجلسى النواب والأعلى للدولة، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

أ- البعثة الأممية: على الرغم من ترحيب البعثة الأممية في تعقيبها على نتائج لقاء صالح والمشري، وحثها الطرفين على إنجاز القاعدة الدستورية، إلا أنها ركزت على أن الهدف من ذلك هو الوصول للعملية الانتخابية، من دون الإشارة إلى المرحلة الانتقالية الجديدة أو خريطة الطريق التي يتبناها المجلسان بشكل صريح في بيان البعثة. كما لم تتم الإشارة إلى اللقاء المرتقب على الرغم من إعلان وسائل الإعلام الليبية أن هناك لقاءاً يجري التحضير له في غدامس أو الزنتان في 11 يناير الجاري. ومع ذلك ألمحت البعثة إلى أنها على استعداد لدعم المبادرات المخلصة الهادفة إلى تحقيق توافق وطني يمهد الطريق لحل الأزمة السياسية التي طال أمدها.

وبالتالي، من المتصور أن البعثة أبقت الباب مفتوحاً لاستكشاف إمكانية انعقاد الحوار  وترقب مخرجاته، فقد فشلت محاولات سابقة لعقد الحوار في غدامس خلال الفترة الماضية، كما يعكس رد فعل البعثة على هذا النحو أنها ليست الطرف المبادر إلى الحوار، وهو موقف دبلوماسي يلمح إلى طبيعة حسابات البعثة تجاه الأطراف السياسية وخشيتها من أن تحسب على تكتل دون الآخر، أو بصيغة أخرى لا تزال تضع المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة في طرف المعادلة السياسية مقابل النواب والأعلى للدولة في الطرف الآخر، في محاولة للظهور كطرف محايد. وربما يمكن تفسير موقف البعثة أيضاً على أنها لا ترغب في احتكار المجلسين لمسار التسوية وأن يكون هناك أدوار لأطراف أخرى، مع حصر دورهما في القاعدة الدستورية.

ويسلط هذا الاستنتاج الضوء على موقف البعثة الأممية في عهد باتيلي، فبخلاف البعثات السابقة التي كانت تتبنى مبادرات وتسعى لهندسة المشهد السياسي الليبي، يبدو أن البعثة الحالية تتعاطى كرد فعل على التفاعلات بين الأطراف مقتصرة على دور الوسيط المحدود، دلالة ذلك أنها تبحث عن ما يفيد بشأن الجانب الإجرائي في العملية الانتخابية، بغض النظر عن طبيعة البيئة السياسية.

ب- حكومة الوحدة: رغم ما تشير إليه العديد من التحليلات من أن وجود حالة الانقسام السياسي أو بالأحرى الازدواج الحكومي ما بين حكومة فتحي باشأغا في شرق البلاد مقابل حكومة عبد الحميد الدبيبة في غربها، ما يشكل عامل عرقلة لأى تفاهمات سياسية، إلا أنه في واقع الأمر لا يمكن مقارنة الوضع الراهن بما كان عليه الأمر ذاته في السابق، إذ لا تحظى حكومة باشأغا التي عينها البرلمان (مارس 2022) بدعم كافة القوى السياسية في  شرق البلاد إذا ما قورنت بحكومة عبد الله الثني مقابل حكومة فايز السراج فى المرحلة الانتقالية السابقة، وضمنياً يمكن النظر إلى حكومة باشأغا باعتبارها توظف رمزياً لإظهار عدم اعتراف الشرق بحكومة الدبيبة في الغرب، وبالتالي لا تشكل الأولى تحدياً، على عكس حكومة الدبيبة باعتبارها صاحبة المصلحة في البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة بغض النظر عن مشروعية البقاء، وفي هذا السياق أعلنت الأخيرة رفضها عقب لقاء المشري–صالح تبني الدخول في مرحلة انتقالية جديدة وأكدت مجدداً على أنها لن تسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة. ومن المتصور أن حكومة الوحدة تراهن على أنه لن يندفع طرف إلى استخدام القوة المسلحة لإزاحتها في ظل الطروف الدولية الراهنة في ضوء الحرب الروسية-الأوكرانية، وحرص القوى الدولية على هدوء الساحة الليبية.

ج- المليشيات والفصائل المسلحة: تشير تقارير محلية إلى أن العديد من المليشيات والفصائل في غرب ليبيا تجري حواراً بالفعل مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، ومع ذلك لا يمكن ضمان ما يتم الاتفاق عليه بين تلك الأطراف، في ضوء الخبرة الليبية التي تشير إلى مدى تقلب هذه المكونات في ضوء تغير مصالحها وولاءاتها. لكن يمكن اعتبار  انعقاد حوار وطني في غدامس أو الزنتان بمثابة اختبار  مبدئي لموقف هذه المكونات. فقد أعاقت إقامته قبل حوار القاهرة بدافع علاقاتها ومصالحها مع حكومة الوحدة. كذلك حتى لو غيرت موقفها من حكومة الوحدة، وأيدت خطوة خريطة الطريق الجديدة فستكون هناك إشكالية على المدى البعيد، حيث تعيد تموضعها مرة أخرى في المشهد كلاعب محوري حتى ولو من خلف الكواليس، بالإضافة إلى المقابل الذي يتعين دفعه، ففي كل الأحوال تسعى لضمان مكاسبها السياسية والمادية أولاً.  

د- القوى الخارجية: من غير الواضح ما هو موقف القوى الخارجية من إنجاح التفاهمات بين مجلسى النواب والدولة، باستثناء القاهرة التي رعت الحوار وتدفع باتجاه اتفاق ليبي-ليبي، فإن المواقف غير المعلنة من جانب العديد من القوى الدولية المنخرطة في ملف الأزمة الليبية قد تشكل تحدياً إذا ما حاولت بعض الأطراف تخريب هذا المسار، أو إعادة توجيهه في اتجاه معين. على سبيل المثال أشار البيان الصادر عن السفارة الأمريكية لدى ليبيا إلى تأييد موقف باتيلي من حيث الترحيب الجزئي بمخرجات اللقاء فيما يتعلق بالقاعدة الدستورية من دون الإشارة من قريب أو بعيد إلى خريطة الطريق، وبما أن واشنطن أخذت هذا الاتجاه فالمتصور أن باقي القوى الغربية المنخرطة في الأزمة ستتخذ الاتجاه ذاته.

في الأخير، من المتصور أن الرهان على توافق مجلسى النواب والأعلى للدولة فقط لإطلاق خريطة جديدة لن يكون كافياً، الأمر الذي يفسر دعوتهما لحوار أوسع يشمل القوى الوطنية والنخب السياسية، مع الأخذ في الاعتبار أن وضع خريطة طريق لمرحلة انتقالية جديدة يتطلب توافق أربعة أطراف على الأقل لدعم هذا المسار، وهم المجلسين إلى جانب البعثة الأممية وملتقى الحوار الوطني، وبالتبعية تذليل العوائق التي سلفت الإشارة إليها بشأن تغير موقف البعثة الأممية وتأييدها لهذه الخطوة، بالإضافة إلى إصلاح ملتقى الحوار الوطني لإعادة إحياء دوره، فضلاً عن تفادي التدخلات الدولية للتأثير على تلك الجهود، بل واستقطابها في الاتجاه نفسه وهو أمر لا يزال من الصعب تحقيقه.

وبناءً على ما سبق، يصعب الإفراط في التفاؤل بشأن التقارب مجدداً بين المجلسين. فعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن خبرات مبادرات التسوية الليبية عموماً تبدأ بتفاهمات سرعان ما تتراجع على خلفية التفاصيل وطبيعة المصالح والصفقات التي تجري في الكواليس، وتحول القوى الليبية إلى جماعات مصالح، بما يمكن القول معه أن الليبيين يمتلكون خبرة إدارة الأزمة بشكل دائري، دون الخروج منها حتى وإن طرحوا حلولاً لها، وصعوبة انتفاء عامل المصلحة الذاتية لدى كافة الأطراف وإعادة تشكيل التحالفات مع كل تطور، وبالتالي فإن الحكم على الانفراجة بين المجلسين لم يتقرر بعد، حيث لا يزال الطرفان أمام اختبار الثقة أولاً لاستعادة المصداقية في جدية التقارب وجدية الطرح، وبانتظار المزيد من الخطوات التي تبدأ من إمكانية عقد حوار وطني حقيقي ومدى قابلية تحقيق ما سيسفر عنه من مخرجات.