آمنة فايد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عند بدء الحديث حول باكستان وحركة طالبان الأفغانية، يتبادر إلى الأذهان مباشرة الدعم الأيديولوجي واللوجيستي التاريخي الذي قدمته باكستان للحركة وأعضاءها على مدار العقدين الأخيرين في ما بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان. لكن في حقيقة الأمر، مع وصول طالبان إلى سُدة الحكم في أغسطس 2021، حدث تحول لافت في العلاقات بين الطرفين، وباتت باكستان تواجه شبح طالبان الباكستانية "تحريك طالبان"، التي تعتبر الامتداد الأيديولوجي لحركة طالبان الأفغانية في باكستان.

فبإلقاء نظرة عامة على مشهد العلاقات الأفغانية – الباكستانية مؤخرًا، نستعرض بعض المؤشرات الدالة على خفوت نغمة التحالف والتنسيق المُتبادل بين باكستان وطالبان التي أصبحت تمثل السلطة الأفغانية، مقابل تصاعد حدة التوتر بين الجانبين، وذلك على النحو التالي:

1- الاشتباكات على الحدود الأفغانية – الباكستانية: انعقد يوم الثلاثاء 20 ديسمبر 2022 اجتماع بين مسئولين عسكريين ومدنيين رفيعي المستوى من أفغانستان وباكستان عند منفذ "بوابة الصداقة الباكستانية الأفغانية" الذي يربط إقليم بلوشستان الباكستاني مع أفغانستان، لبحث آليات وجهود إرساء السلام والاستقرار على حدود البلدين، على خلفية التوترات التي تشهدها المناطق الحدودية الأفغانية – الباكستانية من إطلاق نار وهجمات عديدة متبادلة بين قوات الأمن على الجانبين، ما دفع إسلام آباد إلي غلق اثنين من معابرها الحدودية مع أفغانستان بشكل مؤقت في وقتٍ سابق خلال شهر ديسمبر.

2- الهجوم على السفارة الباكستانية في أفغانستان: مع مطلع شهر ديسمبر 2022، شهدت العلاقات الدبلوماسية الأفغانية–الباكستانية توترًا حادًا، إثر اعلان الحكومة الباكستانية عن سحب بعثتها الدبلوماسية من أفغانستان ووقف النشاط البدلوماسي بين البلدين، ردًا على الهجوم الإرهابي الذي شنه تنظيم "داعش" الإرهابي مُستهدفًا السفارة الباكستانية في أفغانستان، في محاولة لاغتيال رئيس البعثة الباكستانية وحراسه في ساحة السفارة بالأسلحة المتوسطة وأسلحة القنص، حسب ما ورد عن التنظيم في فيديو تم نشره على تطبيق "تليجرام" يوم الأحد 4 ديسمبر 2022.

3- إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة تحريك باكستان والحكومة الباكستانية: أعلنت حركة تحريك باكستان -من جانبها- عن إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة الباكستانية في 28 نوفمبر 2022. وفي عودة سريعة لملامح هذا الاتفاق، تجدر الإشارة إلى أنه جاء تحت رعاية أفغانية، بعد عقد عدة جولات من محادثات السلام السرية بين الحكومة الباكستانية وحركة تحريك طالبان، وتم الإعلان عنه لأول مرة في نوفمبر 2021، ثم تم تمديده في 3 يونيو 2022.

لكن بمراقبة المشهد الباكستاني خلال الأشهر الماضية، يتبين أن هذا القرار إلى حد كبير كان -صوريًا- فقط، وغير معمول به في الواقع من قبل الجانبين، فالجيش الباكستاني من جانبه وجه العديد من الحملات الأمنية والضربات ضد عناصر وقيادات حركة تحريك طالبان داخل باكستان وخارجها في أفغانستان، بينما جاء رد الحركة -بمزاعم الثأر والدفاع عن النفس- بشن عدد من الهجمات ضد قوات الأمن الباكستانية والمدنيين، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى إلغاء الاتفاق من جانب الحركة وتوعدها بالتوسع في شن الهجمات في شتى أنحاء باكستان، ما اعتبر بمثابة بدء مرحلة جديدة تغير فيها الحركة استراتيجيتها من الدفاع إلى الهجوم، وتُنذر بتنامي التهديدات والتحديات التي ستواجهها باكستان خلال الفترة القادمة.

4- فشل عملية تهريب مُحتجزي حركة تحريك طالبان إلى أفغانستان: بعد فشل المفاوضات التي انعقدت بين مسئولين من الحكومة الباكستانية والقادة المركزيين لحركة تحريك طالبان في أفغانستان، يوم 19 ديسمبر 2022، بشأن أزمة احتجاز مسلحي الحركة لعدد من المسئولين كرهائن في مجمع إدارة مكافحة الإرهاب في بانو بباكستان شمال غرب البلاد في منطقة حدودية محاذية لأفغانستان والمطالبة ببمر آمن لهم ولرفاقهم المُحتجزين إلى أفغانستان، مقابل الإفراج عن الرهائن، أعلن وزير الدفاع الباكستاني، يوم 20 ديسمبر 2022، مقتل جميع أعضاء الحركة المُضطلعين بالعملية وعددهم 33 عضوًا، وتحرير جميع الرهائن[1].

أسباب عديدة

يمكن تفسير تلك التوترات التي شابت العلاقات الأفغانية–الباكستانية مؤخرًا في ضوء جملة من الأسباب، نتناول أبرزها على النحو التالي:

1- الدعم الأفغاني لحركة تحريك طالبان: نستدل من قراءة المشهد الأفغاني – الباكستاني العام على الانخراط -شبه الدائم- لأفغانستان في أغلب ملفات الاشتباك بين الحكومة الباكستانية وحركة تحريك طالبان، سواء على مستوى لعب دور الوساطة بين الجانبين، أو استضافة جولات التفاوض على أراضيها. لكن يجب أن لا يكون هذا المشهد مُضلِلًا لحقيقة الوضع، خاصة أن الحضور الأفغاني بهذه الصورة لا يعني بضرورة الحال القبول التام من الجانب الباكستاني، ولا يعود فقط إلى العلاقات التاريخية التي ربطت اسلام آباد بحركة طالبان الأفغانية كظهير لها أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان، إنما في الواقع يعود -بنسبة أكبر- إلى طبيعة العلاقة العميقة التي تربط حركة طالبان الأفغانية ونظيرتها في باكستان، تحريك طالبان.

تلك العلاقة التي باتت تؤرق باكستان، وتعدها بمثابة مُهددًا استراتيجيًا لأمنها القومي، لاسيما بعد إلغاء حركة تحريك طالبان اتفاق وقف إطلاق النار -الذي كان تحت رعاية أفغانية- والإصرار على مطالبها في المفاوضات.

من جانبها، لا تعتبر باكستان الطرف الأفغاني وسيطًا محايدًا في تلك المفاوضات، إنما عضو رئيسي ومؤثر في إدارة حركة تحريك طالبان لأزمتها مع السلطات الباكستانية، حيث تؤكد باكستان الدعم الأفغاني للحركة الباكستانية من خلال عدة دلائل:

أولها، أن أفغانستان تلعب دورًا أساسيًا كبيئة حاضنة لأعضاء حركة تحريك طالبان. فوفقًا للتقرير الثلاثين للجنة مراقبة العقوبات التابعة لمجلس الأمن المفروضة على تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، الصادر في يونيو 2022، فإن الأراضي الأفغانية تضم نحو 4000 مقاتل أجنبي تابع لحركة تحريك باكستان. ويعتبر هذا أكبر عدد من المقاتلين الأجانب المنسوبين إلى حركات وجماعات أخرى إرهابية ومتطرفة في أفغانستان[2].

وثانيها، أنه بالتزامن مع توقيع اتفاق الدوحة بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة عام 2020، بات نشاط حركة تحريك طالبان يأخذ منحى تصاعديًا، وسقط العديد من ضحايا قوات الأمن الباكستانية اثر هجمات وعمليات شنتها الحركة في المناطق المتاخمة للحدود الأفغانية.

وثالثها، أن وصول طالبان للحكم في أفغانستان قد أسهم في تعزيز قوة حركة تحريك طالبان العددية والتكتيكية. فمن جانب تم إطلاق سراح المئات من سجناء طالبان الباكستانية الذين كانوا مُحتجزين في سجون كابول. ومن جانب آخر، حصلت الحركة في باكستان على أسلحة ومعدات عسكرية حديثة عقب انهيار حكومة أشرف غني، ومع استقرار العديد من عناصرها في أفغانستان باعتبارها منصة انطلاق لهجماتهم ضد الحكومة الباكستانية، تم استغلال المناطق الحدودية الوعرة في أفغانستان كأوكار لشن الهجمات عبر الحدود في باكستان.

2- قضية ترسيم الحدود الأفغانية – الباكستانية التاريخية: تشهد الحدود الأفغانية – الباكستانية أزمة مُمتدة تاريخيًا بسبب الموقف الأفغاني من خط ترسيم الحدود "دوراند" من قِبل الاستعمار البريطاني عام 1893، وهو خط ممتد نحو 2600 كيلومتر ويعيش الملايين من "البشتون" على جانبيه، وترفض الحكومة الأفغانية الاعتراف به كحدود دولية باعتباره مجرد خط فاصل بين الأراضي الأفغانية وتلك التي كانت تحت الحكم البريطاني وورثتها باكستان بعد ذلك.

فمن جانبها، ترى أفغانستان أن باكستان استغلت انشغالها بحربها مع طالبان خلال العشرين عامًا الماضية للتوغل بعمق 40 كيلومترًا في الأراضي الأفغانية، والاستيلاء على نقاط استراتيجية على طول الخط[3].

لكن الأمر الذي اشعل الأزمة مؤخرًا واعتبرته السلطات الباكستانية تعديًا وتحديًا صريحًا لها، هو تطور مستوى الأزمة بين البلدين من الخطابات التنديدية في عهد الرئيسين حامد كرزاي وأشرف غني، إلى المستوى التطبيقي على أرض الواقع في عهد حكم طالبان، وتفكيك السلطات الأفغانية للأسلاك الشائكة في نقاط متعددة على طول "السياج الحديدي" الذي أنشأته القوات الباكستانية منذ عام 2017 بارتفاع 3 أمتار لمنع عبور الأفراد والبضائع عبر الخط بطرق غير شرعية -من وجهة نظرها- إلى المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة الباكستانية.

3- أزمة اللاجئين الأفغان في باكستان: تمتد الأزمة بين أفغانستان وباكستان إلى مستوى التوتر بين شعوب البلدين. فمن ناحية ينظر الشعب الأفغاني تاريخيًا إلى باكستان كدولة مُصدرة للإرهاب وحاضنة للتنظيمات الإرهابية والعنيفة. ومن ناحية أخرى، يعاني اللاجئون الأفغان في باكستان -الذين يُقدر عددهم بالملايين- من سوء المعاملة والرفض خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد.

فخلال الأيام القليلة الماضية أعلنت القوات الباكستانية عن إطلاق سراح 500 لاجئ أفغاني غير موثق من بين 2000 لاجئ تم احتجازهم خلال شهر ديمسبر 2022 في جميع أنحاء باكستان من بينهم نساء وأطفال ومرضى[4]، وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء موقف اللاجئين الأفغان في باكستان، لاسيما مع فرض البلاد الحصول على تأشيرة للدخول إلي أراضيها عبر المعابر الرئيسية، وهو ما تعتبره أفغانستان أمرًا استفزازيًا بالنسبة لها[5].

وقد كشفت مبارة كريكيت التي عقدت في سبتمبر 2022 ضمن مباريات كأس آسيا 2022 حالة العداء العميقة بين شعوب البلدين، حيث قام المشجعون الأفغان بعد خسارة فريقهم في المبارة بأعمال شغب عدوانية ضد الباكستانيين، وتم تبادل الاتهامات على وسائل التواصل الاجتماعي بين الجانبين، حيث وصف الباكستانيون الأمة الأفغانية بأنها "ناماك حرام" أي "خائن" وأن الأفغان الذين يعيشون لسنوات كلاجئين في باكستان ناكرون للمعروف، في حين جاء رد الأفغان عليهم باعتبارهم "إرهابيين" دعموا حركة طالبان لسنوات، وقدموا لقاداتها المأوى على أراضيهم[6].

محددات العلاقة في المستقبل

في ضوء التحديات التي تواجه استقرار العلاقات الأفغانية – الباكستانية يبقى مستقبل تلك العلاقات مرهونًا بعدة عوامل، يتمثل أبرزها في عاملين أساسيين:

العامل الأول: هو سعي أفغانستان لحل أزمة الشرعية وكسب الاعتراف الدولي بما يزيد من فرصها في الحصول على المساعدات والخدمات الاقتصادية والإنسانية، ويُتيح لها الوصول إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية ووضعها على مسار الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المدى البعيد.

ففي سبيل ذلك، قد تعمل السلطات الأفغانية على إعادة رسم سياستها الداخلية والخارجية بما يزيد من احتمالية كسب ثقة العالم والإدارة الأمريكية بصورة خاصة، لاسيما فيما يتربط بملف إيوائها ودعمها لأعضاء وقادة التنظيمات والحركات الإرهابية والعنيفة على غرار تنظيم القاعدة، وحركة تحريك طالبان، لضمان عدم الإضرار بالمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.

بالتالي قد تشهد الفترة القادمة فك ارتباط -جزئيًا- مع حركة تحريك طالبان للضغط عليها في مفاوضاتها مع الحكومة الباكستانية، أو بذل مساعي أكثر جدية للتوسط في حل الأزمة بما يحول دون استمرار شن المزيد من الهجمات بين الجانبين، ويقدم طالبان الأفغانية أمام العالم كرقم مهم في معادلة إرساء السلام والاستقرار في المنطقة.

العامل الثاني: يتمثل في مدى تصاعد نفوذ تنظيم "داعش - فرع خراسان" باعتباره عدوًا مشتركًا لكافة الأطراف على الصعيدين الأفغاني والباكستاني، وفي المقابل مدى الحاجة إلى توحيد الجهود والتنسيق بين الجانبين في مواجهة مساعي "داعش" لاستغلال التوترات التي تجتاح البلدين وحدودهما.

فمن ناحية، تخشى حركة تحريك طالبان من مساعي "داعش" لتعبئة واستقطاب العناصر الساخطة في الحركة من تفاوض القيادات مع الحكومة الباكستانية، باعتبار ذلك خيانة وتنازلاً عن أهداف الحركة وأيديولوجيتها، وذلك على غرار السياسة التي انتهجها "داعش" عند استقطاب أعضاء حركة طالبان أفغانستان الساخطين والرافضين لتفاوض الحركة مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا، فضلاً عن مخاوف الحكومة الباكستانية من استغلال التنظيم للامتيازات التي قد تحصدها حركة تحريك طالبان أثناء المفاوضات بشأن خفض عدد القوات في مناطق النزاع، وهو الأمر الذي قد يُنذر بعرقلة المفاوضات بين الجانبين، وبالتالي استمرار الأزمة والتوترات بين اسلام آباد وكابول باعتبار الأخيرة داعمًا رئيسيًا لنفوذ حركة طالبان الباكستانية على أراضيها.

من ناحية أخرى، مثلت عملية استهداف "داعش" للسفارة الباكستانية في كابول، وتنامي اغتيال قادة شبكة حقاني -الجناح العسكري لحركة طالبان الافغانية- في باكستان، فضلاً عن سياسة استهداف الأهداف الناعمة كالسفارات والمراكز التعليمية والمؤسسات الدينية، تحديًا وتهديدًا لحجم نفوذ وسلطة طالبان على أراضيها، وإضعافًا لموقفها أمام المجتمع الدولي في مواجهة شبح "داعش" في المنطقة.

وختامًا، يمكن القول إنه على الرغم من التحديات والتوترات التي باتت تؤثر على العلاقات الأفغانية – الباكتسانية مؤخرًا، إلا أن الفترة القادمة قد تشهد تهدأة -جزئية- بين الجانبين، وعودة إلى مسار التفاوض والتنسيق المتبادل، سعيًا لانعكاس تلك التهدئة على مصالح جميع الأطراف في البلدين.  


[1] مقتل 33 مسلحاً من طالبان احتجزوا رهائن في مركز للشرطة في باكستان، بي بي سي، 20 ديسمبر 2022، متاح على: https://bbc.in/3jlDjZr

[2] طالبان باكستان.. حلم "الملاذ الآمن" يتلاشى في أفغانستان، العين الإخبارية، 25 أغسطس 2022، https://bit.ly/3Wma6fH

[3] حميد الله محمد شاه، تركة الاستعمار البريطاني.. الحدود تعيد الاشتباكات بين أفغانستان وباكستان، الجزيرة نت، 14 ديسمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3veEigP

[4] تحرير 500 مواطن أفغاني من سجون باكستان، وكالة أنباء باختر الأفغانية، 19 ديسمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3Q59pVT

[5] الاشتباكات بين أفغانستان وباكستان الى الواجهة من جديد، لبنان 24، 14 ديسمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3YNygkU

[6] Vinay Kaura, Pakistan-Afghan Taliban relations face mounting challenges, Middle East Institute, 2 December 2022, on: https://bit.ly/3WCKDOI