امل مختار

خبيرة في شئون التطرف والعنف - رئيس تحرير مجلة المشهد العالمي للتطرف والإرهاب - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لا يزال المشرق العربي، في العراق وسوريا، مُشتعلًا بنيران العنف والإرهاب المستمرة في القضاء على الأخضر واليابس؛ فمنذ دخول الجيش الأمريكي إلى بغداد عام 2003 والعراق يشهد مسلسلًا من العنف المسلح تحت عباءة "الطائفية"، عنفًا متشحًا بالغضب والرغبة في الانتقام الذي بات يدور في دوائر مغلقة حتى غدا المشهد العراقي عصي على الخروج من هذه الهوة الطائفية الدامية.

أسقط الجيش الأمريكي وحلفاؤه في الداخل العراقي نظام صدام حسين ورجال السلطة من البعثيين، كما حل المؤسسات الأمنية العراقية، ومن ثم سحب القوة والسلطة من يد العديد من الرجال المحسوبين على نظام صدام، وعلى البعث، وعلى الطائفة السنية في المجمل. وحصل رجال جدد على السلطة والسلاح والدعم الأمريكي والإيراني في آن واحد. كما امتلكوا ميراثًا طويلًا من الغضب والمظلومية والرغبة في الانتقام من كل ما -ومن- ينتمي إلى النظام السابق. هكذا، شهد الشارع العراقي عنفًا غير مسبوق، خاصة خلال السنوات الخمس الأولى عقب الاحتلال الأمريكي، حتى أصبحت مشاهد الجثث الملقاة في الطرقات بعد تعذيبها مشهدًا يوميًا مألوفًا، وصارت أخبار المجازر على أساس طائفي أخبارًا عراقية روتينية.

أرسل أسامة بن لادن أحد رجاله -أبي مصعب الزرقاوي-إلى العراق عام 2004 ليحارب الاحتلال الأمريكي، وليمثل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. من ثم، أنشأ الأخير جماعة "التوحيد والجهاد"، إلا أن جماعة الزرقاوي وجهت نيرانها تجاه المدنيين الشيعة، الأمر الذي جعل أيمن الظواهري يبعث رسالته الشهيرة إلى الزرقاوي في أكتوبر 2005، يقول فيها إن الأساليب التي تُستخدم، مثل تفجير المساجد وقتل الرهائن قد تنفر جموع المسلمين. كما تحدث الظواهري في هذه الرسالة عن الاعتقاد بأن حكم العراق في نهاية المطاف يجب أن يشمل جموع المسلمين (سنة وشيعة)، وأنهم يغامرون بتنفير هؤلاء. ورد عليه الزرقاوي في تسجيل صوتي في الشهر نفسه أعلن فيه تبنيه لسياسة محاربة "العدو القريب" وشن حربًا شاملة على الشيعة قائلا إنهم "زنادقة" تحالفوا مع أعداء الإسلام للسيطرة على العراق. على هذا الأساس قُتل عدد كبير من المدنيين من الطرفين على أساس الطائفة، وتم تفجير مساجد ومراقد ومقرات حكومية، فكيف لنا ألا نصفه بأنه إرهاب!

نعم، كان صراعًا على السلطة، لكنه دار تحت "عمامة" الطائفية، كما وجه إلى أحياء وقرى ومدنيين عزل على أساس الانتماء الطائفي، وهو ما جعله إرهابا أكثر دموية ومولدًا لمزيد من الكراهية والغضب والرغبة في الانتقام في الاتجاهين. من ثم، ظلت العراق حبيسة ذلك العرض المتبادل من الكراهية والعنف والإرهاب ذي النكهة الطائفية، حتى ظهر تنظيم "داعش" ووقف العالم مصدومًا، ليس بسبب قوة التنظيم العسكرية، وإنما بسبب القبول الجماهيري له في محافظات الشمال في صلاح الدين وديالي، حيث رفع أهالي تلك المحافظات شعارًا لا يمكن تجاوزه: هو "ألف داعشي ولا مالكي واحد"، نسبة إلى رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي المسئول عن كثير من السياسات الطائفية الإقصائية ضد السنة.

مرة أخرى، تتجلى صور الإرهاب الطائفي من ممارسات "داعش" العنيفة؛ فعلى الرغم من وحشية التنظيم في المطلق، حتى في مواجهة الميليشيات السنية المتطرفة المحاربة إلى جواره، إلا أن ممارسات العنف تجاه الطوائف الأخرى، مثل الطائفة الأيزيدية، حمل درجة عالية من العنف والوحشية، خاصة تجاه النساء.

وبعد ما يقرب من عشر سنوات، تظهر "عمامة" الطائفية مرة أخرى في سوريا. وعلى الرغم من كون الثورة السورية بدأت بالأساس كاحتجاجات سياسية ضد نظام الأسد تأثرًا بالحراك العربي في تونس ومصر، إلا أنه سرعان ما تسرب إلى الحراك الشعبي أكاذيب وصور مُلفقة، حولت مسار الحراك من مواطنين يطالبون بمساحة أكبر من الحرية والحراك السياسي إلى عنف طائفي طال المدنيين قبل المسلحين، وانتهى إلى حرب أهلية، وانتهاك دولي وإقليمي لسيادة الدولة، وتهديد لوحدة أراضيها.

هكذا، يبدو أن "عمامة" الطائفية هي الوسيلة الأنجح لحشد الأتباع والمقاتلين، محليًا وعالميًا، والحصول على الدعم والتمويل من وكلاء كل طائفة إقليميًا ودوليًا. كما أنها سبب في جعل العنف أكثر خطورة وأبلغ أثرًا في شرخ النسيج المجتمعي، وسببًا في جعل الخروج من دائرة العنف والإرهاب، والعودة إلى السلم المجتمعي، من الصعوبة بمكان، لأنه عنف وإرهاب مغلف بـ"مشاعر" طائفية و"انحيازات" مذهبية.

عشرون عامًا من القتل على الهوية والكراهية والغضب في المشرق العربي، لا أساس حقيقي أو تاريخي له، لكنه مختلق ومُصنَّع، وأودى بحياة الآلاف ونزوح الملايين من مدنهم وديارهم وتفسخ لمجتمعات كانت في طليعة الدول العربية قوةً وثقافةً وحضارةً وتماسكًا. بدأ العراقيون بالاحتجاج على استمرار العنف الطائفي والطائفية السياسية من الأساس، منذ أكتوبر 2019، أي منذ ثلاث سنوات، لكنهم لا يزالون عالقين في ميراث الطائفية.

على أية حال، المتابع لحال مشرقنا العربي يرى أن دفع فاتورة العنف الطائفي أوشكت أن تنتهي -على ما يبدو- بعد أن حصدت ما حصدته من أرواح ودمرت ما دمرت من مقدرات، وأنه آن الأوان للتفكير في كيفية الخروج من ميراث الكراهية والعنف الطائفي والعودة إلى الدولة الوطنية والمنافسة السياسية، والمحاصصة الطائفية أو العنف والإرهاب.

العدد متاح الكترونيا على الرابط التالي:

https://acpss.ahram.org.eg/Esdarat/Mashhad/6/files/downloads/Mashad-6.pdf