أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لا يمكن تصور ما الذى يمكن أن يكون عليه الوضع العالمى من فوضى فى مجال التسلح النووى عندما تنتهى اتفاقية ستارت الجديدة NEW START المتعلقة بتدابير الحد من الأسلحة النووية فى عام 2026 من دون التوصل لبديل، خاصة وأنها تعد الحاجز الأخير فى مسار ضبط التسلح النووى بعد انهيار معاهدة الصواريخ المتوسطة INF (2019- 1987)، وبينما تدق الحرب الروسية الأوكرانية أجراس الخطر حيث يحبس العالم أنفاسه من لحظة لأخرى عندما تتعرض محطة زابورجيا النووية للقصف من جانب أى من الطرفين، من هنا تأتى الأهمية القصوى للقاء رفيع المستوى والأول من نوعه منذ اندلاع الحرب والذى ستستضيفه مصر فى الفترة من 29 نوفمبر إلى 6 ديسمبر 2022، حيث يعول على أن يمثل اللقاء انفراجة فى تفعيل الاستحقاقات الجوهرية فى صلب المعاهدة، لاسيما استئناف عمل لجان التفتيش التبادلية والدورية والتى تم تعليقها منذ مارس 2020 على إثر فرض قيود الحركة بسبب جائحة كرونا، ثم امتداد هذه القيود بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

على هذا النحو، يتشابك ملفا معاهدة «نيو ستارت» والحرب بشكل معقد، ورغم تداول الطرفين تصريحات رسمية وغير رسمية بشأن عدم مناقشة ملف الحرب، إلا أن هناك رسائل مررت خلال الزيارة التى قام بها مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية وليام بيرنز إلى موسكو مؤخراً، ومفادها عدم توسيع نطاق الحرب أو الانزلاق لحرب نووية، وبالتالى يظل من المفيد للطرفين العودة إلى قواعد العمل المشتركة التى تقرها المعاهدة كأولوية مرحلية، خاصة استئناف انعقاد اجتماعات اللجنة الاستشارية الثنائية BCC لمناقشة تنفيذ معاهدة NEW START ، وبشكل عام العودة لتفعيل مبدأ «الاستقرار الاستراتيجي» للحد من الانزلاق لمواجهة نووية الذى يقره الطرفان. ومن المتصور أن إحراز تقدم فى هذا المسار يعنى بالتبعية تهيئة الأجواء بين الطرفين للانطلاق لمناقشة البدائل الممكنة بعد فبراير 2026.

من الممكن القول بوضوح إن اللقاء فى حد ذاته يمثل انفراجة لم تكن متوقعة، وأن هذه الانفراجة لا تتعلق فقط بحسابات الطرفين الروسى والأمريكى فقط، فى ظل حالة التوتر العالمى الراهنة، والتى امتدت بدرجة ما إلى الساحة الآسيوية، حيث يرقب الطرفان ما الذى يجرى هناك، وما الذى يمكنه أن تثيره تداعيات وجود عالم بلا ضوابط تسلح، وبالتالى يعنى اللقاء المرتقب العودة إلى القدر الممكن من الحكمة والمنطق فى إدارة الأزمات الدولية، والتى يفترض أن يتمتع بها كافة أعضاء النظام الدولى فى اللحظات الحرجة التى يمر بها العالم حالياً، ومن هنا تبرز التحديات الصعبة التى سيتعين على الطرفين تحقيق نوع من الاختراق فيها، حتى لا ينفلت عقال ضبط التسلح النووي.

وفى هذا الإطار، يمكن تناول جانب من تلك التحديات الرئيسية، والتى تحمل وجهين: أولهما سياسي، ويبدأ من نقطة استعادة الثقة على الجانبين، والتى تراجعت إلى حد القطعية أو وصولها إلى الحد الأدنى غير المسبوق تاريخياً. وثانيهما، سلوكى ويتعلق بتفعيل استحقاقات الشفافية، فلا شك أن هناك فجوة زمنية منذ تعليق الأنشطة الدورية الخاصة بلجان التفتيش التبادلية، على الأرجح تم تعليق مايقارب من 50 عملية تفتيش، منذ العام 2020 أخذاً فى الاعتبار أن 18 عملية كل عام لها جدول معين بالنسبة لأوضاع الانتشار وغير الانتشار، بالإضافة لاجتماعين كل عام للجنة الاستشارية BCC، فضلاً عن توقف تبادل المعلومات على المستوى الثنائي.

خلال تلك الفترة أجرى الطرفان عدداً من التجارب الصاروخية العابرة للقارات التى تضع لها الاتفاقية ضوابط معينة من حيث العدد والإخطار المسبق بشأن تلك التجارب وكذلك إخطارات التمارين، حيث اختبرت روسيا منظومات Avangard و Sarmat وهى صواريخ استراتيجية عابرة للقارات يمكنها الوصول الى الولايات المتحدة خلال نصف ساعة، كما أجرت الإطلاق الأول للصاروخ Zircon من غواصة نووية. وعلى الجانب الآخر اختبرت الولايات المتحدة صاروخ 3 Minuteman وهو أيضاً صاروخ فرط صوتى Hypersonic عابر للقارات ومتعدد الرؤوس، وبالتالى سيتعين مراجعة هذه التجارب.

لكن على الأرجح ما سيكون أكثر إلحاحاً لدى الطرفين، وربما بنسبة أكثر لدى الولايات المتحدة هو التعرف على وضع الانتشار وغير الانتشار الحالي، حيث تنظم الاتفاقية هذه الضوابط بشكل صارم مع المرونة فى توزيع القوة فى حالة الانتشار وفق هيكل القوة الخاص بكل طرف، بما لا يتجاوز سقف 1550 رأساً حربياً استراتيجياً فى حالة الانتشار لكل منهما، و800 منصة إطلاق بالستى فى وضعى الانتشار وغير الانتشار، و700 بالنسبة للقاذفات الثقيلة.

وحتى 4 فبراير 2020 أى قبل عام على تجديد الاتفاق كان هناك آخر إعلان بالامتثال لدى الطرفين، لكن فى ذلك اليوم قامت الإدارة الأمريكية السابقة فى عهد الرئيس دونالد ترامب بنشر أسلحة نووية منخفضة القوة على غواصات ما تسبب فى إرباك الموقف، فيما جاء الإخطار الأخير من الجانب الروسى مطلع سبتمبر من العام ذاته بنشر 1447 رأسا حربيا استراتيجيا، وبالتالى ظلت روسيا دون السقف المطلوب، وسعى الإخطار الأخير أيضاً إلى تجاوز إشكالية عملية النشر الأمريكية الأخيرة على الغواصات، ثم جاءت إدارة الرئيس جو بايدن لتبدد القلق مع اتخاذ مبادرة تجديد الاتفاقية فى اللحظات الأخيرة، لكن عاد القلق مرة أخري، بسبب التجارب مع دخول الحرب وما تلاها من تداعيات على نحو ما سلفت الإشارة إليه.

من الناحية النظرية، قد يتعين طرح التساؤل بشأن طريقة العودة لتفعيل الإجراءات طالما أن الاتفاق لا يزال سارياً، بمعنى هل ستكون هناك حاجة إلى بروتوكول خاص أم أن العودة ستكون واجبة بمجرد الاتفاق على استئناف تفعيل الاتفاقية. والأمر الآخر يتعلق بتناول ما بعد انتهاء مفعول الاتفاق، مع الأخذ فى الاعتبار الجوانب الفنية الخاصة بتحديث موازين وهيكل القوة على الجانبين، بل والتى قد تتجاوز الجانبين إلى الطرف الثالث وهو الصين على غرار ما جرى فى اتفاق الحد من الأسلحة المتوسطة INF. لكن فى كل الأحوال تعد العودة إلى طاولة الحوار الاستراتيجى على الجانبين مسألة حيوية من الأهمية بمكان الإبقاء عليها لإنقاذ العالم من المخاطر التى تحدق به.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 27 نوفمبر 2022.