رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

أثار القصف الصاروخي الروسي الأخير على أوكرانيا، عقب تفجير جسر القرم، والذي مارست فيها الطائرات الإيرانية المسيرةمن طراز "كاميكازي" دوراً مهماً ومؤثراً، تساؤلات عدة حول التحولات التي تشهدها هذه المرحلة من المواجهات، وأسباب انخراط إيران بشكل مباشر في الحرب من خلال أحد أهم منتجاتها العسكرية محلية الصنع، ودوافع اهتمام الغرب بذلك.

فقد قوبلت الهجمات الروسية بطائرات إيرانية باهتمام واستياء غربي واضح، حيث سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعلان عن موقفها، موضحة على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية فيدانت باتل أنها تتفق مع التقييم البريطاني والفرنسي بأن "قيام إيران بتزويد روسيا بطائرات مسيرة ينتهك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231". وتوازى ذلك مع استعداد الدول الثلاث لعرض خطة على الأمم المتحدة لوقف تزويد إيران لروسيا بالأسلحة، مؤكدة أن "تعميق روسيا تحالفها مع إيران يجب أن ينظر إليه على أنه تهديد كبير".

وبالنظر إلى رد مجموعة السبع في بيانها الختامي، واعتبارها أن الضربات الصاروخية الروسية الأخيرة "جريمة حرب"، متعهدة بفرض مزيد من العقوبات علي روسيا، وإدانتها إيران في دعمها للأخيرة بالطائرات المسيرة، فإنه يمكن اعتبار أن ثمة اصطفافاً غربياً يضع روسيا وإيران في كفة واحدة، بعد تأكيد مخلفات القصف الروسي الأخير على استخدام طائرات إيرانية مسيرة بشكل مكثف في الهجمات علي المدن الأوكرانية، بالرغم من نفى إيران أن تكون قد دعمت أياً من طرفي الحرب بالأسلحة.

مخاوف غربية

ثمة مخاوف غربية عدة من حصول روسيا على مسيرات إيرانية واستخدامها في الحرب على أوكرانيا، يمكنها أن تبرر الاهتمام الغربي بالتعاون بين موسكو وطهران، ومنها:

 1- تصعيد التهديد العسكري الإيراني ليشمل أوروبا: وذلك من خلال وصول الأسلحة الإيرانية محلية الصنع إلى قلب أوروبا بعد أن اقتصر استخدامها على منطقة الشرق الأوسط من خلال وكلاء إيران في المنطقة، واحتمالية أن تؤدي استعانة روسيا بالطائرات المسيرة إلى فتح المجال أمام طموحات عسكرية إيرانية محتملة خارج منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في ظل تسريبات غير مؤكدة حتى الآن تروجها جماعات معارضة إيرانية في الخارج تفيد باعتزام إيران إرسال قوات عسكرية من الحرس الثوري إلى روسيا.

2- نجاح روسيا وإيران في الإفلات من العقوبات: تتيح مستويات التعاون العسكري والاقتصادي غير المسبوقة حالياً بين إيران وروسيا، هامشاً كبيراً للتملص من تأثير العقوبات المفروضة عليهما، لاسيما في ظل الخبرة التي اكتسبتها إيران في هذا المجال، وبصفة خاصة في بيع النفط من خلال وكلاء وشركات خارج حدودها، وإمكانية حصول الصين على صفقات من النفط الروسي والإيراني بسعر تفضيلي، مستفيدة من وقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.

3- إطالة أمد المعارك ودخول فصل الشتاء: وهو ما حذر منه بالفعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مؤكداً أن موسكو تأمل في تحقيق مكاسب على الأرض في أوكرانيا خلال فصل الشتاء الوشيك اعتماداً على النقص الحاد في مصادر الطاقة والغذاء، بعد قصف البنى التحتية التي تؤمن الطاقة اللازمة للتدفئة، واعتماداً أيضاً على احتمال تراجع الدعم الأوروبي لكييف بسبب ارتفاع أسعار الطاقة ومشكلات نقص إمدادات الغاز.

4- تغير كفة التوازنات في سوريا: وهو مصدر القلق الأساسي والمتزايد الذي ينتاب إسرائيل إزاء التعاون العسكري والاقتصادي بين روسيا وإيران، وتشاركها فيه الولايات المتحدة الأمريكية، تحسباً من أن يسهم انشغال روسيا في حرب طويلة مع أوكرانيا في تقليص هامش المناورة المتاح لكل منهما في سوريا، وأن يؤدي حصول روسيا على دعم عسكري من إيران إلى التأثير على أجندة موسكو في سوريا، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع عمليات الجيش الإسرائيلي التي تستهدف المواقع العسكرية لإيران والمليشيات الموالية لها هناك.

مكاسب إيران

تتطلع إيران إلى تحقيق مكاسب عدة عبر انخراطها بهذه الكيفية في الحرب الروسية على أوكرانيا، لعل أهمها:

1- تعزيز الشراكة مع روسيا: على الأرجح، تري إيران أن دعمها لروسيا في هذا التوقيت الحرج في ظل قدرة أوكرانيا على استعادة بعض المناطق لسيطرتها، يمثل فرصة لتعزيز العلاقات مع روسيا في العديد من الملفات، ربما أولها مساعدتها في الأزمة الحالية التي تشهدها مفاوضات الاتفاق النووي مع الغرب، باعتبارها طرفاً أساسياً في المفاوضات، فضلاً عن أهمية حصول إيران على حوافز اقتصادية في الوقت الحالي من موسكو لمواجهة الأزمة الداخلية من خلال استثمارات وشراكات تجارية من شأنها تعويض خسارة إيران الناتجة عن هروب رأس المال الأجنبي، وعزوف الشركات عن الاستثمار في البلاد نظراً للعقوبات المفروضة عليها، وبالتالي الدفع باتجاه تسريع إبرام الاتفاق الإطاري طويل الأمد مع روسيا.

2- تجنب تكلفة هزيمة الحليف: يتوقع أن يؤثر خروج روسيا مهزومة من هذه الحرب أو على الأقل منهكة من حرب طويلة الأمد، على قدرتها على البقاء بقوة في سوريا، وهو ما سيعرض إيران إلى انكشاف في مواجهة المعارضة السورية المسلحة في الداخل، فضلاً عن صعوبة محتملة في توفيق الأوضاع مع تركيا، التي يرجح أن يصب الانسحاب الروسي في مصلحتها، إلى جانب احتمال عدم تمكن روسيا من الوفاء باتفاق ضخ استثمارات في قطاع النفط الإيراني الذي أعلنت عنه مؤخراً بتكلفة 40 مليار دولار، بالإضافة إلى إمكانية تكرار موسكو استخدام ملف الاتفاق النووي لمصلحتها كما حدث في السابق، بما يعرض الاتفاق برمته إلى خطر الإلغاء، وبالتالي استمرار العقوبات على إيران، وبقائها مقيدة اقتصادياً على غرار ما يحدث حالياً.

3- دعم عضوية إيران في الاتحاد الأوراسي: وذلك في ظل إدراك إيران لأهمية روسيا في التوازن الأوراسي الذي ترغب في أن تكون عضواً فيه، وهو ما تدعمه روسيا بالفعل حالياً، فيما يصب هذا الدعم في إطار تحرك إيران الحالي نحو تنشيط عضويتها في المنظمات الدولية والإقليمية، في محاولة للإفلات من العزلة الدولية المفروضة عليها، وتوفير هوامش للتحرك في إطار شراكات اقتصادية توفرها هذه التنظيمات، تمكنها من تحسين أوضاعها الاقتصادية المتردية.

على ضوء ذلك، يمكن القول إن الانخراط الإيراني في الحرب الأوكرانية سوف يتحول إلى محور رئيسي في التفاعلات التي تجري سواء بين روسيا والدول الغربية حول الأزمة في أوكرانيا، أو بين إيران وهذه الدول حول المفاوضات النووية التي تواجه اختباراً صعباً في المرحلة الحالية.