د. حمدي عبد الرحمن حسن

أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة

 

وافقت الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي في 5 أكتوبر 2022 على المشاركة في محادثات السلام مع الحكومة الأثيوبية في جنوب إفريقيا والمقرر أن تعقد فور استكمال الإجراءات اللوجستية. وقالت الحكومة الأثيوبية بدورها إنها مستعدة للمشاركة في المحادثات التي يقودها الاتحاد الأفريقي. ولا يخفى أن رغبة كلا الجانبين في المشاركة في محادثات السلام تُعد تطوراً فارقاً بعد عامين من الحرب الأهلية وهدنة وقف إطلاق النار التي لم يتم احترامها في وقت سابق من هذا العام. ومن المحتمل أن يكون وقف إطلاق النار الفوري على رأس جدول الأعمال، والذي - إذا تم توقيعه – يمكن له أن يخفف بعض التكلفة الإنسانية للحرب في التيغراي والمناطق المجاورة من خلال تمكين استئناف مهام المساعدات الانسانية. ومع ذلك، فإن  توقع  التوصل إلى اتفاق سلام يُنهي الحرب يُعد أمراً شاقاً وعسيراً وقد يستغرق شهوراً - إن لم يكن سنوات - للوصول إليه بسبب التناقض الأيديولوجي بين الطرفين الرئيسيين، فضلاً عن الدور المستمر لمحور أمهرة-أسمرة والذي يعمل كمحرض على استمرار الصدام والشقاق في الداخل الأثيوبي.

أثيوبيا وتجنب الفوضى القادمة

يبدو أن تصادم الإرادات في الصراع الأثيوبي وتبني منطق المباراة الصفرية أسهم في تبني الخيار العسكري، ولعله يفسر، ولو جزئياً، فشل المبادرات السلمية للتسوية. لا يبدو أن أياً من أطراف النزاع مستعد لتقديم تنازلات. في أثيوبيا، غالباً ما كان تكتيك الفوز في المجال السياسي هو القضاء على المنافسين. أوضح رئيس الوزراء آبي أحمد في كتابه "مديمر": "إن ثقافتنا هي تدمير خصمنا بكل قوة وإبعاده عن اللعب. نصنع الحرب لنصبح أبطالاً. لقد رأينا مراراً وتكراراً في تاريخنا أن هذه العملية لن تجلب لنا سوى الفقر والألم". ومن الواضح أن الحرب في التيغراي هي رمز لهذا النهج القاطع الذي يعبر عن فكرة المنتصر يحصل على كل شيء. وعليه فإن هذه الثقافة السائدة تغذي الشعور الجامح بالبطولة والتفوق الذي يؤثر على كل طرف. إننا أما دائرة مفرغة تغذيها المرارة والانتقام والكراهية. ولعل تحليل خطاب حرب التيغراي بما يحمله من مفردات الكراهية والتطهير العرقي يؤكد هذا النهج السائد وتغليب لغة الحرب على منطق العقل.

ومن الواضح أن عدم تمكن أي من الطرفين من تحقيق الفوز بالضربة القاضية رغم مرور عامين ووجود تكلفة مادية وبشرية هائلة جعل الرضوخ للضغوط الدولية مسألة متوقعة. ومع ذلك، فإن وساطة الاتحاد الأفريقي تبدو عبثية وغير مهنية لأنها تفتقد إلى أبسط القواعد الإجرائية الخاصة بالتمهيد للمفاوضات. يقول زعيم الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي دبرصيون جبرميائيكل في خطاب قبوله لمحادثات السلام إن "البداية السعيدة" للمحادثات ستتطلب توضيحاً حول ما إذا كان سيتم دعوة ممثلين إضافيين كمشاركين أو مراقبين أو ضامنين. كما طلب توضيحاً حول الأدوار التي سيقوم بها المجتمع الدولي و"الخدمات اللوجستية، مثل ترتيبات السفر لفريق التفاوض لدينا". يعني ذلك عدم استشارة حكومة إقليم التيغراي ومناقشة ترتيبات سفر المفاوضين وتحديد جدول الأعمال وما إلى ذلك من أمور تبدو بديهية في مثل هذه المواقف التفاوضية.

الأغرب من ذلك أن الرئيس الكيني السابق أوهور كينياتا قد تلقى دعوة للمشاركة في مفاوضات جنوب أفريقيا دون توضيح لطبيعة الدور الذي يقوم به. اعتذر كينياتا عن المشاركة بحجة تضارب المواعيد والالتزامات الخاصة به. ومع ذلك، فإنه حرص في نص خطابه لرئيس المفوضية العامة للاتحاد الأفريقي السيد موسى فقي محمد على أن يتم الإشارة إلى طبيعة دور الأطراف الدولية  المشاركة، وقبل ذلك تحديد هذه الأطراف. على أنه، كما هو الحال في مثل هذه الصراعات العنيفة، ينبغي أن يكون على رأس جدول الأعمال قضية واحدة ومحورية، وهي الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية دون قيد أو شرط. وبالطبع لم يقم الاتحاد الأفريقي بمهامه كوسيط نزيه ومقبول من أطراف الصراع بهذا التكليف.

معضلة آبي أحمد

ما الذي حدث لأثيوبيا التي كان الغرب يبشر بأن نموذجها التنموي يمثل رمزاً للقدوم الثاني لأفريقيا؟. إنها تبدو في ظل قيادة آبي احمد منذ عام 2018 أمة منقسمة ومستقطبة للغاية، ومنخرطة في الحرب لدرجة أنها لا تستطيع حل مشاكلها بمفردها. تكاد القدرة الداخلية للضغط من أجل الحوار أو التسوية التفاوضية تكون معدومة. من الناحية السياسية، أضعفت الحرب الموقف الداخلي لرئيس الوزراء آبي أحمد، الذي لا يحظى الآن سوى بدعم غير مستقر وظرفي: إنه محور أمهرة - أسمرة. لقد قام  رئيس الوزراء ومنذ البداية بتبني خطب حماسية لتعبئة الميليشيات والمسئولين الإقليميين من أجل محاربة التيغراي. يعني ذلك أن استعادة السيطرة على هذه القوى الإقليمية وهذه المليشيات تصبح أمراً صعباً وبالغ التعقيد. علاوة على ذلك، إذا دخل في مفاوضات مع الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي، فإنه يخاطر بفقدان دعم الأمهرة وإريتريا. لذلك كان لزاماً عليه أن يجد حلفاء جدد في منطقة أورومو، مخاطراً بوقوع إسفين مع  القوميين الأمهرة.

في هذا المناخ المتوتر، جرت انتخابات يونيو 2021 بهدف تقوية أسس النظام وتحديد علاقات محسوبية وسلطة جديدة. بينما دعا البعض إلى العنف ولعبوا على التوترات القائمة بين المجتمعات للتعبئة لصالحهم، فقد أصبحت إدارة التنوع والتعدد في البلاد إحدى ديناميكيات هذه الحرب. ومن المثير أنها  يمكن أن تكون أيضاً عنصراً في تسوية الصراع. لقد فشلت جميع محاولات الوساطة، سواء جاءت من دول مجاورة مثل كينيا، أو من المؤسسات الدولية مثل الاتحاد الأفريقي أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو حتى من الشركاء التقليديين لأثيوبيا مثل الولايات المتحدة. وعليه، فلننتظر هذه المرة الوساطة التي سوف يقودها الاتحاد الأفريقي في دولة جنوب أفريقيا.

كانت فترة القلق الشديد وعدم اليقين في نوفمبر 2021 - عندما كانت قوات التيغراي جاهزة للاستيلاء على العاصمة أديس أبابا – وهو الأمر الذي بات يشكل خطراً كبيراً على بقاء الدولة الأثيوبية. ومع ذلك، فإنه في الجولة الثانية للحرب لم تعد الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي تمتلك رأس المال السياسي اللازم للحصول على دعم القوى الأخرى لتحقيق الشرعية للحكم. كما لا يحظى حزب التيغراي بشعبية كبيرة في بقية البلاد. لن تكون الجماعات السياسية في منطقة أمهرة راغبة في العمل مع التيغراي إذا تولت جبهة التيغراي السلطة في أديس أبابا، وهو ما سيعني قبل كل شيء استمرار القتال المؤكد. قد يكون الخيار الآخر للتيغراي هو تفكيك أثيوبيا التي يعتبرونها إمبراطورية قمعية. ولا تزال نخبة التيغراي تنظر إلى وجود حكومة أثيوبية قوية في المركز على أنها خطر أمني في التيغراي.  

التحدي الأكبر: ما بعد العرقية ومقاربات الحكم في أثيوبيا

منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، سيطرت الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي على الائتلاف الحاكم متعدد الأعراق  وتم تبني صيغة "الفيدرالية العرقية"، أي تقوية حكومات الأقاليم على حساب سلطة المركز في أديس أبابا.  وعندما جاء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 تبنى مقاربة أخري للسلطة تعتمد على المركزية الإمبراطورية. استحضر آبي  في خطاباته بانتظام عظمة أثيوبيا، مع تقديم نفسه باعتباره المُنقذ الذي سيتعين عليه مهمة إنقاذ بلاده مما يعتبره خطراً وشيكاً: إنه نظام الفيدرالية العرقية. في الواقع، يعتبر آبي أحمد ومن يشايعه من الأمهرة الاعتراف الدستوري بالعرقية القومية - على النحو المنصوص عليه في دستور 1994 - خطراً على وحدة البلاد واستقرارها. على وجه الخصوص، يرفض الإشارات الماركسية اللينينية التي تكمن وراء الأسس الأيديولوجية لهذا النهج الفيدرالي.

لا تتحدث الفقرة 5 من المادة 39 من دستور 1994 عن "الجماعات العرقية" بل عن "الأمم والقوميات والشعوب". إنها صيغة متأثرة بالفكر السوفيتي والتي كانت، في ذلك الوقت، حاضرة للغاية في أذهان ميليس زناوي ورفاقه الذين نجحوا في الإطاحة بحكومة الدرج العسكرية. لقد تم استلهام ذلك النموذج من نظرية القوميات التي وضعها جوزيف ستالين. كما سمح الدستور لـ"الأمم والقوميات" بحكم نفسها: في عام 2019، استخدم إقليم سيداما هذا الحق وصوت في استفتاء خاص ليصبح الولاية العاشرة للاتحاد الأثيوبي. لذلك لم يكن مستغرباً أن ترفض الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي برنامج مركزية آبي أحمد ومعارضته بشكل قاطع، والذي يمكن تلخيصه بشعار "جعل أثيوبيا عظيمة مرة أخرى".

 لقد تم إحياء معارضة أيديولوجية قديمة على شكل الدولة الأثيوبية وتقاسم الصلاحيات بين الأقاليم والسلطة المركزية. اتخذ هذا الخلاف المتكرر منعطفاً خطيراً عندما تعهد رئيس الوزراء آبي احمد بحل الإئتلاف  الحاكم وتأسيس حزب الازدهار في عام 2019 ككيان موحد بدون تمثيل رسمي ومؤسسي للجماعات العرقية. من ناحية أخرى، رفض التيغراي فكرة الدمج في حزب الرخاء الجديد الذي يعني – من وجهة نظرهم – قطيعة أيديولوجية راديكالية مع المشروع الدستوري لعام 1994، وكان علامة على تصميم آبي أحمد على فرض رؤيته المركزية، بكل الوسائل المتاحة له. لم يكن تأسيس حزب الرخاء، بدافع رغبة رئيس الوزراء في إنشاء كيان سياسي جديد خاضع له بالكامل فقط؛ ولكن أيضاً رغبته في وجود منظمة سياسية جديدة، ذات قاعدة أيديولوجية ما بعد العرقية، من أجل تنفيذ أهدافه في أن يصبح الملك السابع. ولتحقيق ذلك، كان على آبي أحمد إضعاف اثنين من أقوى العوائق في برنامجه: الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي ومعارضة الأورومو.

الحاجة إلى دبلوماسية المسار الثاني

يبدو أن الأيديولوجيا تسبق الانقسام العرقي عند الحديث عن الدوافع الرئيسية للمواجهة بين رئيس الوزراء والجبهة الشعبية لتحرير التيغراي. ومع ذلك، فإن ذلك جانب واحد من صراع الرؤى والتصورات التي تشكل الحرب التي تعيشها أثيوبيا: هناك السرديات المتعلقة بالأرض والإقليم بين غلاة الأمهرة والتيغراي. ويتضح ذلك من مشاركة ميليشيات "فانو" الأمهرية في الحرب ضد التيغراي، وهي ترفض أي جنوح للسلام من قبل أديس أبابا. أضف إلى ذلك الصراع حول طبيعة العلاقة بين المركز والإقليم الذي يطرحه الأورومو ويصطدمون من خلاله مع من يجلس في قصر منليك. وقد اتخذ هذا الصراع طابعاً عنيفاً عندما حمل جيش تحرير أورومو السلاح في مواجهة الحكومة الفيدرالية، وأقام تحالفاً تكتيكياً مع قوات التيغراي. وأخيراً، الصراع بين أريتريا والجبهة الشعبية لتحرير التيغراي.

ولعل هذه السياقات المعقدة لبيئة الحرب الأهلية في أثيوبيا تجعلها عصية على إجراءات محادثات السلام المعتادة. نحن أمام صراعات أيديولوجية وانقسامات اجتماعية حادة تجعل تبني نهج دبلوماسية المسار الثاني مسألة ملحة. ولا يخفى أن هذا المسار الذي يتيح قنوات خلفية تفسح المجال للمشاركين المؤثرين أن يستكشفوا الآفاق البديلة في المستقبل. ويبدو أن وساطة الاتحاد الأفريقي لا تستطيع القيام بهذا الدور. وعلى سبيل المثال، فإن الأطراف المؤثرة في الحرب الجارية مثل القوميين من المهرة أو أسياسي أفورقي أو حتى جيش تحرير الأورومو ليسوا جميعاً جزءاً في أي عملية تفاوضية. وعليه، فإن وجود مسارين متكاملين للدبلوماسية يعد متطلباً مهماً لأي تسوية نهائية للحرب الأهلية في أثيوبيا.

الخاتمة

في ظل زعامة آبي أحمد، وخلال العامين المنصرمين، تصاعد مناخ العنف السياسي بشكل ملحوظ. لقد شهدت البلاد بالفعل عدداً غير مسبوق من الاغتيالات السياسية، وتضاعفت مذابح المدنيين، مع زيادة نسب النازحين والمشردين. كما تفاقمت النزاعات المجتمعية في مناطق الأطراف، مما عزز من تصاعد المواقف القومية المتطرفة، وأعاد إحياء الاستياء القديم والمظالم التاريخية للمجتمعات المهمشة، وقد بلغ الأمر ذروته  باندلاع حرب شاملة بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية. وتبدو الآمال وكأنها تلاشت في الانتقال السلمي وتحقيق الطموحات التي رفعها الشباب الأثيوبي، وجاء آبي أحمد نفسه استجابة لها. ويتساءل المرء كيف تتمكن أثيوبيا من مداواة الجراح التي تتفاقم الآن. ولعل السؤال التاريخي المحوري: كيف تُحكم أثيوبيا؟ سوف يكون في قلب أي عملية تسوية تفاوضية. كل ذلك يدفع إلى ضرورة وجود عملية تفاوضية شاملة متعددة المسارات على غرار ما حدث في دايتون بالنسبة لأزمة البوسنة وأوسلو بالنسبة لأزمة الشرق الأوسط. ذلك هو التحدي الذي يعترض مفاوضات السلام في أثيوبيا.