شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في 14 سبتمبر 2022، مائدة مستديرة تحت عنوان "مائة عام على ميلاد خالد محيي الدين"، بالتعاون مع حزب التجمع. تناولت الجلسة الأولى "الخلفية الاجتماعية والأفكار السياسية" لخالد محيي الدين. وتحت هذا المحور، أشار الأستاذ/ كامل السيد، عضو الأمانة العامة لحزب التجمع، والذي تناول الخلفية الاجتماعية لخالد محيي الدين، إلى أن هناك مجموعة من العوامل ساهمت في تشكيل شخصية وتوجهات خالد محيي الدين، أبرزها نشأته داخل "تكية" جده التي تعلم من خلالها الزهد، وتأثر بالطريقة النقشبندية، ولذلك لم تتأثر شخصيته بالفروق الطبقية، ولم يؤمن بهذه الفروق. كما آمن بفكرة الديمقراطية التي كرس لها حياته، ليُطلق عليه البعض "فارس الديمقراطية". وكان انضمامه إلى سلاح الفرسان، الذي شارك في الحرب العالمية الأولى، دافعا لاهتمامه بالعمل السياسي من أجل تحرير مصر من الاستعمار. ومع ذلك لم ينضم خالد محيي الدين إلى الحركة الشيوعية التي مثلت أحد اللاعبين الأساسيين خلال هذه المرحلة.

وتحت المحور ذاته، تناول د. جمال عبد الجواد، المستشار الأكاديمي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الأفكار والخيارات الأساسية لدى خالد محيي الدين، حيث أشار إلى أنه يُعد واحدا من الشخصيات المهمة المؤثرة في تشكيل تاريخ مصر خلال المائة عام الماضية، باعتباره واحدا من أشد المؤمنين بالديمقراطية والمدافعين عنها، واستطاع أن يمزج بين إيمانه بالديمقراطية وتدينه العميق ذي النزعة الصوفية، بجانب توجهه اليساري دون أن تطغى عليه أي نزعات أممية، الأمر الذي منحه مكانة مهمة داخل المجتمع المصري.

وتناول د. عبد العليم محمد، المستشار الأكاديمي بالمركز، مفهوم اليسار لدى خالد محيي الدين، حيث أكد ضرورة دراسة مسيرة الأستاذ خالد محيي الدين، بهدف استخلاص الدروس الضرورية، مؤكدا أن إرث خالد محيي الدين ينطوي على دروس مهمة. وأضاف أن محيي الدين كان سابقا لعصره لأن الحقبة التي نشأ فيها كانت لا ترى في التجربة الاشتراكية إلا الطريقة التي طبقها بها الاتحاد السوفيتي قبل انهياره، وهي تجربة قامت على علاقة صراعية مع الدين، أو على الأقل عدم القدرة على بناء علاقة توافق بين الاشتراكية والدين. أما خالد محيي الدين فقد ميز في مفهومه للاشتراكية بين آراء ماركس في الدين وآرائه السياسية والاجتماعية، وقام بالربط بين فكرة الاشتراكية باعتبارها صورة حديثة للعهد الاجتماعي، وبين القيم التي رسخها الإسلام في التقاليد المصرية. بمعنى آخر، استطاع خالد محيي الدين أن يمزج بين الاشتراكية وأفكار المستنيرين الذين قدموا تفسيرات عصرية للنص الإسلامي.

وفي تعقيبه على مداخلات المحور الأول، أكد د. محمد السعيد إدريس، المستشار الأكاديمي بالمركز، على ضرورة دراسة أبعاد أخرى لا تقل أهمية في تجربة الأستاذ خالد محيي الدين، أهمها كيفية إدارته للخلافات داخل حزب التجمع، وإيمانه بدور الشباب التقدمي في بناء الحزب، وتطبيقه لرؤيته التي مزجت بين الدين والديمقراطية. كذلك، أشار د. عمرو الشوبكي، المستشار الأكاديمي بالمركز، إلى أن خالد محيي الدين نجح في تقديم مشروع يتجاوز اعتبار الماركسية مشروع أيديولوجي.

وتناولت الجلسة الثانية "تجربة حزب التجمع ومستقبل اليسار في مصر والعالم". وفي هذا السياق، تناول المهندس/ محمد فرج، الأمين العام المساعد للحزب، تراث حزب التجمع خلال مرحلة خالد محيي الدين، حيث أشار إلى عدد من النقاط المهمة، أبرزها قدرته على الجمع بين عدد من التيارات المختلفة داخل كيان حزبي واحد، والعمل على قضايا أساسية تتعلق بالوطنية والاستقلال والعدالة والحرب والسلام. إذ استطاع محيي الدين أن يؤسس حزب من تراث جديد لقوى متنوعة. واستطاع إدارة هذه التيارات المختلفة داخل الحزب بدون نشوب أية خلافات أو صراعات داخلية، حيث استطاع أن يجعل المناقشات بين هذه التيارات داخل الحزب منصبة فقط حول كيفية بناء التوافق الجماعي بشأن القضايا الرئيسية المطروحة آنذاك (الاستقلال الوطني، العدل الاجتماعي، الديمقراطية). هذه الخبرة أعطت الحزب سمة جوهرية ومهمة ميزته عن غيره؛ إذ لم يكن حزبا سياسيا بالمعنى الضيق بقدر ما مثل حزبا ذي مشروع سياسي- ثقافي، وهو ما اتضح في اهتمام الحزب بالبعد الثقافي، وكان هو الحزب الوحيد الذي يمتلك مجلة ثقافية.

وأشار الأستاذ هاني الحسيني، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية بحزب التجمع، إلى أن اسم الحزب يعبر عن الصيغة التي نشأ بها، والتي أبدعت حالة تنظيمية جديدة في الحياة السياسية المصرية خلافًا للصيغة المتعلقة ببناء الاشتراكية أو بناء مجتمع للعدالة الاجتماعية التي كان متعارفًا عليها بأن يكون "حزبا شيوعيا" أو ما شابه ذلك. وأطلق الأستاذ هاني على تلك الصيغة بأنها صيغة مدنية عريضة لا تعتمد على مبدأ الديمقراطية المركزية المبني على هيئات قاعدية، في مقابل صيغة الديمقراطية المركزية الخاصة بالأحزاب الشيوعية، إذ استطاع الحزب في عهد محيي الدين أن يقدم رؤية مبدأيه لصياغة سياسة حزب التجمع والتي ظل عصبها الرئيسي قائما حتى الآن.

وتناول الأستاذ/ نبيل عبد الفتاح، المستشار الأكاديمي بالمركز، مستقبل تيار اليسار في مصر والعالم، حيث أشار إلى أنه منذ أن طُرح هذا السؤال قديمًا حمل في بعض الأحيان التفاؤل، وفي البعض الآخر اليأس. على سبيل المثال، كانت أهم مرحلة طُرح فيها هذا السؤال هي مرحلة انتشار الأفكار الماركسية مع الحزب الشيوعي، وما أعطى للسؤال حينذاك أهمية هو بعض المفكرين الفرنسيين والإيطاليين الذين تبنوا بعض الأفكار الراديكالية نسبيًا، وما آثاره بعضهم أيضًا من اليمين من نقد للأفكار الماركسية. وقد كان الجدل السياسي والاجتماعي وثورة الطلاب حاملاً لسؤال مستقبل اليسار الأوروبي محمولاً على التفاؤل حينها. ثم أُعيد طرح السؤال مجددًا مع ثورة الاستهلاك للسلع والخدمات خاصة مع صعود الحزب الاشتراكي وتشابكه مع الحزب الشيوعي الفرنسي ما أدى إلى إضعاف الحزب الشيوعي واليسار عمومًا بالتحول إلى يسار وسط مع مرور الوقت، والذي أدى بدوره إلى تحول فلسفي وأيديولوجي كبير في فرنسا وأوروبا، كان له أثره على اليسار الفرنسي والأوروبي، حيث انتقل إلى ما كان يسمى بـ"الايديولوجيا الناعمة" soft ideology، حول حقوق الإنسان أو الجوانب الحقوقية والمطلبية. وقد أثر ذلك سلبًا على الايديولوجيا الماركسية والاشتراكية عمومًا، ما أدى إلى طرح السؤال سلبًا في هذه المرة. وفي مصر كان السؤال مطروحًا بعد انهيار نظام ناصر ومع السادات وفي ظل حكم مبارك، وطرح مجددًا بعد أحداث 25 يناير، وتراجع مع حكم الإخوان والسلفيين، وكان السؤال هنا مفعمًا بالأمل لدى البعض.

وقد ذهب الأستاذ نبيل إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي تجعل من وضع اليسار في الوقت الراهن شديدة الصعوبة والتعقيد، سواء داخل مصر أو في العالم بشكل عام، أبرزها: صعود النموذج الصيني، ومحاولات روسيا تغيير معادلات النظام الدولي، وانعكاسات الأزمات الهيكلة للرأسمالية الكونية، وتزايد الفجوات الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة في العالم، وتراجع أحزاب اليسار، وتديين اللغة السياسية واليومية لدى غالب الجمهور في الحياة اليومية، وازدياد الفجوات بين الجماهير العريضة والخطاب الدولي، وضعف الحياة الحزبية، وتآكل القواعد الجماهيرية للأحزاب عمومًا.

في المقابل، رأى د. وحيد عبد المجيد، المستشار الأكاديمي بالمركز، أن حالة اليسار في العالم ليست بهذه القتامة، حيث أن هناك تطورات مهمة يجب أن نلاحظها عند رسم خريطة اليسار في العالم، وتحديد ما بها من نهوض أو هبوط. فإذا عدنا إلى خريطة اليسار في مرحلة السبعينات سنلاحظ وجود عدد من الروافد بالنسبة لليسار، أبرزها الماركسية بمكوناتها المتعددة، و"اليسار الجديد" الذي ظهر بتأثير من أفكار بدأت من معهد العلوم الاجتماعية في جامعة "فرانك فورت" والذي يسمى "مدرسة فرانك فورت"، بالإضافة إلى رافد أصغر هو "الاشتراكية القومية" والتي كانت بدايتها في الأرجنتين. وأكد د. وحيد أنه عند مقارنة خريطة اليسار في السبعينات بالخريطة القائمة الآن سنجد العديد من التحولات، إذ أصبح هناك مكونين رئيسيين مختلفين تمامًا، هما "اليسار الشعبوي" و"اليسار الديمقراطي".

وأضافت د. هدى أبو هميلة، عضو اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع، أن تيار اليسار الجديد أحدث نقلة نوعية في الدول المتقدمة بالمقارنة بتيار اليسار القديم، لأنه استطاع أن يجمع بين الاتجاهين المادي وغير المادي. كما أن الثورة التكنولوجية لم يكن لها تأثير سلبي على اليسار الجديد، بما في ذلك اليسار الشعبوي، بل إنها كانت داعمة له وأدت إلى انتشاره بشكل كبير داخل أوروبا.