قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية 2022-9-17
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تصاعدت حدة التوتر بين إيران وألبانيا من جديد، حيث قررت الحكومة الألبانية، في 7 سبتمبر 2022، قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بسبب اتهامها للأخيرة بشن هجمات إلكترونية على المؤسسات الحكومية في البلاد في 15 يوليو من العام نفسه، لـ"شل الخدمات العامة والوصول إلى الاتصالات والمعلومات الإلكترونية الحكومية"، ومنحت جميع الدبلوماسيين الإيرانيين وموظفي السفارة الإيرانية 24 ساعة لمغادرة ألبانيا.

وبالرغم من أن اتجاهات عديدة اعتبرت أن هذه الهجمات "فشلت ولم تحقق الأهداف التي كانت تبحث عنها وأن جميع الأنظمة تعمل بكامل طاقتها ولم يحدث حذف نهائي للبيانات"، إلا أن رئيس الوزراء الالبانى إدى راما أصر على أن ما حدث يعد هجوماً إلكترونياً خطيراً يهدد بشل الخدمات العامة، والقضاء على الأنظمة الرقمية واختراق السجلات الحكومية، وسرقة الاتصالات الإلكترونية الحكومية الداخلية، وخلق الفوضى وانعدام الأمن في البلاد.[1]

وفي إطار ذلك، أدان أعضاء "حلف شمال الأطلسي"، في 8 سبتمبر 2022، الهجوم الإلكتروني، والذي ألقت واشنطن ولندن وتيرانا باللوم فيه على إيران، في وقت فتشت فيه شرطة مكافحة الإرهاب في ألبانيا السفارة الإيرانية في تيرانا بعد إخلائها وقيام دبلوماسيين إيرانيين بحرق وثائق داخلها قبل ساعات من مغادرتهم الأراضي الألبانية، إثر قطع العلاقات بين البلدين.[2] وفي المقابل، رفضت الخارجية الإيرانية في بيان ما اعتبرته "مزاعم" الحكومة الألبانية، وقالت إن قرار قطع العلاقات جاء "بناءً على ادعاءات لا أساس لها من الصحة"، واصفة ذلك بأنه "خطوة غير مدروسة وتفتقر إلى بعد النظر في العلاقات الدولية".[3]

ولا يعد قرار قطع العلاقات الدبلوماسية الأول من نوعه بين الدولتين، كما لم تكن الخلافات بينهما وليدة اللحظة، فقد أصبحت ألبانيا منذ فترة محاصرة في الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، لإيوائها على أراضيها قادة وكوادر منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة في المنفى، بطلب من واشنطن، وهي منظمة تعتبرها طهران إرهابية.

تراكمات سياسية

بدأت ألبانيا منذ عام 2013، في استقبال أعضاء في منظمة "مجاهدي خلق"، والتي كانت حتى عام 2012 تصنف على أنها جماعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي. وقال رئيس الوزراء الألباني إدي راما، في أعقاب تهديدات أطلقها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الايرانية على خامنئي، إن إعادة التوطين نتجت عن "التحالف الراسخ" لبلاده مع الولايات المتحدة، حيث هدفت ألبانيا من خلال تلك الخطوة إلى تعزيز دورها في المنطقة وتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين. وأصبح نحو ثلاث آلاف من أعضاء هذه المجموعة يعيشون في مخيم يسمى "أشرف 3" يقع على بعد 30 كيلومتراً غربي تيرانا عاصمة ألبانيا.

وفي الآونة الأخيرة، تزايد اهتمام الحكومة الإيرانية بمنظمة "مجاهدي خلق" عقب اغتيال العالم النووي الإيراني والقيادي البارز في الحرس الثوري محسن فخري زاده في 27 نوفمبر 2020، حيث أشارت بعض التقارير الإخبارية المحلية إلى تورط أكثر من 60 شخصاً في عملية الاغتيال، وألقت مصادر حكومية إيرانية باللوم في الاغتيال على المنظمة، بالتنسيق مع جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد".

وتنظم الحركة باستمرار مؤتمرات في المجمع الذي شيدته قرب تيرانا، لكن هذا العام أرجأت اجتماع المعارضة الإيرانية الذي كان مقرراً في يوليو 2022، تحت عنوان "المؤتمر العالمي لإيران الحرة"، لـ"أسباب أمنية" لم يُكشف عنها. وقالت المنظمة آنذاك إن القمة أرجأت "بناءً على توصيات من الحكومة الألبانية لأسباب أمنية وبسبب تهديدات إرهابية ومؤامرات"، وكان من بين الضيوف عدد من السياسيين الأجانب، في مقدمتهم أعضاء في الكونجرس  الأمريكي.

وقالت شركة أمريكية للأمن السيبراني، في منتصف أغسطس 2022، إن الهجمات الإلكترونية في يوليو 2022، نُفذت على الأرجح من قبل قراصنة تابعين للحكومة الإيرانية بهدف تعطيل تجمع للمنظمة. فيما أعلنت بريطانيا، في 7 سبتمبر2022، أن مركزها الوطني للأمن الإلكتروني رصد عناصر مرتبطة بالدولة الإيرانية باعتبارها مسئولة "بصورة شبه مؤكدة" عن هجوم إلكتروني استهدف الحكومة الألبانية في يوليو 2022.

وكما ذكر سابقاً، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يندلع فيها خلاف بين ألبانيا وإيران، ففي ديسمبر 2018، طردت ألبانيا أربع دبلوماسيين إيرانيين من تيرانا بينهم السفير، متهمة إياهم بالقيام بـ"أنشطة مضرة بالأمن القومي". واتهمهم المعارضون الإيرانيون بأنهم "عملاء للاستخبارات السرية الإيرانية يعرّضون حياتهم للخطر في ألبانيا".

وفي أكتوبر 2019، كشفت الشرطة الألبانية عن خلية إرهابية تسيطر عليها إيران كانت تهدف إلى شن هجمات على أعضاء "مجاهدي خلق" في البلقان. وتعتقد الشرطة الألبانية أن المجموعة جزء من فيلق القدس الإيراني.

تداعيات محتملة

يرى النظام في إيران أن منظمة "مجاهدي خلق" تمثل خطراً كبيراً على الدولة، لذا هددت طهران سابقاً باستهداف مقرات المنظمة، في العراق، بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وسعت لإيجاد مبرر قانوني لتنفيذ ذلك. فمنذ سنوات، هاجم الحرس الثوري قواعد كردية في كردستان العراق، مبرراً الهجوم بالمادة رقم 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي "تسمح بالعمل العسكري للحفاظ على السلم والأمن الدوليين". لذا نوقشت مسألة وجود منظمة "مجاهدي خلق" في ألبانيا في البرلمان الإيراني قبل إلغاء المؤتمر الذي كانت ستعقده المنظمة في ألبانيا فى يوليو 2022، وقال محمد حسن أصفري عضو البرلمان عن مدينة أراك: "حقيقة إن ترحيب ألبانيا بمجاهدي خلق في أراضيها يتعارض مع  أحكام القانون الدولي".[4]

كما نُشر مقال في وكالة "فارس" الإيرانية ادعى أن إيران لديها الحق في الدفاع عن النفس وأنه سيكون لها ما يبررها إذا "قامت بتوظيف قوتها ضد الإرهابيين في ألبانيا دون أي عائق قانوني". وأضاف المقال أن "السلطات في طهران يجب أن توجه التحذير اللازم للحكومة الألبانية، التي تستضيف بضعة آلالاف من أعضاء منظمة مجاهدي خلق"، وجاء في المقال: "إذا رفضت الحكومات المضيفة طرد المنافقين وتسليمهم (وهو مصطلح تستخدمه طهران للإشارة إلى منظمة مجاهدي خلق)، فيجب تهديدها باتخاذ إجراءات متبادلة بناءً على عقيدة الجمهورية الإسلامية لمحاربة التهديدات الأمنية من مصدرها". واستشهد بمبدأ "مسئولية حماية الأمة"، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.[5] لذا قامت ألبانيا حينها بإلغاء المؤتمر السنوي للمعارضة الإيرانية، لأسباب أمنية حذرت بسببها السفارة الأمريكية في ألبانيا أعضاءً من الكونجرس الأمريكي وبعض الوزراء السابقين الذين وصلوا العاصمة تيرانا من وجود تهديد محتمل، يستهدف المؤتمر السنوي للمعارضة الإيرانية.

ويبدو أن ألبانيا ستكون ساحة للصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في الفترة الحالية. ففي وقت تشهد المفاوضات غير المباشرة بينهما بشأن إحياء الاتفاق النووي انتكاسة كبيرة، ألقت الأولى باللوم على الثانية في الهجوم السيبراني على حليفتها ألبانيا، حيث أعلنت واشنطن، في 9 سبتمبر 2022، فرض عقوبات على وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية والوزير المسئول عنها إسماعيل خطيب[6]، الأمر الذي قد يطيل من عمر المفاوضات الدائرة بينهما حالياً، ورأت إيران أن الموقف الأمريكي الداعم لقرار ألبانيا، وكذلك ترحيب وسائل الإعلام الإسرائيلية بهذا الموقف، يشيران إلى وجود خطة مسبقة لإثارة الأجواء السياسية ضد طهران.

وبمعنى آخر، فإن إيران فسرت هذا التصعيد السياسي بأن هناك بعض الأطراف تستغل هذا الهجوم لتأكيد أنها لا يمكنها الالتزام بأية تعهدات دولية وأنه من الخطورة الانخراط معها في اتفاق نووي جديد، خاصة بعد أن تبين أن إحياء خطة العمل المشتركة (اتفاق 2015) غير وارد حتى قبل انتخابات الكونجرس النصفية المقررة في نوفمبر. لذا تصف طهران المواقف والتصريحات الأمريكية الأخيرة بأنها تأتي في سياق حملة الديمقراطيين تحضيراً للانتخابات النصفية المقبلة.

ولا يبدو أن إسرائيل كانت بعيدة عن هذا التصعيد، فقد تزامنت التحركات الأمريكية مع الحملة التي تشنها إسرائيل على الساحة الدولية لإضعاف فرص الوصول إلى اتفاق جديد، والحيلولة دون رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. فقد أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي يائيرلابيد مؤخرًا زيارة إلى ألمانيا لمناقشة الاتفاق النووي مع إيران، قدم خلالها "معلومات استخباراتية حساسة"، بشأن البرنامج النووي، للمستشار الألماني أولاف شولتس. كما كشف وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، في إحاطة لمسئولين بالأمم المتحدة، عن أن إيران زادت إنتاجها من مئات أجهزة الطرد المركزي، وضاعفت معدل التخصيب 3 مرات في موقع "فوردو" تحت الأرض خلال العام الماضي، وقدم لهم "معلومات تثبت أن الإيرانيين يكذبون بينما لا تزال المحادثات جارية". لذا دفعت التحركات الإسرائيلية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى إصدار بيان تعبر فيه عن "شكوك جدية" حيال صدق إيران في السعي للتوصل إلى اتفاق نووي، بالتوازي مع انعقاد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الفترة من 12 إلى 16 سبتمبر 2022. وقد كان لافتاً أن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس حرص على تأكيد نجاح الحملة الإسرائيلية، عندما قال، في 15 سبتمبر الجاري، أن "الاتفاق النووي بات في غرفة الإنعاش".

في النهاية، يمكن القول إن المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى الضغط على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لعدم العودة إلى الاتفاق النووي بل وتشديد العقوبات على طهران وتوجيه تهديدات عسكرية واضحة لها سوف تزداد خلال المرحلة القادمة رغم تراجع فرص الوصول إلى اتفاق نووي على الأقل في المدى القريب. فرغم كل التوتر الذي طغى على العلاقات بين إيران والدول الغربية، إلا أن الطرفين لم يعلنا بعد فشل المفاوضات.


 [1] إيران وألبانيا "بلا علاقات".. هجمات إلكترونية ومعارضة، العين الإخبارية، 7 سبتمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3cXlLAd

[2] "الأطلسي" يدين الهجوم الإلكتروني على ألبانيا وسط أزمة دبلوماسية مع طهران، الشرق الأوسط، 9 سبتمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3qpeqfF

[3] "أزمة القرصنة" بين إيران وألبانيا تتصاعد.. وطهران تنفي مسئوليتها، الشرق، 7 سبتمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3BtsQll

[4] Gerta Zaimi, Will Iran attacks Albania, Robert Lansing Institute, 28 July 2022: https://bit.ly/3eJgzQH

[5]  IRGC-Linked Website Threatens Europe With Missiles For 'Hosting' MeK, Iran International Newsroom, 27 July 2022: https://bit.ly/3RGPTPh

 [6] "أ ف ب": ألبانيا تتعرض لهجوم إلكتروني جديد وتتهم ايران، روسيا اليوم، 10 سبتمبر 2022، متاح على: https://bit.ly/3RF4VFo