أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

كوصفة تقليدية في المشهد الليبي، يلجأ فرقاء السياسة إلى السلاح كأداة لحسم الصراع على السلطة في العاصمة طرابلس، على نحو ما تجسده معركة 27 أغسطس 2022، كبديل للتداول السلمي للسلطة، وهو سياق طبيعي ومتصور في ظل فشل عملية الانتقال السياسي الأخيرة التي لم تفرز سلطة تنفيذية جديدة مع إهدار فرصة إجراء الانتخابات التي كان مقرراً لها في 24 ديسمبر 2021، وعدم التوافق على خريطة الطريق البديلة التي أصدرها البرلمان في مارس الماضي على التوازي مع تشكيل حكومة جديدة خلفاً للحكومة الانتقالية منتهية الولاية. وفرضت كافة هذه الأجواء معادلة جديدة في المشهد الليبي، فلا أحد يستطيع شن حرب أهلية أو حرب طويلة مرة أخرى، بل حتى أثبتت المعركة الأخيرة فشل سيناريو "الحرب الخاطفة"، ولا أحد يستطيع اكتساب السلطة أو فرض الشرعية بقوة السلاح.

وكسيناريو احتمالي، لا يعتقد أن هذه المعركة هى نهاية المطاف لمسار الصراع ما بين قطبى المعسكرين المتنازعين على السلطة: فتحي باشأغا رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، وعبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة منتهية الولاية. وبالتالي قد تكون هناك جولات أخرى في المستقبل في حال ثبات المشهد السياسي عند مستوى الانسداد الراهن.  

نقطة فاصلة

على الرغم من أن معركة 27 أغسطس قد لا تكون الأخيرة من نوعها، إلا أنه في الوقت ذاته تشكل نقطة فاصلة في المسار الحالي في ليبيا، بالنظر لما تشكله من تداعياته على عدة مسارات ومنها:

1- سياسيًا: أعادت المعركة تسليط الضوء على رمزية العاصمة في السلطة، بتعزيز مقولة أن من يحكم طرابلس هو الحاكم الفعلي، بغض النظر عن مصدر مشروعيته، وبقوة الأمر الواقع، وعليه ستعزز استمرار الانقسام أو الازدواج الحكومي، ليبقى الدبيبة في الغرب واجهة للسلطة في البلاد. وعلى الجانب الآخر، سيتعين على فتحي باشأغا البقاء في الشرق من دون أن يتسلم مقاليد السلطة فعلياً باستلام مقار الحكومة، وبالتبعية سيواجه تحدي استمرار التضييق المالي على حكومته في ظل انقسام المصرف المركزي، وعدم امتثال الصديق الكبير –رئيس المصرف– لقرار البرلمان بإقالته مع اعتراف المجلس الرئاسي والحكومة منتهية الولاية به، وتحويله الأموال إلى حكومة الدبيبة، بينما يحجب الأموال التي أقرها البرلمان لموازنة الحكومة الجديدة، ويكتفي بإرسال الرواتب فقط.

أيضاً، كان يعول على إيجاد مخرج من المأزق الحالي عبر التوافق على القاعدة الدستورية ما بين مجلسي النواب والدولة. صحيح أن مجلس الدولة لم يوجه اللوم لتحرك مليشيات محسوبة على الحكومة المشكلة من البرلمان، لكن من المتصور أن المعركة ستضعف موقف الطرفين حال التوصل إلى توافق على القاعدة الدستورية، بالنظر إلى أنه سيتعين عليهما تحميل حكومة مسئولية تهيئة الأجواء للانتخابات، ويميل البرلمان ومعه كتلة من مجلس الدولة إلى حكومة باشأغا، لكنهما لا يمتلكان السلطة لتنفيذ هذا القرار، خاصة في ظل تربص الدبيبة بالبرلمان، في إطار العداء التقليدي بينهما، فالدبيبة يعتقد أن البرلمان جرده من مكتسباته مبكراً خلال المرحلة الانتقالية، بتحويل حكومته إلى حكومة تصريف أعمال، ثم تعيين حكومة بديلة لها بعد انتهاء الفترة الانتقالية وبالتالي سيزداد إصراراً على عرقلة تنفيذ أى توافق بين الطرفين.

يضاف إلى ما سبق أيضاً، مأزق الوسطاء، الذين يتحولون من وساطة لإعادة الاعتبار للعملية السياسية التي وصلت إلى حد الانسداد، إلى وساطة من أجل التسوية السياسية بهدف وقف التصعيد المتبادل ما بين فرقاء المشهد السياسي المتحاربين. وقد يتبلور مرة أخرى الاتجاه الذي سبق وطرحه السفير الأمريكي ريتشارد نولاند بإجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين، إلا أن هذا الاتجاه لا يحظى برضا الأطراف فضلاً عن الشك في مدى واقعيته على مستوى التنفيذ.

2- أمنيًا: أعادت المعركة المليشيات المسلحة إلى صدارة المشهد الأمني والسياسي الليبي مرة أخرى، بعد أن كانت قد تحولت إلى ملف ضمن ملفات المسار الأمني فى إطار مسار جنيف، وهو ما سيكون له تداعياته على المدى المنظور في عرقلة التقارب ما بين رئاسات أركان شرق وغرب البلاد. وعلى المدى المتوسط سيضاعف من التحديات التي تواجه عملية بناء مؤسسة عسكرية موحدة في البلاد، خاصة بعد أن أصبحت هذه المليشيات بمثابة القوة الضاربة التي يعتمد عليها طرفا الصراع، من جهة ومن جهة أخرى تنامي نفوذها السياسي بحكم أنها تمثل أطراف معادلة القوة في ظل غياب عملية سياسية محكمة. كما أنها ستتفرغ في الفترة المقبلة لزيادة قدراتها العسكرية وتعزيز مواقعها في ظل بقاء القوات الموالية لباشأغا لاسيما (اللواء سالم جحا- اللواء أسامة الجويلي) اللذين يتوليان قيادة محور غرب طرابلس من مصراته إلى الزنتان وورشفانه في العمق.

التحدي الآخر، هو أنه على الرغم من أن المعركة دارت في طرابلس، وبين المليشيات بعيداً عن المكونات العسكرية، إلا أن تأثيراتها ستنعكس على مسار التقارب ما بين رئاستى الأركان في الشرق والغرب، خاصة وأن الدبيبة لا يزال يمارس دور وزير الدفاع في الاجتماعات الرسمية، وبالتالي يتحكم في تحركات رئيس أركان المنطقة الغربية محمد الحداد، بالإضافة إلى أعضاء اللجنة من غرب البلاد. كما سيعطي الدبيبة أولوية للمليشيات والفصائل في ضوء الموقف الملزم لرئاسة الأركان في الغرب بعدم الانخراط في التصعيد حتى لا تخرق وقف إطلاق النار المتفق عليه مع القيادة العامة (أكتوبر 2020)، وربما يقدم على إجراء تعديلات في هيكل رئاسة الأركان كنوع من المناورة لإفشال أى محاولات للتقارب ما بين رئاستى الأركان.

تحركات المليشيات

كان الهدف الاستراتيجي هو الوصول إلى مقار السلطة في طرابلس وتمكين حكومة باشأغا من السلطة فعلياً، لكن هذه المقاربة فشلت بالنظر إلى ما عكسه أداء المليشيات الموالية لفتحي باشاغا، إذ أن تحركاته السابقة جعلت الدبيبة يسبق إحكام مداخل طرابلس إلى حد كبير بنشر تعزيزات مليشياوية عليها، وعلى الرغم من ضعف قدراتها، وتصدعها الهيكلي، إلا أنه تمكن من عملية إعادة اصطفافها مرة أخرى، بحكم أن تلك الاصطفافات مبنية على شبكات المصالح والدعم المالي، بالإضافة إلى الرغبة المعنوية في استعادة النفوذ.

العامل الآخر، هو عدم الاستفادة من درس حرب طرابلس 2019، رغم تبدل طبيعة التحالفات، سواء بالنظر إلى الموقف الدفاعي لجبهة باشأغا، أو بإدخال الطائرات المسيرة (الدرونز) كأداة حاسمة في المعركة، وهو ما قامت به المليشيات الموالية للدبيبة، عندما استهدفت المليشيات التي تحركت من الزنتان والزاوية وقطعت عليها الطريق، واضطرت إلى العودة إلى مواقعها مرة أخرى، وإن كان هذا السياق يطرح علامة استفهام حول تشغيل الدرونز التي يفترض أن قيادتها تتم من الجانب التركي. لكن بغض النظر عن الجدل أو الغموض في هذا السياق، إلا أن النتيجة في الأخير هى أنها استخدمت وأسفر استخدامها عن نتائج لصالح الدبيبة، بل وربما كانت عامل المفاجاة غير المتوقعة، حيث شكك جويلي بداية في استخدامها لكن الدبيبة عاد ليؤكد على الأمر، وهى نتيجة برزت بشكل آخر مع قوات اللواء سالم جحا المفترض تحركها من مصراته إلى طرابلس عبر الطريق الساحلي لكن تم قطع الطريق عليها عبر الاستحكامات التي وضعتها مليشيات الدبيبة ما بين زلتين والخمس، وبالتالي لم يكن لديها دراية استطلاعية بالقدر الكافي فضلاً عن الحديث عن عرقلة أعيان مصراته لها كون هذا الأمر سيُخلِّف ورائه انقسامات داخلية في ظل وجود رغبة في حياديتها بالنظر إلى انتماء كل من باشأغا والدبيبة إليها.   

في الأخير، من المتصور أن تجربة معركة اليوم الواحد الأشد ضراوة منذ انتهاء حرب طرابلس لا تعكس فقط الصراع على السلطة في ليبيا كونه لا يشكل جديداً فى المشهد الليبي، لكنها تعكس عمق الأزمة الليبية على كافة مستوياتها، فقد كان المتصور أن معركة طرابلس يمكن أن تحد من الصراع في حال التزام طرفيه بالاتفاق، وهو ما جرى فعلياً، لكنها لم تحد كلية من اندلاع الصراع بلاعبين آخرين، طالما أن هناك ظرفاً يستدعي دورهم مرة أخرى، وجرهم إلى الصراع، بالإضافة إلى الكلفة الإنسانية التي خلَّفتها المعركة من قتلى وجرحى، فضلاً عن الكلفة السياسية والاقتصادية وتداعياتها التي ستنعكس في المرحلة المقبلة، وهى المرحلة التي تستدعي الكثير من الوعى الليبي، فلو سارت المعركة على نحو ما قرر لها باشأغا، فإن ذلك لم يكن يعني نهاية مسار الصراع، بل على العكس كان يتعين عليه الاستمرار في الاستناد إلى القوة للبقاء في موقعه، وهو ما جرى في اليوم التالي بالنسبة للدبيبة الذي أصبح يعتبر القوة هى مصدر البقاء، بينما لا يجيب أى منهما عن سؤال المستقبل الذي يرغب فيه الليبيون وهو: متى يتحقق الاستقرار بعيداً عن دوامة صراعات النخب.