رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

مر على مشهد سيطرة حركة طالبان على القصر الرئاسى فى كابول، واصطفاف قادتها حول مكتب الرئيس عام كامل، عادت فيه الحركة إلى رأس السلطة فى أفغانستان بعد عشرين عاماً من إسقاط حكمها، الأمر الذى يثير تساؤلات عدة حول ما تحقق خلال هذا العام فى أفغانستان، ومدى تغير سياسات الحركة فى حكمها الثانى للبلاد، عن تلك التى تبنتها عقب صعودها إلى السلطة لأول مرة عام 1996.

ورغم أن طالبان قد أجرت تغييراً براجماتياً بدا واضحاً فى سلوكها وممارساتها الإعلامية ومسارها السياسى الذى سارعت بالإعلان عنه، فور سيطرتها على الحكم، فظهرت خلاله وكأنها قد أدركت أنها أمام نسق جديد للحكم لا يقتصر فقط على السلاح كوسيلة وحيدة للمحافظة عليه، إلا أن هذا التغيير لم ينعكس على الواقع السياسى والحقوقى والاقتصادى فى البلاد. فسرعان ما أعلنت الحركة أفغانستان «إمارة إسلامية» بما يحمله هذا المسمى من صورة ذهنية سلبية لواقع حقبة التسعينيات فى أفغانستان، وما حواه من عنف واستقطاب طائفى، وعداء خارجى، وهو ما عاد ليتصدر المشهد فى البلاد مرة أخرى خلال العام الماضى، بالإضافة إلى أوضاع إنسانية طاحنة، وظروف اقتصادية متردية، بفعل وقف المنح الدولية لأفغانستان؛ على خلفية عدم الاعتراف الدولى بحكومة طالبان، وانعكاس الأزمات المتتالية التى يمر بها الاقتصاد العالمى بدءاً بتداعيات جائحة كورونا، مروراً بالركود الاقتصادى العالمى، وانتهاءً بالحرب الروسية ــ الأوكرانية.

حقوق مُهدَرة

ساقت الحركة وعوداً عقب سيطرتها على الحكم، بالحفاظ على الحقوق والحريات لاسيما للمرأة والأقليات والقوميات والإعلام، غير أنها ربطت ذلك بشرط فضفاض هو «وفق الشريعة الإسلامية»، وبالتالى أتاحت الحركة لنفسها المجال للمناورة والتلاعب بمفاهيم هذه الحريات والحقوق، والتحرك فى مساحات من القمع يمكن تبريرها وفق معتقداتها؛ فمنعت النساء مجدداً من العمل فى أغلب مؤسسات القطاع العام، ومن السير منفردات فى الأسواق، وحظرت تعليم الفتيات بعد الصف السادس.

كما تراجعت حرية الصحافة بشكل كبير، ومنعت المذيعات من الظهور على شاشات التلفزيون، بعكس الصورة التى قدمت بها الحركة نفسها، بظهور قادتها مع مذيعات أجنبيات، والسماح للصحفيات بالتواجد فى المؤتمرات الإعلامية للحركة، فضلاً عن عدم التزام الحركة بشرط تمثيل الأقليات والقوميات فى الحكومة التى أعلنت تشكيلها مطلع سبتمبر 2021.

وفى هذا السياق؛ أشار تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» نشر على موقعها فى 11 أغسطس الجارى إلى أن طالبان قد خرقت تعهداتها باحترام حقوق الإنسان والمرأة وحرية الإعلام، من خلال فرض قيود صارمة على النساء، وقمع وسائل الإعلام، واحتجاز العاملين بالمجال الإعلامى بشكل تعسفى، فضلاً عن قمع المعارضين، واستهدافهم بأحكام إعدام عاجلة. إلى جانب معاناة نصف السكان أو ما يقدر بنحو 20 مليون من أزمة غذاء، ونقص فى الإمدادات الطبية.

أزمة الشرعية

رغم موافقة طالبان على الشروط الدولية التى وضعت فى مقابل الاعتراف الدولى بالحركة على رأس السلطة فى أفغانستان، فإن الحركة لم تقدم على تنفيذ أى منها، بل على العكس مضت فى سياستها القمعية السابقة، وبدأتها بإعلان زعيم الحركة هبة الله آخوند زاده إلغاء قرار إعادة فتح المدارس الثانوية للبنات فى مارس 2021، ثم قمع المعارضة فى إقليم بانشير بعد خوض معارك عنيفة مع قادة المعارضة فى الإقليم فى سبتمبر 2021، فضلاً عن تجاهل المطلب الدولى الأهم بضرورة تمثيل الأقليات والقوميات فى حكومة وطنية تعبر عن طوائف المجتمع الأفغانى، حيث جاء تشكيلها منحصراً فى قادة الحركة، وحليفتها شبكة حقانى، ووفق توازنات بينهما رأتها الحركة ضرورية فى هذا التوقيت، الأمر الذى أنهى الجدل حول إمكانية استعادة أفغانستان التدفقات المالية الدولية، بوقف هذه التدفقات من جانب البنك الدولى، وإصرار الولايات المتحدة على تجميد أصول البنك المركزى الأفغانى لديها، والبالغ قيمتها 9.5 مليار دولار، رغم اعتماد موازنة الدولة على المساعدات الدولية بشكل أساسى.

إلى جانب ذلك، يأتى تنظيم داعش ــ خراسان ليضيف إلى أزمة شرعية الحركة بعداً آخر داخلياً، فى ظل تنامى قدرات التنظيم، وتكثيف عملياته فى الداخل الأفغانى، واستهدافه للأقليات بالأساس فى محاولة لتوظيف الوضع الطائفى المشتعل فى البلاد، وإظهار الحركة بمظهر العاجز عن حماية أمن هذه الأقليات. فيما شكلت علاقة الأخيرة بتنظيم القاعدة، وإيوائها لقيادات التنظيم فى الداخل الأفغانى، أحد أهم نقاط الخلاف مع الدول الغربية، والتى أعيدت إلى الواجهة مجدداً عقب استهداف الولايات المتحدة زعيم التنظيم أيمن الظواهرى فى كابول، وإعلان مقتله من خلال هجوم لطائرات مسيرة، وتنديد الحركة بهذه الخطوة الأمريكية.

انقسامات واضحة

فتح الإعلان عن مقتل الظواهرى فى كابول المجال أمام تكهنات بحصول واشنطن على معلومات من أحد العناصر المنشقة أو المخترقة -على أقل تقدير- من داخل حركة طالبان، وهى تكهنات تأتى على خلفية مظاهر أوضح للانقسام داخل الحركة، بدت مبكراً فور سيطرتها على الحكم، بشأن الهامش المتاح أمام قادتها لتنفيذ الإصلاحات التى تعهدت بها، من خلال تشدد بعض الولايات، ومرونة ولايات أخرى، وبالتالى وقعت الحركة فى فخ تنفيذ الاستراتيجية التى وافقت عليها القيادة بشكل مركزى، نظراً لاستقلالية قرار اختيار تكتيكات التنفيذ من قبل القادة الفرعيين.

وقد ظهرت هذه الانقسامات بين قادة الحركة أيضاً فى محاولات إعادة توزيع الموارد بين أقاليم البلاد بسبب التنافس على حكم الولايات الغنية، والعزوف عن تولى مسئولية الأقاليم الأكثر فقراً، فى حين لم يكن البعد الطائفى غائباً فى عملية توزيع المناصب البارزة فى الدولة، حيث برز اتجاه واضح لتوسيع دور القومية البشتونية، على حساب الأوزبك والطاجيك، رغم انضمام مجموعات أوزبكية وطاجيكية إلى الحركة فى شمال أفغانستان، الأمر الذى أسهم فى إنهاء أزمة مقاومة إقليم بانشير بشكل سريع.

فى ظل هذا الانقسام، بدت الحركة متناقضة، غير قادرة على ترتيب صفوفها، وسد الهوة بين القيادة الدينية والسياسية، تلك الهوة التى تمثل أكبر معضلات الحركة فى جيلها الثانى، والتى يتوقع أن تعيق فى المستقبل القريب المحاولات البراجماتية للقادة السياسيين لتحقيق اختراقات إصلاحية لتحسين صورتها داخلياً وخارجياً، ومن ثم الحصول على الاعتراف الدولى الذى من شأنه مساعدة الحركة على تحسين الوضع الاقتصادى والأمنى المتدهور فى البلاد.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 17 أغسطس 2022.