اهتمت أدبيات العلاقات الدولية بتناول قضية الوجود الروسي المتنامي في أفريقيا، ولاسيما خلال السنوات القليلة الماضية. ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث لأفريقيا يُنبئ بأن الوجود الروسي ليس ظاهرة جديدة. كانت أفريقيا مسرحا مهمًا خلال فترة الحرب الباردة، حيث لم ينافس الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل نافس الصين أيضًا، وهو ما يتطلب تتبع التطورات الرئيسية في العلاقات السوفيتية الأفريقية كمقدمة للسياسة الروسية التي أعيد إحياؤها في ظل قيادة الرئيس فلاديمير بوتين من جهة، وبيان تداعيات الحرب الأوكرانية عليها من جهة أخرى.

وتعد السياسة الروسية اليوم أقل تمسكا بالقيم الأيديولوجية مقارنة بالحقبة السوفيتية، إذ تعتمد بشكل أكبر على إقامة علاقات اقتصادية متبادلة المنفعة. لقد كانت السياسة السوفيتية في أفريقيا خلال حقبة الحرب الباردة مدفوعة أكثر بالمخاوف والاعتبارات الأمنية التقليدية. وعليه، كانت الجهود المبذولة تهدف لتشجيع وتسريع ثورة شيوعية عالمية، إلى جانب المنافسة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة والغرب.

أما في العهد الحديث، على الرغم من أن المنافسة الجيوسياسية لا تزال عنصرًا من عناصر السياسة الروسية، فإن الاهتمام الرئيسي ينصب على أسواق الصادرات والوصول إلى الطاقة والمعادن كجزء من هدف إعادة تأسيس روسيا كقوة عالمية كبرى. ونظرا للصعود الروسي في أفريقيا بعد فترة تراجع مؤقتة، فقد أصبح النظام الدولي أمام شكل جديد من أشكال الحرب الباردة، وأصبحت العلاقات مع الدول الأفريقية ذات أهمية متزايدة، ليس فقط للروس، وإنما أيضًا للأفارقة، الذين لم يعودوا بحاجة إلى الاختيار بين نهجي إجماع واشنطن وإجماع بكين.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والصين لم تنظرا إلى روسيا كمنافس في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة، إلا أنه مع الأخذ في الحسبان تطورات ما بعد الأزمة الأوكرانية، فقد تغير الوضع. وعليه، تنظر هذه الدراسة إلى روسيا -على غرار الصين– بحسبانها منافسا لمصالح القوة العظمى للولايات المتحدة. فمن المحتمل أن ترغب الصين في التعاون مع روسيا بدلًا من التنافس، مع عدم إنكار وجود منافسة بين البلدين. ومع ذلك، ربما يكون من الأفضل وضع الظهور الروسي في أفريقيا في إطار توازن القوى المتغير في أفريقيا.

وعلى أية حال، كان الوجود الروسي في أفريقيا موضوع نقاش وجدال حامي الوطيس بين علماء العلاقات الدولية وغيرها من التخصصات الأكاديمية المماثلة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وربما يُعزى ذلك الاختلاف إلى تبني مقاربات مختلفة لتقويم التغلغل الروسي في أفريقيا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. ومن الواضح أن انخراط روسيا مع الدول الأفريقية متعدد الأبعاد، ويتراوح بين العوامل السياسية والاقتصادية (لاسيما قطاعي التعدين والطاقة) والعوامل الأمنية. وعليه، فمن أجل تحديد الدوافع الرئيسية لسياسة روسيا تجاه أفريقيا، وبيان تداعيات الحرب الأوكرانية، تعتمد هذه الدراسة على مفاهيم المركزية الأفريقية لتقييم سياسة روسيا في أفريقيا بعد الحرب الباردة، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيات.