قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات عربية وإقليمية 2022-7-30
صلاح خليل

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يشهد الشارع السياسي السوداني حالة استقطاب حادة، انعكست بصورة واضحة في الانقسامات المتعددة بين مكونات قوى الحرية والتغيير، مما أثر بشكل سلبي على العملية السياسية التي تقودها الآلية الثلاثية المكونة من الاتحاد الإفريقي ومجموعة الإيقاد وبعثة الأمم المتحدة، من أجل إيجاد مخرج أو توافق سياسي بين الفرقاء السودانيين يعيد مسار الانتقال الذي تراجع منذ استقالة الحكومة الانتقالية التي كان يترأسها الدكتور عبد الله حمدوك.

وقد وجدت المبادرة الثلاثية للحوار في السودان دعماً إقليمياً ودولياً كبيرين، من دول "الترويكا" (بريطانيا، والنرويج، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وفرنسا). وربما لا يمكن فصل ذلك عن التطورات التي طرأت على الساحة الدولية، حيث أن السودان، كغيره من دول العالم، قد تأثر، بصورة أو بأخرى، بمجريات الصراع الدولي الجاري، لا سيما في ظل الاصطفافات التي باتت مفروضة على الدول في سياق الحرب الروسية-الأوكرانية، فضلاً عن تداعياتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

وقد انعكست حالة الاستقطاب الحادة بين تلك المكونات في الاتهامات التي وجهتها قوى المعارضة لأجهزة الدولة والنظام السابق بالضلوع في الاعتداء الذي تعرض له "الموكب السلمي" الذي دعت إليه تلك القوى في 26 يوليو الجاري (2022)، والذي أدانه مجلس الأمن والدفاع في السودان.

متغيرات متعددة

يمكن القول إن ثمة متغيرات عديدة كان لها دور في ما آلت إليه الأزمة في السودان، يتمثل أبرزها في:

1- استمرار الخلافات بين المكونات المختلفة: يمر السودان بحالة من عدم الاستقرار نتيجة الخلافات الحادة بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية، لا سيما بعد تأجيل عملية الحوار السياسي فى البلاد، بين طرفي شريكي في المؤسسة العسكرية وقوى الحرية والتغيير والقوى المدنية والحركات المسلحة التي وقعت اتفاق السلام في 2020، وهي العملية التي بدأت في يناير 2022 وأفرزت آلية ثلاثية بعد مشاورات ومحادثات وورش عمل مع القوى السياسية بهدف حل الأزمة السياسية فى البلاد. وطرحت الآلية الثلاثية أربعة قضايا للنقاش وهي الترتيبات الدستورية، وتحديد معايير لاختيار رئيس وزراء وحكومة، إلى جانب برنامج عمل يتصدى للاحتياجات الضرورية للمواطنين، وتحديد جدولة زمنية وعملية للانتخابات.

لكن بعد أكثر من 6 شهور، لم تفض المشاورات إلى حلحلة الأزمات السودانية المستفحلة، حيث أظهرت الجولتان الأولى والثانية من الحوار السياسي الشامل فى السودان تعنتاً ورفضاً متواصلاً من قوى الحرية والتغيير لتقاسم السلطة مع المؤسسة العسكرية، فضلاً عن تمسكها بشروط ومطالب تمحورت حول: إجراء انتخابات تحت رقابة دولية عقب فترة انتقالية اقترح أن تتراوح مدتها بين 18 إلى 24 شهراً، وإصلاح أمني وعسكري يفضي إلى جيش بعيد عن السياسة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإسقاط التهم الجنائية الموجهة لبعضهم ووقف الاعتقالات التعسفية بصورة نهائية، وتهيئة المناخ الديمقراطي، وصياغة الدستور، وتشكيل مجلس وزراء يتكون من كفاءات وطنية، تكون له كل السلطات الممنوحة في نظام برلماني. وعلى الرغم من أن هناك قوى سياسية رحبت بالحوار، وبتصريحات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق ركن عبد الفتاح البرهان التي أعلن فيها تمسك الدولة بحوار سياسي شامل لا يقصى أحداً، باعتبار أنه المخرج الوحيد للأزمة السياسية منذ استقالة الدكتور حمدوك، إلا أن بعض القوى السياسية لا زالت تتمسك بعدم جدوى الحوار مع المؤسسة العسكرية.

ووفقاً لذلك، اضطرت اللجنة الثلاثية إلى تأجيل الحوار إلى أجل غير مسمى، وحمّلت في الوقت نفسه قوى الحرية والتغيير المسئولية عن فشل الحوار، على نحو تجددت معه المخاوف بشأن فرص الانتقال السياسي ومعالجة حالة الانسداد الراهنة.

واللافت في هذا السياق، هو أن القرارات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في 4 يوليو الجاري، بإعلان انسحاب القوات المسلحة من المشاركة في العملية السياسية التي ترعاها الآلية الثلاثية، لم تفرض تأثيرات مباشرة على التفاعلات التي تجري على الساحة السياسية، خاصة أن قوى المعارضة اعتبرتها "مناورة تكتيكية" من جانب المكون العسكري.

2- تصاعد حدة الضغوط الاقتصادية: في ظل هذا الانسداد السياسي، تعاني البلاد من واقع اقتصادي لا يقل خطورة عن الوضع السياسي، بل إن تعثر العملية السياسية كان لها دور بالغ في تفاقم الأوضاع الاقتصادية، ففي ظل الفوضى السياسية الراهنة، فإن هناك خللاً هيكلياً قاد إلى اتساع نطاق الفساد الذي كان له جذوره بالأساس منذ النظام السابق، وهو الفساد الذي اتسع نطاقه ليشمل قطاعاً واسعاً من النخبة السياسية.

وبعد أن فشلت القوى السياسية فى إيجاد مخرج حقيقي للمأزق السياسي فى السودان، تراجعت مؤسسات التمويل العالمية كالبنك الدولى، وصندوق النقد، وبعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وعلّقت بعض المساعدات فى أعقاب عدم الوصول إلى تسوية سياسية فى ظل خطاب الكراهية والعنف السياسي الذي أصبح إحدى سمات الأزمة السودانية.

كما تسببت الاحتجاجات المستمرة فى تعطيل عجلة الإنتاج، وكان من المقرر إذا التزم السودان بالشروط النهائية، أن يُعفى من نحو 50 مليار دولار من ديونه البالغة 64 مليار دولار، بل لا يستطيع السودان حالياً سداد ديونه، فضلاً عن ارتفاع حجم العجز المالي مع اقتراب الوقت المحدد للاستفادة من مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في يونيو 2022.

 ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع قدرة الحكومة على تلبية الاحتياجات الأساسية، وتدهور الاقتصاد بشكل كبير حتى قبل أزمة كوفيد-19، بسبب الركود العالمي، وتعرض الجنيه السوداني لانخفاض كبير أمام العملات الأجنبية الأخرى، فقد اتجهت الحكومة لرفع الدعم عن المواد الغذائية، وأسعار البنزين، وبلغ معدل التضخم تقريباً 100%، فيما وصل حجم البطالة إلى 25%، وعلى إثر ذلك اندلعت كثير من الاحتجاجات في مختلف المدن السودانية.

3- تفاقم المشكلات الأمنية: إضافة إلى الاضطربات الاجتماعية الناجمة عن سوء وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ما يزال السودان أسير التناحر بين مكوناته وأقاليمه، ويفاقم من حدة هذه الصراعات العجز الذي أظهرته الدولة في إحداث عملية الانتقال، وبدلاً عن إظهار هيبة الدولة، ما تزال المصالحات القبلية تتم وفقاً للأعراف القبلية. ورغم أن هذ المصالحات لعبت دوراً مهماً فى تحقيق السلم الاجتماعي فى إقليم دارفور المضطرب فى بعض الحالات، إلا أنها أيضاً فشلت في الكثير منها، ويعود ذلك إلى ضعف الاهتمام بالمجتمعات الريفية والقبلية.

ويتوازى ذلك مع عدم تفعيل دور مؤسسات الدولة فى تنفيذ القانون. كما لازالت ولايات القضارف، كسلا وبورتسودان، بالإضافة مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق، تعاني من ويلات النزوح وعدم الاستقرار بسبب النزاعات القبلية، على نحو يخصم من إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي وتنموي، فى ظل وجود نزاعات قبلية مستفحلة. وحتماً تلك الصراعات سوف تؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي فى السودان، مما يهدد الأمن القومي السوداني.

ويشهد السودان تراجعاً فى المستوى الأمنى، نتيجة للصراعات والنزاعات القبلية فى العديد من الولايات المختلفة، وإن كانت ولايات دارفور الخمسة، الصورة المصغرة للسودان من حيث تعدد المناخات والقبائل. كما يتميز الإقليم بسمات وتركيبة قبلية معقدة، فهو الإقليم الذى شهد أكثر حالات الانفلات الأمني، وخلّفت الاشتباكات المستمرة منذ ثلاثة أعوام أكثر من ألف قتيل ومئات الجرحى بين القبائل، وتدمير مئات القرى وتشريد أكثر من 150 ألف مواطن، بسبب النزاعات حول ملكية الأراضي، كما أن دائرة العنف المستمرة فى إقليم دارفور تسلط الضوء على الأسباب الجذرية الواجب معالجتها من قبل المؤسسة العسكرية.

وقد دفع مجلس الأمن والدفاع السوداني بتعزيزات أمنية وقوات إضافية لاحتواء التفلتات الأمنية فى جميع ولايات دارفور. وستظل دوافع القتال فى ليبيا، وانخراط بعض الحركات فى الأزمة الليبية كمرتزقة، متغيراً يضع إقليم دارفور فى سياق حرب بالوكالة العابرة للحدود، ومن ثم تأثر الصراع فى كل من دارفور وجنوب ليبيا بتلك الفواعل. كما أن الصراع فى جنوب ليبيا يعد أحد المتغيرات التي تؤثر على الإقليم، خاصة في ظل سعى بعض التنظيمات المتطرفة إلى استخدامه كنقطة انطلاق لعملياتها، وهو ما يرتبط مباشرة باقتصاد الحرب بين القبائل لإثبات الوجود وحماية النفوذ.

وتمثل التحديات الأمنية عائقاً أمام أى حكومة انتقالية سودانية. وعلى الرغم من أن المؤسسة العسكرية اتخذت خطوات واضحة وملموسة وحاسمة في مواجهة التفلتات الأمنية فى إقليم دارفور المضطرب، إلا أنها لم تكن كافية للحد من الصراعات والنزاعات القبلية المستمرة، كما أن الصراعات القبلية أضعفت هيبة سلطة الدولة، وسوف تواصل إضعافها بمساعدة عوامل أخرى، إن لم تتخذ الدولة إجراءات أمنية ومشددة وتقضي على التحديات العابرة للحدود من جانب بعض الفواعل الإقليمية والقبلية من دول الجوار.

وعلى ضوء ذلك، يبدو السودان مقبلاً على استحقاقات سياسية وأمنية واجتماعية مهمة سوف تتحدد مساراتها ونتائجها بناءً على ما سوف تتجه إلى التفاعلات بين المكونات المختلفة، خاصة المؤسسة العسكرية وقوى الحرية والتغيير.