د. محمد فايز فرحات

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

فى حياة الدول والمجتمعات عدد قليل من القيادات يمكن وصفها بالقيادات التنموية التاريخية. وأقصد بذلك القيادات التى تمثل نقطة تحول فى مسار التطور الاقتصادى والاجتماعى لبلدانها. وترتبط هذه القيادات فى الأغلب الأعم بمشروعات تنموية وتحديثية ضخمة. هذا النمط من القيادات يثير تساؤلا إشكاليا، هو: كيف يمكن الحكم على هذه القيادات وتقييمها تقييما موضوعيا عادلا؟

وترجع الطبيعة الإشكالية لهذا السؤال إلى عوامل عدة، أبرزها أن هذا النمط من القيادات لا يتصرف وفق حسابات الشرعية السياسية التقليدية التى تسعى إلى كسب الرضا الشعبى المباشر، بقدر ما تُعطى الاعتبار الأكبر للشرعية المستندة إلى الإنجاز والتغيير المطلوب إدخاله على اقتصاداتها ومجتمعاتها خلال مدى زمنى معقول، وذلك رغم أن تكاليف النوع الثانى من الشرعية تكون أعلى من تكاليف الشرعية التقليدية المستندة إلى الرضا الشعبي.

وتزداد صعوبة تقييم هذا النمط من القيادات فى ضوء عوامل ثلاثة: أولها، أن المشروع التنموى الذى تنفذه هذه القيادات يرتبط فى الأغلب بوجود تكاليف اقتصادية واجتماعية تتحملها كل شرائح المجتمع تقريبا، حتى مع وجود برامج نوعية لتخفيف التكاليف الواقعة على الشرائح الاجتماعية الفقيرة والأكثر فقرا، الأمر الذى قد يخلق نوعا من تعارض مصالح بين بعض الشرائح الاجتماعية والمشروع التنموي. ثانيها، أن عوائد السياسات التنموية والإصلاحات الهيكلية التى تطبقها هذه القيادات لا تؤتى آثارها بالضرورة على المدى القريب، حيث تحتاج فى الأغلب إلى فترة زمنية كافية حتى تؤتى نتائجها، وربما تمتد إلى عقود، الأمر الذى يخلق تناقضا مماثلا بين المصالح القصيرة المدى والأخرى البعيدة المدى. ثالثها، يتعلق بطبيعة البيئة الدولية التى تعمل فى ظلها التجارب التنموية التالية للتجارب التنموية الأوروبية، وهى بيئة تنحاز لأولويات محددة قد تكون مغايرة لأولويات القيادات التنموية فى الاقتصادات الناشئة خارج البيئة الأوروبية. كما قد تنحاز هذه البيئة لمعايير محددة فى عملية تقييم الأنظمة السياسية القائمة فى الدول النامية والناشئة، حيث تسعى لفرض هذه المعايير من خلال قنوات وآليات عدة، مثل المؤسسات والتقارير الدولية التى تتبنى مؤشرات اقتصادية وسياسية محددة فى هذا الشأن، لا تُعطى بالضرورة وزنا لطبيعة المراحل التنموية، أو البيئات المحلية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا شك أن تماهى بعض النخب المحلية مع هذه التوجهات الدولية يُزيد من الفجوة بين هذه النخب وهذا النمط من القيادات التنموية.

هناك أمثلة عديدة لهذا النمط من القيادات، أبرزها الجنرال بارك تشونج هى فى كوريا الجنوبية، ولى كوان يو فى سنغافورة ومحاضير محمد فى ماليزيا؛ إذ لا يمكن فهم التجربة التنموية الكورية دون الرجوع إلى مرحلة الجنرال بارك التى امتدت خلال الفترة (1962- 1979)، والملقب برائد النهضة الكورية أو معجزة نهر الهان. كذلك، لا يمكن فهم التجربة التنموية السنغافورية دون الرجوع إلى مرحلة لى كوان يو الذى حكم سنغافورة لمدة ثلاثة عقود متتالية خلال الفترة (1959- 1990). الأمر نفسه بالنسبة لتجربة ماليزيا التى أسس لها محاضير محمد خلال الفترة (1981- 2003). كل منهم تعرض لنقد شديد خلال فترة حكمه، خاصة من جانب الغرب، لكن التاريخ أنصفهم، حتى أنهم أصبحوا مكونات رئيسة فى الأدبيات الخاصة بهذه النماذج التنموية؛ الكورى والسنغافورى والماليزى على الترتيب، ولا يمكن فهم أى من هذه النماذج دون الرجوع إلى رؤاهم وسياساتهم التنموية. كل منهم واجه تحديات داخلية ضخمة، ودفعت مجتمعاتهم فاتورة كبيرة؛ لتؤكد أنه لا تنمية دون فواتير اقتصادية واجتماعية.

الحالة المصرية الراهنة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى تقدم نموذجا معاصرا للقيادات التنموية التاريخية؛ فمع تدشين مصر تجربتها التنموية فى 2014، ورغم النقلات الضخمة التى تجرى فى مختلف القطاعات، وعلى مختلف أقاليم الدولة المصرية، لكن هذا لم يمنع فى الوقت نفسه من ارتباط هذا المشروع التنموى التاريخى بتكاليف وأعباء على مختلف الشرائح الاجتماعية. وهى تكاليف حتمية فى الأغلب ترتبط بالنماذج التنموية المعاصرة التى تواجه واحدة من أعقد المعضلات وهى معضلة تمويل التنمية فى ظل اقتصاد عالمى شديد الاضطراب.

ويزداد هذا الإشكال فى ظل واقع دولى شديد التعقيد والاضطراب، بالمقارنة بما كان عليه خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى، والتى شهدت بدء التجارب التنموية من خارج أوروبا. فعلى العكس من قدرة القيادات التنموية خلال هذه العقود على تطبيق سياسات حمائية، مكنتها من حماية صناعاتها الوطنية، فإن الوضع الآن بات أكثر تعقيدا، على نحو يصعب معه إعادة إنتاج هذه السياسات بنفس الشروط. كما توفر لبعض تلك النماذج فرص أفضل لتمويل عملية التنمية. أضف إلى ذلك حالة العولمة والاعتماد الاقتصادى المتبادل التى تفوق الآن أضعاف ما كان عليه الوضع خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وهى حالة تزيد من فرص انتقال الأزمات الاقتصادية فى دولة، أو إٍقليم ما، إلى الاقتصاد العالمى ومعظم الاقتصادات الوطنية، ما يزيد بدوره من حجم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأزمات. وتمثل جائحة كوفيد-19، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية مثالين مهمين على حجم التعقيدات والمعوقات التى تواجهها القيادات التنموية الراهنة، والتى تُضاعِف من التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للسياسات التنموية.

الدرس المهم الذى يمكن استخلاصه هنا أن الحكم على القيادات التنموية يتطلب مدى زمنيا أطول نسبيا، كما يجب التمييز دائما بين التداعيات والتكاليف القصيرة المدى، والتداعيات والمكاسب البعيدة المدى، وهى مسئولية تقع بالأساس على عاتق النخب السياسية الأكاديمية والإعلامية.. إلخ، أخذا فى الاعتبار دروس التجارب التنموية السابقة.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 6 يوليو 2022.