سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت، في 20 يونيو الجاري (2022)، حل الائتلاف الحاكم، ودعوة الكنيست للتصويت على القرار في الأسبوع المقبل، تستعد إسرائيل لإجراء انتخابات مبكرة ستكون الخامسة خلال أقل من أربع سنوات.

لم يكن هذا الإعلان مفاجئاً للمتابعين للشأن الإسرائيلي، إذ تنبأ الكثيرون منذ لحظة تشكيل الائتلاف بين حزب "يمينا" بزعامة نفتالي بينت وحزب "يش عتيد" بزعامة يائير لبيد وبمشاركة ستة أحزاب أخرى موزعة على كامل الطيف السياسي من اليمين واليسار والوسط وحزب عربي (القائمة الموحدة)، بأن هذا الائتلاف لن يعيش طويلاً لسببين جوهريين: أولهما، طبيعته التي تشبه فكرة حكومات الوحدة الوطنية، التي تتشكل عادة أثناء الأزمات الوجودية  التي تمر بها البلاد مثلما حدث عشية حرب يونيو عام 1967عندما تشكلت حكومة شاركت فيها كافة الأحزاب الصهيونية على مختلف اتجاهاتها لمواجهة احتمالات الحرب مع الدول العربية آنذاك. وثانيهما، أنها على عكس المضمون التقليدي لحكومة الوحدة الوطنية والتي تعني ائتلاف تسانده أغلبية كاسحة في البرلمان، فقد أتى ائتلاف بينت-لبيد، الذي تشكل في نهاية يونيو من العام الماضي، مسنوداً بأغلبية نائب واحد فقط (61 مقعداً)، وهو ما كان يعني أن حجب نائب واحد تأييده للائتلاف حال التصويت على الثقة بالحكومة سيؤدي إما إلى إسقاطها، أو سيحولها إلى حكومة عاجزة عن تمرير أى مشروع قانون في الكنيست يستلزم تأييد 61 نائباً.

تقييم فترة حكومة بينت-لبيد

من العوامل التي ستؤثر كثيراً على نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مدى قدرة جبهة زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو على إقناع الناخب الإسرائيلي بأن حكومة بينت-لبيد فشلت في معالجة الكثير من الأزمات والملفات التي زعمت أنها قادرة على حلها أو معالجتها، بدءاً من مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا، مروراً بتهدئة الصراعات الداخلية خاصة بين العرب واليهود، وانتهاءً بالخطر الناجم عن تسارع المشروع النووي الإيراني واستعداد واشنطن للتفاهم مع طهران على العودة للاتفاق الذي كانت الأولى قد انسحبت منه عام 2018 بضغوط واضحة من جانب إسرائيل.

ورغم أن من سيقود الحكومة الانتقالية التي ستحكم البلاد حتى إجراء الانتخابات هو يائير لبيد بمقتضى الاتفاق الذي كان قد وقعه مع بينت عند تشكيل الائتلاف في العام الماضي، إلا أن تركيز نتنياهو سينصب على مهاجمة الحكومة السابقة ونفتالي بينت بشكل شخصي. إذ يطمع نتنياهو في جذب عدد من نواب حزب بينت "يمينا" للانضمام لـ"الليكود" لتقوية جبهة اليمين قبل الانتخابات، وسيستغل الأنباء المتداولة عن بينت والتي تزعم أنه ينوي اعتزال العمل السياسي ولو بصورة مؤقتة، لإقناع أعضاء "يمينا" بالانضمام لـ"الليكود".

أما المنافسة بين لبيد ونتنياهو فيبدو أنها لا تشغل الأخير كثيراً، في ظل حقيقة أن حزب "يش عتيد" الذي يقوده لبيد يبقى حزباً ينتمي للوسط الذي لا يمكنه جذب أصوات من اليمين أو اليسار المتطرفين، وبالتالي فهو لا يشكل خطراً حقيقياً على نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتشدد.

من جهة أخرى، يمكن لنتنياهو التقليل من الإنجازات التي حققها لبيد في السياسة الخارجية أثناء توليه مسئوليتها في حكومة بينت، مثل تقوية الروابط مع الدول التي وقعت معها إسرائيل اتفاقيات سلام، حيث سيجادل نتنياهو بأنه كان وراء إطلاق عملية "السلام الإبراهيمي" عندما كان يتولى الحكومة، وأن الإنجاز يجب أن ينسب له وليس للبيد أو بينت.

عناصر الحملة الانتخابية لنتنياهو

بعد أقل من شهرين من تولي بينت رئاسة الحكومة، وجّه نتنياهو، الذي أصبح زعيماً للمعارضة، انتقاداً لاذعاً للأول، متهماً حكومته بالفشل في إدارة أزمة وباء كورونا، وطالب بلجنة تحقيق بعد ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس إلى قرابة مليون شخص في شهر أغسطس من العام الماضي. ولكن البيانات الرسمية التي نشرت في مطلع العام الجاري كانت قد بينت عكس ما يقوله نتنياهو عن فشل بينت في معالجة التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا، حيث حققت إسرائيل معدلات متدنية لعجز الميزانية لم تزد عن 4.5٪؜ مقابل توقعات كانت تصل بهذه النسبة إلى أكثر من 6٪؜. كما ارتفعت عائدات الضرائب لهذا العام بشكل يفوق التوقعات أيضاً رغم تأثير الوباء على نشاط السوق وإنفاق الأسر والشركات.

ومن المرجح في ظل هذه الحقائق أن لا يركز نتنياهو في حملته الانتخابية القادمة على الوضع الاقتصادي، كما لن يكون بوسعه التحدث عن حقيقة أخرى ليست في صالح بينت وليست في صالحه أيضاً، وهى أن حكومته (أى بينت) لم تنجح في خفض معدلات الفقر، ولم تنجح في معالجة الفجوات في الدخول بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، حيث أن نتنياهو نفسه، وعبر سنوات حكمه التي فاقت الإثنى عشر عاماً، كان المتهم الأول بإتباع سياسات اقتصادية فاقمت من معاناة الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة.

بمعنى آخر، سيركز نتنياهو في حملته على إخفاقات بينت في المجالين الأمني والسياسي وليس الاقتصادي. فعلى الصعيد السياسي، يمكن القول إن بينت قد أخفق في حماية ائتلافه من الانهيار رغم ادعائه بعد إعلان تشكيله بأنه ولد ليبقى حتى نهاية ولايته القانونية عام 2025 !!!. والأسوأ من ذلك أن الانشقاق عن الائتلاف بدأ من جانب نواب داخل حزبه "يمينا"، وهو ما سيحاول نتنياهو تضخيمه كفشل شخصي قبل أن يكون سياسياً لبينت وحزبه.

أيضاً، يمكن أن يركز نتنياهو على أن بينت لم يتمكن من تخفيض الصراع الداخلي بين اليهود والعرب، وهو ما تجلى في التوترات المستمرة بين الجانبين منذ شهر إبريل الماضي، على الرغم من أن حكومة بينت كانت مدعومة من جانب "القائمة العربية الموحدة" التي يرأسها منصور عباس. في الاتجاه نفسه، يمكن لنتنياهو اتهام بينت بخيانة المعسكر الديني الذي يدعي (أى بينت) أنه زعيمه حيث تدخلت الشرطة في عهده للحد من تظاهرات اليهود المسماة بمسيرة الأعلام  –وهى مسيرة سنوية ينظمها اليهود المتطرفون للاحتفال بتوحيد القدس عام 1967– وكان بينت قد صرح قبل انطلاق هذه المسيرة في 29 مايو الماضي: "من الطبيعي أن نرفع علم إسرائيل في عاصمة إسرائيل"، ولكنه أردف قائلاً: "أطلب من المشاركين في المسيرة احترام تعليمات الشرطة"، وهو ما اعتبره نتنياهو تراجعاً غير مباشر عن تأييد إطلاق المسيرة بمنح الشرطة صلاحيات لتغيير مسار التظاهرة وتقليل أعداد المشاركين فيها.

وفي الجانب السياسي أيضاً، من المتوقع أن يركز نتنياهو على إخفاق بينت في التصدي لمحاولات واشنطن للعودة الاتفاق النووي مع إيران، حيث صرح نتنياهو في شهر مارس الماضي بأنه لو كان رئيساً للحكومة لما تردد في الصدام مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن حول هذه الخطوة حتى لو أدى ذلك لتوتر العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، وعزا نتنياهو ذلك إلى ضعف شخصية بينت وقلة خبرته بإدارة الملفات الخارجية.

ولكن الأهم من المجال السياسي والمتوقع أن يكون أحد المحاور الهجومية لنتنياهو على بينت، هو المجال الأمني الذي تعرضت فيه حكومة بينت لعدة أزمات كان أولها نجاح عدد من الفلسطينيين الذين يقضون عقوبات متفاوتة في السجون الإسرائيلية في الهرب من واحد من أكثر السجون الإسرائيلية تحصيناً (سجن جلبوع) في سبتمبر من العام الماضي، ورغم أن السلطات الإسرائيلية كانت قد تمكنت من اعتقالهم مجدداً بعد فترة قصيرة، إلا أن الحادث أصاب سمعة حكومة بينت بالضرر كونه كان استثنائياً ولم تتعرض لمثله أى حكومة سابقة.

أيضاً، تعرضت حكومة بينت لانتقادات عديدة بسبب تزايد معدلات العمليات التي نفذها بعض فلسطينيي الضفة ومواطنين من عرب 48 داخل الخط الأخضر، فخلال شهر مارس الماضي، سقط أحد عشر قتيلاً في عمليات نفذها فلسطينيون في عدة مدن إسرائيلية، وهو ما سيستغله نتنياهو بشكل كبير للتشكيك في جدارة المعسكر المناوئ لليمين في حماية الدولة ومواطنيها.

المعارضة تخوض المعركة الخاطئة

رغم أن شعار "إلا نتنياهو" الذي تبنته المعارضة الإسرائيلية منذ عام 2015 للتعبير عن هدف حملاتها الانتخابية المتوالية، كان قد أثبت فشله مراراً، بسبب تصويره الأزمة السياسية في إسرائيل على أنها ناتجة عن وجود نتنياهو في الساحة وليس بسبب تخلف مؤسسات العمل الحزبي والسياسي في البلاد إجمالاً، إلا أن المعارضة ما تزال تتمسك برفع نفس الشعار في الانتخابات المقبلة، وهو ما عبر عنه تصريح وزير القضاء الإسرائيلي جدعون ساعر عقب حل الائتلاف مؤخراً بقوله: "إن الهدف من الانتخابات المقبلة واضح هو منع نتنياهو من العودة إلى السلطة وتسخير الدولة لمصلحته".

وتشير استطلاعات الرأى الأخيرة في إسرائيل إلى أن "الليكود" سيكون أكبر الأحزاب تمثيلاً في الكنيست القادم بعدد مقاعد لا يقل عن 35 مقعداً، فيما يمكن أن يحصد حزب "يش عتيد" 20 مقعداً، وتتوقع بعض الاستطلاعات أن يختفي حزب جدعون ساعر لعدم تخطيه نسبة الحسم، ويأمل نتنياهو في إقناع نواب حزب "تكفاه حداش" الذي يقوده ساعر بالانشقاق عن الحزب والعودة لـ"الليكود" مجدداً لتفادي خسارتهم في الانتخابات المقبلة.

وفي كل الأحوال، تبدو فرص نتنياهو للعودة إلى منصب رئيس الحكومة قوية بعد أن تفككت الجبهة المواجِهة له سواء باحتمال اعتزال بينت العمل السياسي، أو  بفقدان جدعون ساعر نفوذه على قطاع من جبهة اليمين. كذلك ترجح بعض التقارير أن يتفكك الائتلاف العربي الذي يقوده منصور عباس "القائمة المشتركة" مما يزيد من فرص تشتت الصوت الانتخابي لعرب 48 عبر قوائم متعددة، ستؤدي حتماً إلى ضعف التصويت في هذا القطاع تحديداً، أو إلى انخفاض عدد ممثليه في الكنيست القادم.

ويبدو أن نتنياهو يستعد لتوجيه ضربة قوية لمنصور عباس الذي لم يكن ائتلاف بينت-لبيد ليظهر للوجود لولا دعمه له من الخارج، حيث صرح نتنياهو مؤخراً بأن رحيل الائتلاف يعني نهاية أشخاص اختاروا التحالف مع "داعمي الإرهاب" - يقصد عباس وحزبه- من أجل السلطة وعلى حساب أمن مواطني إسرائيل!.

وبهذا التصريح، أغلق نتنياهو الباب أم منصور عباس للتفكير في البقاء كرقم مؤثر في الحياة السياسة الإسرائيلية، والذي كان قد صرح عقب حل الائتلاف أنه مستعد للعمل مع أى حكومة ستأتي بها الانتخابات المقبلة!!.