سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لم تكن إسرائيل راضية عن الاتفاق النووى الذى تم التوصل إليه فى عام 2015 بين إيران من جهة والدول الخمس الكبار فى مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا، من جهة أخرى. وعندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2018 بالانسحاب من هذا الاتفاق، وقعت إسرائيل فى مأزق أكبر تمثل فى وضع متناقض بين الترحيب بالانسحاب الأمريكى من الاتفاق، والخشية من تسريع إيران وتيرة العمل فى مفاعلاتها النووية بدون أى ضغوطا دولية أو قيود كالتى نص عليها الاتفاق الأصلي.

وعاد هذا التناقض مجدداً، وبشكل أكثر حدة، مع المساعى التى بذلتها الولايات المتحدة فى ظل إدارة الرئيس جو بايدن للعودة للاتفاق الذى انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب، حيث رفضت إسرائيل فى البداية هذه المحاولات ووقفت ضد المفاوضات الأمريكية- الإيرانية فى فيينا التى استهدفت التباحث حول شروط عودة الولايات المتحدة للاتفاق، والتزام إيران ببنوده. ولكن مع عجزها عن منع واشنطن من التفاوض مع طهران، سعت إسرائيل إلى محاولة إقناعها (أى واشنطن) بألا توافق على أن تكون عودتها للاتفاق بصيغته الأساسية، بل الأفضل أن يكون هناك اتفاق جديد، بحيث يراعى التحفظات الإسرائيلية على الاتفاق القديم (اتفاق 2015)، والتى يمكن تلخيصها في:

- لم ينص الاتفاق القديم بشكل واضح على ضرورة منع إيران من تطوير قدراتها فى تصنيع وتطوير الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية.

- تمنح القيود المفروضة على تطوير إيران معدات التخصيب للوقود النووى والتى كانت ستنتهى عام 2030 إيران فى الواقع اعترافاً بحقها فى تطوير وامتلاك أسلحة نووية مستقبلاً، وهو أمر يناقض الهدف الرئيسى من هذا الاتفاق، كما أعلنته واشنطن فى عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية مستقبلاً.

- لم يشمل الاتفاق ضرورة تعهد إيران بعدم التدخل فى شئون دول المنطقة، والكف عن دعم المليشيات التى تعتبر إسرائيل أنها تستهدف زعزعة أمنها وأمن منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مثل حزب الله اللبنانى وحركتى حماس والجهاد الفلسطينيتين، ومليشيا الحوثى اليمنية.

- لم تكن إجراءات الرقابة المنصوص عليها فى الاتفاق القديم للتأكد من التزام إيران بالقيود الموجودة فيه على الأنشطة النووية كافية لتحقيق هذا الغرض.

وضعت إسرائيل هذه التحفظات أمام الإدارة الأمريكية منذ لحظة انطلاق مفاوضات فيينا، ولكنها أدركت مع الوقت أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على فرض هذه المطالب على إيران، خاصة بعد نشوب الحرب الروسية- الأوكرانية، والتى منحت إيران وروسيا الفرصة لابتزاز واشنطن فى مفاوضات فيينا، فإيران تعتقد أن واشنطن فى سعيها لتركيز الاهتمام على إضعاف روسيا ستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات كبيرة لها، إما لإبعادها عن التعاون مع روسيا اقتصادياً وأمنياً، وإما لحاجتها وحلفائها لتشديد العقوبات على روسيا عبر توفير بدائل للغاز والنفط الروسيين وحرمان روسيا من عائدات بيعهما لأوروبا وبعض الدول الحليفة لواشنطن فى القارة الآسيوية، على نحو يقتضى إدخال صادرات الغاز والنفط الإيرانية إلى الأسواق كبديل لمثليهما الروسيين. وفى كلتا الحالتين، سيتعين على واشنطن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وربما أيضاً تجاهل بقية التحفظات الإسرائيلية على عودة واشنطن للاتفاق النووى القديم. على الجانب الآخر، وجدت روسيا أيضاً الفرصة لمساومة واشنطن بالمطالبة برفع العقوبات المفروضة عليها من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى منذ عام 2014 وحتى اليوم، مقابل عدم عرقلة عودة واشنطن للاتفاق النووى حتى ولو بشروط جديدة.

تحرك منفرد

فى ظل كل هذه التعقيدات، تراهن إسرائيل على قدراتها الذاتية لمواجهة المشروع النووى الإيراني، وقد ترى أن عودة واشنطن للاتفاق القديم حتى بدون أى تعديلات أفضل كثيراً من بقائها خارجه، خاصة بعد أن برهنت آلية فرض العقوبات على فشلها فى ردع إيران عن مواصلة سعيها لتطوير قدراتها النووية، وبالتالى ربما يكون أفضل لإسرائيل أن تعود واشنطن للاتفاق مع إيران الذى يفرض على الأخيرة قيوداً تحد من إمكانية تصنيعها الأسلحة النووية حتى عام 2030 على أقل تقدير.

ولكن لا يعنى هذا التفضيل أن إسرائيل يمكن أن تعلن صراحة تأييدها لعودة واشنطن للاتفاق، بل ستظل على رفضها له، لأن ذلك الرفض سيمنحها شرعية العمل بحرية ضد المشروعات النووية الإيرانية، وهو ما دأبت عليه إسرائيل حتى قبل اتفاق عام 2015 وبعده وحتى اليوم.

على الجانب الآخر، لايبدو أن الأزمة السياسية التى تعيشها إسرائيل منذ سنوات بسبب عجزها عن تشكيل حكومات مستقرة، يمكن أن تؤثر فى التوجه الثابت ضد إيران والمتمثل فى توجيه ضربات استخباراتية نوعية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وضد العلماء العاملين فيها، حيث تكرس الفصل بين الوضع السياسى والوضع الأمنى فى الذهنية الإسرائيلية منذ تسعينيات القرن الماضي، وباتت آلية التعامل مع التهديدات الأمنية التى تواجهها الدولة العبرية مستقرة إلى حد كبير ولا تتأثر بغياب الاستقرار السياسي، وتبرهن العمليات العسكرية والاستخباراتية التى شنتها إسرائيل ضد المنشآت النووية الإيرانية وضد مواقع الحرس الثورى الإيرانى فى سوريا منذ بداية الأزمة السياسية فى إسرائيل والتى استمرت لثلاث سنوات متتالية عاشتها إسرائيل بدون حكومة منتخبة (2018-2021)، على صحة الفصل بين السياسى والأمنى فى إسرائيل، ومن ثم فإنه على الرغم من أن الائتلاف الذى يقوده زعيم حزب «يمينا» نفتالى بينت قد بات معرضاً للانهيار بعد تزايد حركة الانشقاق عليه، حتى من جانب أعضاء فى حزب «يمينا» نفسه، فإن المؤكد أن إسرائيل ستزيد من ضرباتها النوعية ضد إيران فى الفترة المقبلة، دون أن تهمل العمل على مسار موازٍ يستهدف إقناع واشنطن بضرورة التلويح باستخدام القوة العسكرية للجم الطموحات الإيرانية سواء تلك المتعلقة بالحصول على البديل النووي، أو الأخرى الخاصة بتوسيع النفوذ الإيرانى فى المنطقة.

وتعتبر مشاركة الولايات المتحدة بطائرات تزويد الوقود فى المناورات الضخمة التى تجريها إسرائيل منذ 9 مايو 2022 (مناورة عربة النار) وتستمر شهراً كاملاً، بمثابة نجاح مبدئى لإسرائيل فى مسعاها لوضع الخيار العسكرى الأمريكى ضد إيران على الطاولة، حتى لو كان هدف الولايات المتحدة الحقيقى من المشاركة فى هذه المناورة هو الضغط على إيران فقط من أجل إجبارها على تقليل مطالبها لإنجاح مفاوضات فيينا المعطلة حالياً.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 4 يونيو 2022.