قضايا وتحليلات - مصر 2022-5-25
صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

فى إطار برامجه البحثية المعتادة، طرح مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية عبر العديد من إصداراته العلمية، دراسات بحثية لقضايا التنمية الاقتصادية المستدامة؛ لاسيما "دراسات السياسات" التى تعتمد فى بنائها على منهجية بحثية تقوم على "تحديد" المشكلة البحثية أو الظاهرة أو القضية أياً كان نوعها سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، ثم تجرى عملية "تقييم" لجوانبها المختلفة عبر تحديد العيوب والمزايا والإيجابيات والسلبيات والتحديات، ثم "تقترح" برامج ورؤى لمعالجة النتائج التى توصلت إليها عملية "التقييم" التى أجرتها الدراسة للإشكاليات المطروحة بشأن القضية أو الظاهرة محل البحث، وصولاً إلى تحديد "إطار عام" يتضمن الدروس المستفادة والتوصيات القابلة للتنفيذ، وقد تأتى هذه التوصيات قياساً على تجارب وخبرات دولية مماثلة.

ولكون التنمية الاقتصادية المستدامة تمثل هدفاً رئيسياً لرؤية مصر 2030، ركزت عدد من الدراسات التى تناولتها إصدارات مركز الأهرام للدراسات السياسية على بحث سبل معالجة التحديات التى تواجه بعض القطاعات الاقتصادية المؤثرة، التى يقع عليها مباشرة عبء عملية التنمية بمختلف جوانبها، ومن بين هذه الدراسات ثلاثة أعداد من دورية "بدائل" لدراسات السياسات، تضمنت "سياسات تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة" عبر معالجة المعضلات والإشكاليات والتحديات التى تواجه ثلاثة قطاعات اقتصادية مهمة، وهى: قطاع تجارة الخدمات  ("دور قطاع وتجارة الخدمات فى التنمية: الخبرات والدروس المستفادة"، العدد 45، إبريل2021)، وقطاع الصادرات ( "الصادرات والتنمية الاقتصادية فى مصر.. برنامج مقترح لتنمية الصادرات"، العدد 46، يونيو 2021) ، وقطاع الصناعة ("الصناعة التحويلية المصرية: التحديات والسياسات.. برنامج مقترح لنهضة صناعية مستدامة"، العدد50، فبراير 2022).

والدراسات الثلاثة أجرت عملية "تقييم" للوضع الراهن الذى تعيشه القطاعات الاقتصادية المذكورة، محددة من خلال هذا التقييم أهم المعضلات التى تواجه عمل تلك القطاعات، بما يؤثر على مستوى مساهمتها فى مجمل عملية التنمية الاقتصادية، كما قدمت تلك الدراسات "برامج مقترحة" تشتمل على "خطط نوعية" تقدم "توصيات قابلة للتنفيذ"، بإمكانها معالجة التحديات التى تواجه تلك القطاعات، وتدفعها فى الوقت نفسه لتكون أكثر إسهاما فى الناتج المحلى الإجمالى.

تجارة الخدمات.. كخيار نحو التنمية

على مدى العقدين الماضيين، لعب قطاع وتجارة الخدمات دوراً بارزاً فى تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادى لدى العديد من اقتصاديات العالم المتقدمة والنامية على حد سواء؛ حيث ساهم فى زيادة فرص التشغيل ومعالجة البطالة، ورفع معدلات الاستثمار، ودعم عمل القطاعات الاقتصادية المحورية، على اعتبار أن الخدمات تشكل جزءاً رئيسياً ومدخلاً وسيطاً فى العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى خاصة الصناعة، ما جعل قطاع الخدمات رافداً مهماً للناتج المحلى للعديد من الدول، وأصبح بذلك قطاعاً اقتصادياً له حضوره الفاعل على الخريطة الاقتصادية العالمية، حيث حقق قطاع وتجارة الخدمات قفزة اقتصادية هائلة بداية من عام 2018، بإسهامه بنسبة 65% من الناتج الاقتصادى العالمى، وذلك وفقاً لتقرير منظمة التجارة العالمية عام 2019. ويتأثر هذا القطاع إلى حد كبير بمستوى الاستقرار السياسى والأمنى على الصعيدين الدولى والمحلى، وبالتغيرات المناخية، وبالوضع الديموجرافى للدول باعتباره قطاعاً كثيف العمالة، كما تأثر سلباً بما أدت إليه جائحة كورونا -مارس 2020- من تداعيات اقتصادية كبيرة، نتيجة لإجراءات الإغلاق العالمية التى اتخذتها الدول كوسيلة لاحتواء الجائحة.

فى هذا السياق، أشارت الدراسة الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية حول "دور قطاع وتجارة الخدمات فى تحقيق التنمية الاقتصادية"، للباحث الاقتصادى بالمركز حسين سليمان، إلى الطفرة التى حققها هذا القطاع خلال الفترة (2017 – 2018)، بمساهمته بنسبة 55% فى الناتج المحلى الإجمالى، نتيجة زيادة التدفقات الاستثمارية فى قطاعات خدمات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات والسياحة، حيث استخوذ القطاع على حوالى 11% من حجم الاستثمارات الأجنبية. وطبقاً لرؤية التنمية الشاملة 2030، فمن المتوقع أن تصل مساهمات قطاع وتجارة التنمية فى الناتج المحلى إلى حوالى 65%. وللوصول إلى هذا الهدف التنموى المأمول، أشارت الدراسة إلى ضرورة إجراء معالجة حقيقية للتحديات التى يعانى منها القطاع فى الوقت الراهن وأبرزها: "محدودية الآداء" باعتباره قطاعاً يستوعب طاقة تشغيل عالية، لكنه ينتج مستويات ضعيفة من القيمة المضافة مقارنة بقوة طاقته العاملة، بالإضافة إلى "القيود على المنافسة والتجارة الخارجية"، والقيود التى تحد من "قدرة القطاع الخاص على تأسيس وممارسة الأنشطة الخدمية"، وأنشطة التجارة الخارجية للقطاع. وتشير الدراسة كذلك إلى أن تحرير قطاع الخدمات من القيود الحكومية، لا يعنى توقف الدولة عن دورها "التنظيمى" و"التحفيزى" فيه، باعتبار أن هذا الدور المزدوج يضمن تحقيق المنافسة الحرة، وتعزيز الكفاءة والقيمة المضافة.

وبينت الدراسة "أن تطوير قطاع الخدمات وتعزيز إنتاجيته، مهم جداً للاقتصاد المحلى؛ لأنه يساهم فى التحول الهيكلى من الاعتماد على القطاعات الاقتصادية منخفضة الإنتاجية، إلى القطاعات الاقتصادية مرتفعة الإنتاجية"، وبالتالى التحول من اقتصاديات ذات دخل منخفض أو متوسط إلى اقتصاديات مرتفعة الدخل، وذلك فى ظل التراجع العالمى لدور قطاع التصنيع فى إحداث هذا التحول الهيكلى، وهو ما يتطلب وجود قطاع بديل، أو مكمل له فى مسيرة التنمية الاقتصادية. ومن هنا يمكن لقطاع وتجارة الخدمات، من خلال التأثير المباشر، وغير المباشر على القطاعات الأخرى، أن يقدم دفعة قوية نحو التحول الهيكلى والتنمية المستدامة، حيث خلصت الدراسة إلى أنه من الممكن "الاعتماد على قطاع الخدمات كمحرك للنمو الاقتصادى والتوظيف، لتعويض جزء من تراجع التصنيع، أو تباطؤ نموه فى ظل التحولات العالمية". كما أكدت على أن "قطاعات الخدمات مرتفعة الإنتاجية" تحديداً، هى التى بمقدورها أن تماثل أو تتخطى إنتاجية "قطاع التصنيع"، مما يجعل "قطاع وتجارة الخدمات" قادراً على إجراء "التحول الاقتصادى الهيكلى"، وذلك بالانتقال من التوظيف الشامل فى قطاعات منخفضة الإنتاجية إلى قطاعات مرتفعة الإنتاجية.

الصادرات المصرية.. برنامج مقترح لمواجهة التحديات

تسعى العديد من الدول إلى اتباع "سياسات اقتصادية" من شأنها تنمية الصادرات، ومعالجة إشكالياتها، وتذليل معوقاتها، عبر تفعيل أدوات اقتصادية تعالج تلك المعوقات. وتزداد أهمية تلك المعالجات فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى فرضتها جائحة كورونا على مدى العامين الماضيين، والتى أدت إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادى فى العديد منها، وانخفاض الإنتاج، نتيجة تباطؤ معدلات النشاط الاقتصادى. وبالرغم من الإجراءات التى اتخذتها الدولة من أجل الارتقاء بمستوى تنمية الصادرات كالتسهيلات الائتمانية، والإعفاء الضريبى، والدعم التعويضى للمصدرين، ومعالجة ضعف مستوى بيئة الأعمال، وارتفاع تكلفة التعاملات المرتبطة بالتصدير، إلا أن تنمية الصادرات تحتاج إلى "استراتيجية" صناعية تقوم على وجود مسار إصلاحى مؤسسى يكون من بين أهدافه التخفيف من أعباء المستثمرين والمصدرين على حد سواء، مع تحديد مجموعة الأهداف "الكمية والنوعية" المستهدفة من عملية تنمية الصادرات المحلية. كما تتطلب معالجة المعوقات التى تؤثر سلباً على دور التصدير فى تعظيم الدخل القومى للدول؛ سواء على المستوى المحلى أو على مستوى تعامل الصادرات مع الاقتصاد العالمى؛ لأن وجود معوقات محلية وخارجية أمام الصادرات من شأنها تحجيم قدرة الاقتصاد الوطنى على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحجيم قدرته كذلك على تنمية الاستثمارات المحلية الوطنية.

وتعتبر عملية تطوير البنية الأساسية للتصدير -عبر تطوير القطاعات الاقتصادية والخدمية المختلفة- إحدى أهم آليات معالجة معوقات تنمية الصادرات، فضلاً عن تعزيز نفاذية الصادرات المصرية إلى الأسواق الخارجية، هذا إلى جانب دعم برنامج مساندة الصادرات، والذى بدأ تطبيقه فى يوليو 2020، لدوره المهم فى تعميق الصناعات الوطنية.

من هذا المنطلق، قدمت دراسة الخبير الاقتصادى د. محمد يوسف حول دور الصادرات فى التنمية الاقتصادية تحليلا عميقا للسياسات التصديرية التى تطبقها الدولة وأثرها على معدلات النمو الاقتصادى خلال الفترة (2004 – 2020)، واتجاهاتها الحالية مقارنة بحالة سياسات التصدير المتبعة فى بعض التجارب الدولية الأخرى، والتى سجلت نجاحاً يعتد به فى المجال نفسه، وخلصت الدراسة إلى عدة نتائج صاغ عبرها الباحث "برنامجاً مقترحاً للنهوض بعملية التصدير وتحفيز دورها فى التنمية"، هذا البرنامج وضع عدة توصيات فعالة قابلة للتنفيذ يمكن من خلالها وضع سياسات تصديرية جديدة بديلة للسياسات القائمة، هدفها الرئيسى التوصل إلى "سياسة عامة لقطاع التصدير"، تسترشد بتجارب دولية حققت نتائج فعالة فى مجال تحفيز وتنمية الصادرات. ويشتمل البرنامج المقترح على عدة محاور: محور يتعلق بتحديد أهم المنتجات المصرية المرشحة لشمولها بالدعم التصديرى؛ سواء المنتجات الصناعية أو الخدمية. وآخر يحدد أهم الأسواق الخارجية المرشحة بالاستهداف:السوق العربى والأفريقى والأوروبى. ومحور ثالث يتضمن عدة مقترحات لزيادة العوائد من أنشطة التصدير، ومحور رابع يتناول أهم السياسات الاقتصادية المقترحة سواء من أجل النزول بتكاليف الصادرات المصرية، أو لزيادة العوائد من أنشطة التصدير. ومحور آخير يرصد مقترحات عامة لتهيئة بيئة التصدير المصرية بما يخدم فرص التنمية الاقتصادية.

سياسات "تعميق الصناعة الوطنية" الفرص والتحديات

يمثل قطاع الصناعة بدوره قاطرة التنمية الاقتصادية فى الدولة، ومنذ إقرار برنامج الإصلاح الاقتصادى الشامل عام 2014، شهد القطاع عدة تطورات شملت مستويات عدة، بعضها يتعلق بالتوسعات فى إقامة المدن الصناعية على المستويين الأفقى والرأسى، والبعض الآخر يرتبط بتذليل العقبات أمام تدفق الاستثمارات إلى القطاع الصناعى سواء الأجنبية والمحلية، يضاف إلى ذلك مراجعة الإجراءات التشريعية التى تتعلق بالقوانين الحاكمة لعمل هذا القطاع. كما حقق القطاع ووفقاً لبيانات وزارة التجارة والصناعة، مؤشرات إيجابية خلال العام المالى 2019- 2020، كان أبرزها ارتفاع مساهمة القطاع فى الناتج المحلى الإجمالى بنحو 17.1% مقارنة بنحو 16.4% فى العام المالى 2017-2018، بما انعكس إيجاباً على معدل الصادرات السلعية الذى سجل طفرة كمية خلال عام 2021.

وتعد "الصناعات التحويلية" من أهم ركائز قطاع الصناعة فى اقتصاديات الدول، ونظراً لأهمية هذا النوع من الصناعات، اتجهت الدولة إلى تطوير شامل لهذا القطاع برفع "الكفاءة التنافسية" لقطاع الصناعة التحويلية بما يعزز من مساهمة قطاع الصناعة فى الناتج المحلى الإجمالى للدولة. وذلك عبر عدة آليات، أهمها: رفع معدلات الاستثمار فى القطاع بشكل مستدام، وتوطين وتعميق الصناعة، وتنمية سلاسل التوريد المحلية، والاندماج فى مراحل أعلى فى سلاسل القيمة العالمية والإقليمية، وزيادة القدرة التنافسية دوليًا للصناعات التحويلية، والنهوض بالصادرات الصناعية. ويفرض اعتماد الدولة العمل بهذه الآليات ضرورة البحث فى المعضلات التى تواجه حال الصناعات التحويلية.

فى هذا الإطار، ناقشت دراسة "الصناعة التحويلية المصرية .. التحديات والسياسات" للدكتور محمد يوسف المعضلات التى تواجه قطاع الصناعة التحويلية خلال العقدين الأولين من القرن الحالى (2002- 2020)، وتعيق بدورها عملية رفع كفاءة قطاع الصناعة، وتؤثر سلباً على "الآداء التصنيعى" للاقتصاد وعلى مساهمته فى النمو الاقتصادى، ومن أهمها؛ تواضع قدراته على إنتاج وتطوير التكنولوجيا، والحاجة الملحة إلى مصادر جديدة للتمويل تختلف عن المصادر الموجودة، هذا بخلاف عدم استقرار السياسات الصناعية المطبقة، وتراجع أدوات الرقابة على الأنشطة الصناعية، وعلى جودة المنتج المصنع. كما بحثت الدراسة- التى اعتمدت على المصادر الدولية والمحلية لبياناتها - سبل "تعميق الصناعة الوطنية" فى ضوء ما تمتلكه من تكنولوجيا تصنيعية، وذلك عبر البحث عن حقائق ودلائل فى بيانات الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير، باعتبار أن معالجة هذه المعوقات يؤدى إلى الارتقاء بالتنمية الصناعية، وتعزيز أهداف التنمية المستدامة.

وتعود أهمية الدراسة، بجانب تشريحها لطبيعة الآداء التصنيعى المصرى على مدى العقدين الماضيين، إلى طرحها لبرنامج اقتصادى تنموى تنبع أهميته، ليس من معالجة الإشكاليات التى تعيق الارتقاء بالجهد التصنيعى المصرى فحسب، وإنما من العمل على النهوض بالصناعة المصرية ودفعها نحو طريق التنمية المنشودة، فى ضوء ما يمتلكه الاقتصاد المصرى من مقومات منها كفاية الموارد الاقتصادية، وتنافسية التكاليف والجاهزية المؤسسية، واتساع حجم السوق، وفرص توطين ومحاكاة التكنولوجيا. والبرنامج المقترح يشتمل على طرح عدة سياسات هى: سياسات تنفيذية لدعم الاستثمار الصناعى التحويلى، وسياسات داعمة للمكون المحلى المصرى، وسياسات داعمة للصناعة التحويلية فى مجال الإنتاج والتشغيل والتصدير، وسياسات عامة لتعميق الصناعة وتوطين ومحاكاة التكنولوجيا الوطنية، وسياسات للمتابعة ومؤشرات مقترحة للتقييم المستمر منها: مؤشر الاستثمار والتمويل، ومؤشر الإنتاج والمحتوى المحلى، ومؤشر التكنولوجيا.

هذه الدراسات الاقتصادية الثلاثة الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية خلال الفترة (2021 -2022)، والتى غطت أهم قطاعات الاقتصاد المصرى: تجارة الخدمات، والصادرات، والصناعة التحويلية، تطرح رؤى اقتصادية يمكن عبرها مساعدة مؤسسات الدولة التنفيذية ذات الطبيعة الاقتصادية فى عملية صنع واتخاذ القرار الاقتصادى؛ لكونها لا تقف عند حد تحديد المعضلات والإشكاليات التى تواجه عمل تلك القطاعات وتؤثر على دورها فى التنمية، وإنما لكونها قدمت "برامج مقترحة" قابلة للتطبيق بإمكانها المساهمة فى خطط تحقيق نهضة تنموية مستدامة.