أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

من المرتقب أن تستضيف القاهرة، في منتصف مايو الجاري، الجولة الثانية من الحوار ما بين وفدى مجلسى النواب والأعلى للدولة للتوصل إلى رؤية موحدة بشأن القاعدة الدستورية، وسط أجواء من التفاؤل الحذِر بشأن إمكانية تحقق هذه الخطوة، في ظل أجواء المشهد السياسي الليبي الهش الذي تطغى عليه بشكل عام حالة من الفوضى، على ضوء مآلات ما بعد فشل الانتخابات العام الماضي، حيث تتعدد المبادرات التي يطرحها الفرقاء السياسيون، بينما تتمزق العملية السياسية التي قد تتعرض للانهيار بالكامل، في يونيو المقبل، باعتباره نهاية المرحلة الانتقالية الحالية وفقاً للأمم المتحدة.

من هنا، فإن جولة الحوار الثانية فى القاهرة قد تساهم فى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انتهاء تلك المرحلة، بل يمكن القول إن أهمية التوصل لوضع قاعدة دستورية قد يشكل مخرجاً من مأزق الأزمات المعقدة والمركبة التي تمر بها العملية السياسية فى ليبيا، فمشهد تعدد الحكومات هو مشهد اعتيادي، لكن غياب قاعدة دستورية متفق عليها لن ينعكس على عملية الانتخابات فقط، بل على تكرارية مراحل الانتقال السياسي التي يمكن أن تنتهي بوجودها.

وعلى الرغم من أن الجولة الأولى من الحوار بين الطرفين في القاهرة، في الشهر الفائت، لم تسفر عن نتائج ملموسة، إلا أنها شكلت انعطافة إيجابية لا يمكن تجاهلها، بالنظر لأكثر من مؤشر، فقد أكدت على أولوية الحوار الليبي–الليبي المشترك لحل الخلافات، إذ كان اللقاء استثنائياً بعد فشل ترتيب لقاء سابق في تونس، كذلك أعقبه لقاء ما بين رئيسى المجلسين فى القاهرة عقيلة صالح وخالد المشري لتسهيل عمل الوفدين في الجولة التالية، وكدرس مستفاد من فشل العملية الانتخابية في ديسمبر 2021 أنه لا يمكن لطرف الاستئثار بالعملية السياسية دون آخر، خاصة وأن القوانين التي وضعها مجلس النواب فى العملية الانتخابية شابها الكثير من القصور للوصول إلى مرحلة الانتخابات باعتراف أكثر من جهة، بل إن تضمين مجلس النواب تشكيل لجنة مشتركة مع مجلس الدولة وفق التعديل الثاني عشر في إطار خريطة الطريق التي أعلن عنها المجلس، في فبراير الماضي، هو استدراك لهذا القصور، كما أن تعاطي وفد المجلس الأعلى مع معطيات التعديل هو نقطة تقارب إيجابية يمكن البناء عليها في الحوار المرتقب. كذلك، يبدو أن المعادلة الإقليمية الصراعية والتنافسية تتغير في اتجاه مقاربة التسوية لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي قد لا تحقق مصلحة أى طرف، لا سيما القوى المنخرطة بشكل رئيسي في ملف الأزمة السياسية.

تحديات عديدة

وفقاً لهذا السياق، يمكن الإشارة إلى العديد من التحديات، منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: التأثيرات الخارجية:

1- الحوارات الموازية: قبيل إطلاق الجولة الثانية للحوار في القاهرة، أطلقت جولة غير رسمية في مونترو السويسرية برعاية مركز الحوار الإنساني الذي ينظر إليه باعتباره مهندس المرحلة الانتقالية. وبغض النظر عن أجندة الحوار المعلنة حول محاولة التوصل إلى حلحلة الأزمة السياسية مع التركيز على قرب نهاية العملية السياسية والموقف من تآكل شرعية الأجسام السياسية القائمة بشكل عام، فإن الأنباء تتواتر حول إعادة تشكيل هيئة جديدة لحوار سياسي. ويلقى هذا الحوار اعتراضات وانتقادات عديدة، فنواب المجلسين (النواب والدولة) اعتبروا الحوار يشكل محاولة لإرباك المسار الحالي في القاهرة، حتى وإن كانت أجندته لا تتقاطع مع حوار القاهرة لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى التأسيس لمسار بشكل غير منسق مع المسار الذي تسعى إليه أطراف حوار القاهرة. كذلك، لا يعتقد أن البعثة الأممية هى الأخرى بصدد التعاطي مع فكرة تأسيس مسار انتقالى جديد يعيد بدوره العملية السياسية إلى نقطة الصفر.

2- التدخلات الدولية: هناك اتجاه غربي ضاغط لحلحلة الانسداد الراهن في العملية السياسية الليبية، ما قد يشكل عامل دفع من الناحية الشكلية لتجاوز عقبة الخلافات الراهنة. وقد ظهر ذلك في دور السفير والمبعوث الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نولارند، الذي يبدو أنه يقود عملية الضغط، في ظل انشغال القوى الأوروبية، لا سيما ألمانيا - التي تولت رعاية المسار الانتقالي في ليبيا - بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية. لكن من الناحية العملية، فإن أولوية الضغط لا ترتبط بطبيعة الحال بالمصالح الليبية، فهناك ضعوط من أجل إنهاء إغلاقات النفط التي تسببت فيها الأزمة السياسية الراهنة، من جهة، ومن جهة أخرى، فإن من مصلحة واشنطن استغلال الحرب الروسية على أوكرانيا في تعزيز نفوذها وانفرادها بالمشهد أكثر مما كان عليه في السابق.

ثانياً: العوامل الداخلية:

1- سوابق التوافق: صحيح أن رئيسى المجلسين اتفقا في القاهرة على تسهيل عمل وفديهما المشاركين في الحوار، لكن لا تعد هذه التعهدات هى الأولى من نوعها، فقد سبق وكانت هناك لقاءات بين الطرفين في المغرب لحلحلة قضايا أخرى كملف المناصب السيادية، لكنها لم تترجم في الواقع، وهو ما يخشى تكراره في الجولة التالية، حيث تصعب الثقة في إبداء الطرفين رغبتيهما في تجاوز الأزمة، بقدر ما يتطلب الأمر ضمانات عملية يقر بها رئيسا المجلسين.

ويمكن القول إن القاهرة يمكن أن تلعب دور الضامن ما يشكل قيمة مضافة لدورها كراعٍ للحوار بين الطرفين. لكن من الأهمية بمكان الوضع في الاعتبار ثقافة الصفقات التي تلعب دوراً في توجيه نوايا القوى السياسية، وبالتالي تتحول المشاورات إلى صفقات، وفي حال عدم التوصل إليها يتم نسف ما يتم التفاهم أو التوافق عليه، واللافت للنظر أن هذه الصفقات تتعلق بقضايا خارج نطاق جدول الأعمال، حيث يمكن أن يكون الهدف هو حلحلة أزمة القاعدة الدستورية، بينما يكون الخلاف الفعلي حول الحكومة، أو ملف اقتصادي أو غيره من الملفات الأخرى. كذلك، فإن عملية التوافق لا تتوقف على رئيسى المجلسين في ظل تنامي حالة التصدع في المجلسين، فهناك دعوات لاستقالات في كلٍ منهما، فضلاً عن أن تعارض توجهات ومصالح تيارات داخل المجلسين قد يعيق ترجمة هذا التوافق في عمليات التصويت على المنتج النهائي.

2- الافتقار إلى الخبرة الفنية: وهى الخبرة اللازمة لوضع نص دستوري أو حتى نص قانوني متماسك ومتكامل، ولا يشترط إعادة ذلك إلى قلة أو نقص الكوادر والخبرات بقدر ما يمكن الإشارة بوضوح إلى عملية تسييس الدستور، لاعتبارات تتعلق بفرض توجهات سياسية معينة، وهو ما تشير إليه العديد من التقديرات بشأن النص الدستوري الذي وضعته الهيئة الدستورية وخلفيته والسياق الزمني والسياسي الذي وضع فيه، والذي يفتقر إلى أبعاد أساسية فى بنية الدساتير لا يمكن التغاضي عنها. لكن هذه الإشارات يمكن تجاوزها عندما تتوافر الإرادة لاستدراك هذه الأخطاء.

الأمر الآخر، يتعلق بحسم طبيعة القاعدة الدستورية، وما إذا كان الأمر يرتبط بإعلان دستوري خاص بالعملية الانتخابية وما يتعلق بها، أو يتصل بالدستور بشكل عام، وبالتالي إدخال تعديلات عليه، فالتعديل الثاني عشر تضمن الأمرين، وكيفية الانتقال بين تلك الخيارات مرحلياً بالتتابع وفقاً لعملية استفتاء متعددة المراحل، وهى نقطة فاصلة ستحدد السيناريو التالي للعملية السياسية.

لكن من الأهمية بمكان في هذه النقطة الإشارة إلى التوصل إلى توافق على إصدار إعلان دستوري قد يشكل نقطة إيجابية لتجاوز إشكالية ضيق الوقت في ظل العد التنازلي للمرحلة الانتقالية، لكن من جانب آخر قد يشكل نقطة ضعف إذا ما تم الإبقاء على مسودة الدستور الحالية وإحالتها كاستحقاق مؤجل إلى مرحلة تالية، رغم ما يعتريها من مشكلات قد تفجر أزمة أكبر في المسقبل بين القوى السياسية، وعليه سيكون التوافق الحالي هو مجرد توافق مؤقت لتفادي الانسداد السياسي الراهن دون حله من جذوره.

في الأخير، يمكن القول إن هناك فرصة لحل معضلة الخلاف الدستوري، وبناء توافق ما بين البرلمان ومجلس الدولة، على الرغم من التحديات المتشابكة، لكن قد يكون التحدي الأكبر هو مرحلة ما بعد التوافق، فالخبرة الليبية كاشفة عن أنه جرى التوافق في محطات عديدة على تسوية خلافات الفرقاء الليبيين، إلا أنه عندما يتم الانتقال إلى التطبيق العملي تظهر سلسلة أخرى من العوائق، فالمفترض أن تقود القاعدة الدستورية، والأرجح أن تتم في شكل إعلان دستوري، إلى عملية الانتخابات، لكن تنامي دور المليشيات وتصاعد ظواهر الفوضى الأمنية وتدفق السلاح على العاصمة، واصطدام أى توافق بمصالح تيارات أخرى متطرفة ليست معنية بالوصل إلى التوافق أو إنهاء المرحلة الانتقالية تبقى كلها عقبات لا يمكن تجاهلها. إلا أن هذا الوضع لا يفترض أن يشكل عامل ضغط على الجوانب الإجرائية لعملية الانتخابات، لكنه يسلط الضوء على أهمية تهيئة الأجواء لهذا المسار قدر الإمكان. فالتوافق على القاعدة الدستورية سيفض بالتبعية التشابكات مع القضايا الأخرى المعلقة والمعقدة على الساحة السياسية الليبية.