قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات عربية وإقليمية 2022-5-11
صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عكست الزيارة التى قام بها الرئيس السورى بشار الأسد لطهران فى 8 مايو 2022، والتى لم يعلن عنها مسبقاً، العديد من الدلالات المهمة سواء على مستوى توقيت الزيارة التى تمت فى ظل تطورات إقليمية ودولية تتغير مستجداتها بصورة سريعة من ناحية، أو على مستوى العلاقات الثنائية بين الحليفين السورى والإيرانى ومستوى اللقاء نفسه الذى جمع الرئيس الأسد ونظيره الإيرانى إبراهيم رئيسى بحضور المرشد الأعلى على خامنئى من ناحية ثانية، وكذلك على مستوى مستجدات التفاعل الروسى- الإيرانى بشأن الأزمة نفسها على هامش الحرب التى تشنها روسيا ضد أوكرانيا على مدى الشهرين الماضيين من ناحية ثالثة.

أهمية الزيارة لدى الجانب الإيرانى انعكست بوضوح فى بيان المرشد الأعلى على خامنئى المنشور على موقعه الإلكترونى، حيث أشار البيان إلى "حيوية" العلاقات الإيرانية- السورية، فى ظل ما شهدته سوريا منذ عام 2011 وحتى الوقت الراهن، ودور إيران فى تقديم كافة أنواع الدعم المادى والعسكرى والسياسى لنظام الأسد، وما يفرضه ذلك التعاون –بحسب بيان المرشد- من حتمية العمل على "بذل مزيد من الجهود المشتركة لتطوير العلاقات بين البلدين أكثر فأكثر".

فى هذا السياق، ثمة جدل بين المهتمين بالعلاقات الإيرانية- السورية بشأن "توصيف" الحدث؛ فهل يعتبر "زيارة طوعية" قام بها الرئيس السورى لطهران تعبيراً عن متانة العلاقات والتحالف "النوعى" الذى يربط البلين، أم إنه "استدعاء" من قبل المرشد الأعلى الإيرانى للرئيس السورى على وقع عدة مستجدات تفرض – من وجهة النظر الإيرانية - "إعادة" حالة الزخم للعلاقات الثنائية بين البلدين، ودفعها إلى درجة أعلى من التنسيق والفاعلية وأحياناً أخرى "الجهوزية"؟!!

أبعاد ومعطيات

الزيارة التى لم يعلن عنها إلا بعد رجوع الأسد لدمشق تمت فى ظل معطيات إقليمية ودولية تتطور بحدة وبسرعة؛ فعلى مستوى ساحة الصراع فى سوريا؛ لازالت إسرائيل تستهدف – على مدار السنوات الخمس الماضية – مواقع عسكرية إيرانية بهجمات صاروخية فى محيط العاصمة دمشق تتمركز فيها ميليشيات الحرس الثورى، وميليشيات مسلحة أخرى تابعة لإيران أبرزها ميليشيات حزب الله اللبنانى. إذ تعتبر إسرائيل الوجود العسكرى الإيرانى سواء فى الجنوب، أو بالقرب من العاصمة دمشق فى الوسط السورى من أكبر مهددات أمنها، واستطاعت تل أبيب كذلك وعبر سنوات الفوز بـ"منحة روسية" كبيرة تمثلت فى "التنسيق الأمنى" مع الجانب الروسى بشأن الضربات العسكرية التى تشنها ضد الأهداف الإيرانية داخل سوريا، من خلال "الإخبار المسبق" للقيادة العسكرية الروسية بالهجمات التى ستستهدفها داخل سوريا. لكن مستجدات الوضع الميدانى على الأرض، وبالتحديد تلك التى تمت فى إبريل 2022، والتى تمثلت فى إعادة انتشار الميليشيات الإيرانية داخل قواعد ومناطق عسكرية كانت خاضعة للإشراف الروسى داخل سوريا، أدت إلى رفع وتيرة الهواجس الإسرائيلية حيال تكريس إيران لنفوذها العسكرى داخل الأراضى السورية.

وسواء كانت عملية إعادة انتشار الميليشيات الإيرانية – خلال إبريل المنصرم - فى مواقع عسكرية روسية داخل سوريا تمت بالتنسيق بين الجانبين الإيرانى والروسى، أو باستغلال إيران حالة الفراغ التى أحدثتها عملية سحب روسيا لبعض قواتها المتواجدة هناك، فإن ثمة من يشير إلى ازدياد الهواجس الأمنية لإسرائيل نتيجة هذا التغيرات على الأرض السورية، الأمر الذى يرفع من "احتمالية" أن تتجه إيران إلى تصعيد جبهة الجنوب السورى مجدداً، إذا ما استمرت إسرائيل فى استهداف ميليشياتها داخل سوريا، بينما يرى آخرون أن التصعيد "المحتمل" لجبهة الجنوب السورى من قبل إيران مجدداً "ربما" يأتى دعماً للمقاومة الفلسطينية فى الأراضى المحتلة التى تشهد حالياً توتراً أمنياً ملحوظاً على وقع المصادمات بين قوات الأمن الإسرائيلية، وعناصر المقاومة الفلسطينية نتيجة الانتهاكات التى يمارسها المتشددون الإسرائيليون داخل المسجد الأقصى فى القدس المحتلة، وكلا الاحتمالين يدفعان إلى عودة متغير "الاستهداف والاستهداف المضاد" بين إيران وإسرائيل على الجبهة السورية ليكون هو عنوان المرحلة القادمة. وعلى جانب آخر، فإن هذه الاحتمالات قد تدفع إسرائيل إلى التلويح بإعادة توظيف "الورقة السورية" كأداة ضغط فى مواجهة روسيا التى سمحت للميليشيات الإيرانية بعملية إعادة الانتشار الواسعة فى وسط وجنوب سوريا، وذلك عبر الترويج لتغير ما قد يشهده الموقف الإسرائيلى من الحرب الروسية ضد أوكرانيا.   

هذا بخلاف أن حالة انشغال روسيا- حليف إيران فى سوريا- بالحرب ضد أوكرانيا، سيتيح لإيران- حال استمرار أمد الصراع الروسى الأوكرانى- الفوز بالعديد من فرص الاستثمار الاقتصادى فى سوريا؛ حيث حرصت روسيا دائماً على ضمان استحواذ شركاتها على معظم العقود الخاصة بإعادة الإعمار لاسيما فى مناطق سوريا المفيدة، هذا إلى جانب عقود الطاقة، والاستثمار فى البنية التحتية، إلى جانب الارتباطات الخاصة بعقود التعاون العسكرية والتسليح. ومن ثم فإن مزيداً من الانشغال الروسى فى أوكرانيا، يعنى بالتبعية مزيداً من تراجع الاهتمام الروسى بسوريا، وهو ما يصب فى صالح الحليف الإيرانى، ومن هنا، يمكن تفسير تصريحات المرشد الأعلى الإيرانى بضرورة دفع العلاقات الإيرانية- السورية إلى مزيد من التنسيق والفاعلية، فى ضوء متغير الحرب الروسية- الأوكرانية وتأثيره على نمط التفاعل الروسى- الإيرانى فى سوريا مؤخراً، بكونها تدفع إلى ضرورة استغلال الطرفين السورى والإيرانى هذا "المستجد النوعى" فى ترقية حالة التعاون الاستراتيجى بينهما.

يضاف إلى ذلك حالة التعثر الشديدة التى تواجه مفاوضات فيينا بشأن البرنامج النووى الإيرانى، على وقع عثرات التفاوض من ناحية، وانشغال الأوروبيين والولايات المتحدة بالحرب فى أوكرانيا من ناحية ثانية، حيث ينعكس تعثر المفاوضات بوضوح على حالة تفاعلات إيران فى الإقليم بصورة مباشرة، فلايزال الجانب الإيرانى مصراً على التمسك بالدور الإقليمى متعدد الجبهات والحلقات الذى يمارسه – عبر عقود – فى المنطقة، ورفضه التام لأى اتفاق يدخل هذا الدور ضمن معادلات المساومة الدولية معه.

كذلك يعد التقارب السورى- العربى من ناحية، والتطبيع العربى- الإسرائيلى من ناحية ثانية، من ضمن الأسباب التى دعت إيران إلى "إعادة تذكير" النظام السورى بأهمية الحفاظ على المصالح الإيرانية فى سوريا، وعدم وضعها موضع مساومة داخل أية معادلات إقليمية دولية من المحتمل ظهورها على وقع حالة التغير التى بدأ يشهدها هيكل النظام الدولى نتيجة الحرب الروسية- الأوكرانية، وما قد يرتبط بها من متغيرات على مستوى الإقليم والعالم.

دلالات الزيارة

المعطيات السابق عرضها، والتى تمت فى إطارها زيارة الرئيس السورى لطهران، عكست بعض الدلالات منها:

1- التأكيد على حالة استمرار التحالف الإيرانى- السورى، بل وازدياده قوة وارتباطاً فى ضوء ما تعكسه التطورات الإقليمية والدولية بالكيفية السابق ذكرها. وهذا يعنى صعوبة "فك الارتباط" بين إيران والنظام السورى فى الأمد المنظور، بل على العكس فانشغال روسيا بحربها ضد أوكرانيا، كما سبقت الإشارة إليه، عزز وسيعزز من حالة البقاء والتمدد العسكرى الميليشياوى الإيرانى فى سوريا.

2- وجود مخاوف إيرانية من وضع سوريا ضمن أوراق الضغط الدولية فى مسار العلاقات المتأزمة بين روسيا وكل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بمعنى أكثر دقة تحاول طهران إعادة رسم خريطة مصالحها الاستراتيجية مع قيادة النظام السورى، عبر لقاء مباشر مع على خامنئى، تحسباً لقيام روسيا فى ظل تعاطياتها مع الأزمة الأوكرانية، بوضع المصالح الإيرانية فى سوريا موضع مساومة مع القوى الدولية. يلاحظ هنا أن روسيا وقبل تورطها فى الحرب ضد أوكرانيا قامت بإعادة نشر قوات الفيلق الخامس من الجيش السورى المدعوم منها داخل مناطق الوسط السورى الاستراتيجية، وتحديداً داخل حمص وكان الهدف وقتها هو مواجهة حالة الانتشار المكثف للميليشيات الإيرانية فى تلك المناطق، ما يشير إلى رغبة روسيا فى تقليص الوجود الإيرانى داخل عمق البادية السورية، فى سياق الصراع بين الحليفين على مناطق النفوذ الإستراتيجية فى سوريا.   

3- ترويج إيران لمقولة "دخول العلاقات الإيرانية- السورية مرحلة جديدة"، أثناء زيارة الأسد مباشرة يعنى أن ثمة "خططاً جديدة" يسعى رأس النظام الإيرانى (المرشد الأعلى) إلى طرحها على القيادة السورية لا من أجل "النقاش" ولكن من أجل "التنفيذ"، وهى خطط يصعب معرفتها، حيث لم يعلن عنها بصورة مباشرة، لكن من المحتمل أن يدور بعضها حول سياسات النظام السورى مستقبلاً، بمعنى إعادة فرز التوجهات السورية الجديدة سواء تجاه دول الخليج وتحديداً السعودية التى دخلت مع إيران فى مباحثات مؤخراً، أو تجاه بعض الدول العربية كالعراق والأردن ومصر؛ وهى الدول التى تسعى لإعادة ربط سوريا بمحيطها العربى عبر اتفاقيات تعاون اقتصادية فى مجال الطاقة والكهرباء وغيرها، فى محاولة لتقليل اعتمادها الحيوى على إيران بما يدفع دمشق إلى التحلل ولو نسبياً من الارتباط بإيران.

المعطيات والدلالات السابقة تشير إلى أن اجتماع الرئيس السورى فى طهران بنظيره الإيرانى وبوجود المرشد الأعلى، فى ظل التوقيت الدولى والإقليمى الراهن، "ربما" يؤشر على "تصعيد نوعى جديد" قد تمارسه طهران على مستوى ملفات انخراطها الإقليمى لاسيما فى الملف السورى، استغلالاً لحالة التغير المحتمل فى نمط تفاعلات وبنية النظام الدولى الحالى على وقع الحرب الروسية الأوكرانية من ناحية، وعلى وقع تفاعلات القوى الدولية مع مفاوضات برنامجها النووى من ناحية ثانية، ومع متغيرات التفاعل الإسرائيلى مع الوجود الإيرانى فى سوريا من ناحية ثالثة.