أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

انتهى الحوار الوطني اليمني في الرياض برعاية مجلس التعاون الخليجي (7 أبريل 2022) إلى عدة مخرجات سياسية، تمحورت حول ثلاث ملفات رئيسية، وهى أولوية الحل السياسي للأزمة اليمنية والتخلي عن الحلول العسكرية، مع التأكيد على أهمية المسار التفاوضي مع الحوثيين برعاية الأمم المتحدة، والإسراع فى تنفيذ مقررات اتفاق الرياض "المُعلَّق" ما بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي مع الإشارة إلى معالجة "القضية الجنوبية"، وتقويض ظاهرة الفساد الاقتصادي المتنامية في أركان الشرعية. لكن المخرج الرئيسي يتمثل في عملية التغيير الشاملة فى سلطة الشرعية، ونقل الصلاحيات من الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس رئاسي مشكل من 8 أعضاء مناصفة بين الشمال والجنوب برئاسة رشاد العليمي، على أن يضم هيئة استشارية، وفريق متابعة للجان العمل الستة فى الحوار (السياسية - الأمنية – العسكرية – الاقتصادية – الإنسانية - الإعلامية).

نقطة تحول في المشهد اليمني

 بشكل عام، يمكن القول إن المشهد اليمني إزاء نقطة تحول رئيسية، انطلاقاً من متغيرين رئيسيين كلاهما يرتبط بدلالة التوقيت: الأول، متغير شكل وهيكل السلطة السياسية، والذي يطوي بدوره عقداً كاملاً للشرعية برئاسة هادي، حيث لم تكرس لبناء نظام أو سلطة مختلفة بقدر ما شكلت جماعة مصالح محدودة أو تحالف منتفعين ما بين رموز من النظام السابق والإخوان المسلمين "الإصلاح"، وكان واضحاً في سياق كواليس الحوار الوطني وترتيباته أن هناك اتجاهاً قوياً لوضع حد لهيمنة "الإصلاح" على القرار السياسي، دون استبعاده كلية من المشهد السياسي.

لكن الأهم من ذلك هو أن هيكل السلطة الجديد كاشف عن عودة تدريجية إلى قواعد اللعبة الحاكمة للسلطة في اليمن، التي كانت أكثر وضوحاً في عهد الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، بصورة محسنة تتوافق وتطورات المشهد اليمني، عبر استبدال الركيزة التي تستند عليها السلطة من "قبائل الطوق" إلى "تحالف القوى السياسية"، وهو استبدال "شكلي" وليس جوهرياً في حقيقة الأمر، بمفهوم "القبلية السياسية" الدارج في اليمن، على نحو يعكس استفادة من الخبرة اليمنية تاريخياً، مع الوضع في الاعتبار أنه لا يزال من المبكر الحكم على قوة هذا التحالف، بل قد يكون الأهم هو مدى قدرة العليمي على إدارة هذا التحالف من جهة أخرى، مع ملاحظة أن هناك إشارات مقصودة في إظهار طبيعة العلاقة والمقاربة الذهنية في التفكير السياسي ما بين الرئيس العليمي والرئيس صالح. 

والمتغير الثاني، توجه السعودية لإنهاء دورها العسكري في الأزمة اليمنية، وهو ما يرتبط بالدلالة الزمنية لمرور 7 سنوات كاملة على الحرب (25 مارس 2015). فعلى التوازي مع مسار "الرياض" تمكن مسار "مسقط" بين الأمم المتحدة والحوثيين من التوصل إلى هدنة قد تكون مقدمة لاتفاق أمني ما بين السعودية والحوثيين في المستقبل لوقف إطلاق النار، مع الوضع في الاعتبار أن الأمر هنا لا يتعلق بإنهاء الحرب في اليمن، وإنما انتهاء الشق المتعلق بالسعودية في هذه الحرب، وهو ما يدركه كافة الأطراف ويطبق ميدانياً، فاتفاق الهدنة دخل حيز التنفيذ – الجزئي- ما بين الرياض والحوثيين، بينما يتواصل التصعيد على الجبهة الداخلية، دون تغير موقف التحالف من الهدنة، حيث استمرت عملية إمدادات الطاقة عبر ميناء الحديدة، كما تجري ترتيبات لتشغيل مطار صنعاء وفق الضوابط المعلن عنها، والتي تلبي في واقع الأمر المبادرة الحوثية، أو وربما "المبادرة الإيرانية" التي حملت نفس صيغة "رفع القيود" عن الحوثيين، واستجابت لها الرياض عبر الوسيط الأممي بصيغة "تخفيف القيود" كبادرة حسن نوايا على الأرجح ستختبر خلال فترة الهدنة.

ويحقق هذا الاتجاه عائداً استراتيجياً مهماً فى إطار رؤية السعودية لإنهاء دورها فى هذه الحرب. فالرياض تراهن على إعادة تموضع مختلفة لدورها فى ملف الأزمة اليمنية بشكل عام، بحيث تنهي الانطباع السائد حول دورها كطرف رئيسي فى الحرب، وتتحول إلى لعب أدوار أخرى كالراعي السياسي للتسويات. ومن المؤكد أن الرياض خلصت إلى نتيجة مستفادة من الدرس اليمني الأخير، وهي أن هذه الحرب فى هذه البلد لا نهاية لها، وبالتالي عليها أن تضع لنفسها خط النهاية فى هذه الحرب التي لن تتوقف. ويعكس الخطاب السياسي السعودي على منصة مجلس التعاون الخليجي أن الرياض وصلت بالفعل إلى نقطة النهاية فى هذه الحرب. لكن لا يعني هذا السياق بالتبعية إنهاء الدور السعودي بالكامل فى الملف اليمني وهو دور رئيسي، لكنه على الأرجح سيتجه من الآن فصاعداً إلى احتواء الأزمة، ووضع ترتيبات خاصة للبنية الدفاعية للتصدي لأي عدائيات محتملة فى المستقبل، مع مشاركة الحلفاء والشركاء الإقليميين والدوليين في التعاطي مع المهددات الناجمة عن الصراع اليمني، لا سيما المهددات البحرية.

المشهد التالي: ثلاث نقاط إشارية

1- مقاربة "انتقال السلطة" و"الانتقال السياسي": لم تأت عملية "انتقال السلطة" ضمن عملية "انتقال سياسي" أو خريطة طريق انتقالية تضم كافة المكونات المتصارعة وفى مقدمتهم الحوثيين وليس القوى  المتصالحة أو المتوافقة سياسياً فقط، ما يعني أنه لا يزال هناك فصول تالية في أزمة ممتدة ربما لعشرية أخرى تالية. فتركيبة السلطة الجديدة، وموقفها من الحوثيين، والعكس رد الفعل الحوثي تجاهها، كلها مؤشرات تعكس أنه لا يزال من المبكر للغاية التوصل إلى مشروع حقيقي للتسوية فى الداخل اليمني.

الأمر الآخر، أن طبيعة المسارات التي قادت إلى نقطة التحول الحالية فى المشهد السياسي اليمني دالة على سيطرة "ذهنية الصفقات" على كافة الأطراف، فالحركة الحوثية أبرمت صفقة مع الرياض يمكن القول أنها أنقذت مصير الحركة من انتفاضة شعبية أو "ثورة جوع" ضدها كانت قادمة بسبب تدهور الأوضاع الخدمية والمعيشية والإنسانية بشكل عام فى مناطق النفوذ، وربما ستذهب الحركة أيضاً إلى "استراحة محارب" مع الرياض وستعيد توجيه فائض التصعيد المسلح إلى الجبهة الداخلية لبناء موازين قوى وحدود نفوذ مع السلطة الجديدة. ولا يختلف الأمر بالنسبة للرئاسي، حيث لا يعتقد أنه بتركيبته الحالية من مصلحته التوصل إلى تسوية سياسية مع الحركة فى إطار معايير موازين القوى الحالية التي تميل لصالح الأخيرة. لذا يسيطر أيضاً على ذهن أغلب تلك المكونات أنه من الضروري إلحاق هزيمة عسكرية بالحوثيين وهي مسألة إشكالية، من حيث كيفية تحقيق ذلك دون إسناد ودور رئيسي للتحالف، بينما هناك اتجاه داخل التحالف للانسحاب من الحرب.

2- "ائتلاف واحد" ومشروعات متعددة: قد يكون "الرئاسي" أقرب إلى صيغة "الائتلاف السياسي" منها إلى "التحالف السياسي". كذلك قد يشكل وجود أغلب أعضاء "الرئاسي" فى الميدان السياسي والعسكري فى اليمن نقطة مرحلية لصالح "الرئاسي" تعوض غياب الشرعية خلال سنوات الحرب. لكن يرجح بمرور الوقت ظهور تيارات داخل هذا الائتلاف، لكل منها مشروعه السياسي، فهناك فريق سيسعى إلى إنتاج طبعة جديدة من النظام السابق، وهو الفريق الذي سيكون أكثر ضراوة تجاه المشروع الحوثي الذي تمدد على أرضيته، وعلى رأسه طارق صالح الذي يتبادل العداء مع الحوثي باعتباره يمثل، رمزياً، عائلة النظام السابق. كذلك الأمر بالنسبة لمشروع الانتقالي "القضية الجنوبية"، فقد أصبح رئيس الانتقالي – عيدروس الزبيدي- جزءاً من السلطة والقيادة الجديدة، وسيستفيد بطبيعة الحال من موقعه الجديد فى هيكل السلطة كنائب لرئيس الانتقالي وهي صيغة تكرس لقاعدة جديدة فى هيكل السلطة (رئيس شمالي ونائب جنوبي)، كما سيستفيد من ضعف وزن غريمه "الإصلاح"، لكن سيتعين عليه تلبية استحقاقات اتفاق الرياض المبرم مع الشرعية السابقة والتي تعيد تجيير فائض القوة الجنوبية بشكل عام لصالح مشروع الدولة الواحدة على حساب مشروع استعادة دولة الجنوب. إلا أنه من المؤكد أن مشروع "الإسلام السياسي" أصبح خارج هذه المعادلة بطبيعة الحال حتى وإن ظل له ممثلون فى السلطة.  

3- حسابات القوى الخارجية: هناك مؤشرات إيجابية فى مسار المشاورات أو قنوات التواصل ما بين الرياض وطهران، ربما انعكست فى معطيات التطور الأخير بشأن الهدنة، سبقها تلميح وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان يؤكد هذا التطور. ومن المؤكد أن التوصل لهدنة فى هذا السياق جرى بدعم إيراني وليس مجرد قرار حوثي منفرد. على الجانب الآخر، من الواضح أن هناك انعكاسات أوّلية لتفاهمات ما بين واشنطن وطهران، وبطبيعة الحال ما بين واشنطن والرياض، حول خفض التصعيد فى اليمن، ووقف الهجمات الحوثية على السعودية، وبالتالى فإن حسابات اليوم التالي لما بعد جولة الرياض الأخيرة، والمبادرة الخليجية لتغير الشرعية، والمبادرة الأممية للهدنة ما بين الرياض والحوثي، هي محصلة لتفاهمات ما بين الفواعل المحليين والخارجيين، وستظل أي متغيرات أو تطورات فى المشهد اليمني رهن هذه المعادلة.

فى الأخير، من المتصور أن المشهد اليمني دخل مساحة جديدة فى مسار الأزمة، على نحو قد يعيد هيكلتها بشكل عام، لكن لا يزال من المبكر ترجمة نقاط التحول فى المشهد اليمني إلى نقاط اختراق تحوله من مسار الصراع إلى عتبة مسار الاستقرار التي تبدأ بعملية وقف شامل لإطلاق النار، والانخراط فى عملية تسوية شاملة، لكن ربما تحقق اختراقاً جزئياً، على صعيد منظور السعودية لهذه الحرب وتغير دورها المستقبلي فى الأزمة، وربما تسجل نقطة اختراق فى تقويض أو احتواء الأزمات الفرعية مثل القضية الجنوبية. وإجمالاً، تمثل عملية خفض التصعيد المسلح، ولو جزئياً، فى إطار الهدنة، نقطة الاختراق النوعية ضمن مشهد إعادة هيكلة الأزمة اليمنية والتي تمثل التطورات التي تشهدها حالياً عتبة تحول فارقة بين ما قبلها وما بعدها.