د. محمد فايز فرحات

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

أعادت العملية العسكرية الروسية داخل أوكرانيا مسألة توسع حلف شمال الأطلسى (ناتو) إلى الواجهة. استندت العملية الروسية إلى مبرر رئيسى مفاده رفضها توسع الحلف شرقا ليضم أوكرانيا بعد عملية توسع بدأت عقب انهيار الاتحاد السوفيتى وانتهاء الحرب الباردة، حيث تم ضم 14 دولة جديدة إلى الحلف خلال الفترة (1999- 2020). ومنذ بدء عملية التوسع، وعلى خلفية التحولات الدولية المتسارعة منذ انتهاء الحرب الباردة، ظل الجدل مفتوحا حول النطاق الجغرافى لعمل الحلف، وطبيعة التهديدات التى يجب أن يعمل عليها. التبعات الاستراتيجية للعملية العسكرية الروسية داخل أوكرانيا ستحافظ على استمرار هذا الجل، وستضيف إليه أسئلة وأبعادا جديدة.

من بين هذه الأسئلة المتصورة: هل يتجه الحلف إلى منطقة المحيطين الهادى والهندى (الإندوباسيفيك)؟ هناك مجموعة من المؤشرات الأولية التى تؤسس لهذا السؤال، جوهرها هو تنامى الاهتمام الأوروبى بهذا المسرح الدولى المهم، الذى اعتمدته الولايات المتحدة وعدد من شركائها فى المنطقة كمفهوم وكوحدة استراتيجية واحدة ليصبح بديلا لمفهوم «آسيا-المحيط الهادى». هذا الاهتمام الأوروبى بدأ بإعلان ثلاث من دول الاتحاد الأوروبى (الأعضاء فى الناتو أيضا)استراتيجيات رسمية إزاء هذا المسرح الدولى الجديد، هى فرنسا وألمانيا وهولندا. قادت هذه الدول تيارا داخل الاتحاد لدفع الأخير إلى إعلان استراتيجية رسمية إزاء الإندوباسيفيك، وهو ما تحقق بالفعل بإصدار مجلس الاتحاد الأوروبى، فى أبريل ٢٠٢١، وثيقة «استراتيجية التعاون فى الإندوباسيفيك»، ثم إصدار المفوضية الأوروبية بالتعاون مع الممثل الأعلى للشئون الخارجية والسياسة الأمنية فى سبتمبر ٢٠٢١ وثيقة أخرى بعنوان “استراتيجية الاتحاد الأوروبى للتعاون فى الإندوباسيفيك”. تبع ذلك تبنى لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان الأوروبى فى 22 مارس 2022 (بعد مرور 27 يوما على بدء العملية العسكرية الروسية داخل أوكرانيا)، تقريرًا حول التحديات الأمنية فى «الإندوباسيفيك»، أكد ضرورة حماية مصالح الاتحاد الأوروبى فى المنطقة بالتعاون مع الشركاء. وكان لافتا تأكيد التقرير أهمية الحفاظ على السلام والاستقرار وحرية الملاحة فى المنطقة، وأن تحقيق الأمن الإقليمى يتطلب حوارًا مفتوحًا وشاملًا مع الفاعلين الإٍقليميين والدوليين من خارج المنطقة. واعتبر التقرير «الحوار الأمنى الرباعى» (كواد) وتحالف «أوكوس» ركائز أساسية فى أمن الإندوباسيفيك.

بجانب هذه الوثائق المهمة الصادرة عن دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبى، والتى أولت اهتماما بالقضايا الأمنية فى الإندوباسيفيك، كان التطور الأهم هو اهتمام الناتو بمسألة الصعود الصينى، وتأثير هذا الصعود على أمن الحلف. فقد ناقش الأخير هذه القضية فى اجتماعه الذى عُقد فى يونيو 2021. وكان لافتا وصف البيان الصادر عن الاجتماع لطموحات الصين بأنها تمثل «تحديات هيكلية» «Systemic Challenges، للنظام الدولى القائم على القواعد وللمجالات ذات الصلة بأمن الحلف». وتضمن البيان العديد من التوجهات السلبية إزاء الصين، ما دفع الأخيرة -من خلال بعثتها لدى الاتحاد الأوروبي- إلى إصدار بيان فى اليوم التالى مباشرة، حذرت فيه الناتو من أن الصين لن تقف «مكتوفة الأيدى» إزاء «أى تحديات تواجهها من جانب الحلف»، ورفضت وصفها بأنها تمثل «تهديدا هيكليا» لأى من دول العالم.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أساس جغرافى لإمكانية مد عمل الحلف إلى الإندوباسيفيك، وهو وجود دولة «إندوباسيفيكية» ضمن أعضاء الحلف، هى فرنسا، استنادا إلى امتلاكها عددا من الجزر بالمنطقة، ما يجعلها دولة من الدول ذات السيادة «الإندوباسيفيكية»، الأمر الذى (قد) يؤسس قانونا لحق فرنسا فى توظيف المادة الخامسة من معاهدة الحلف فى حالة تعرض أى من جزرها «الإندوباسيفيكية» لاعتداء من داخل المنطقة. لقد جاء فى المادة الخامسة من معاهدة الحلف: «يتفق الأطراف على أن أى هجوم أو عدوان مسلح ضد طرف منهم، أو عدة أطراف، فى أوروبا أو أمريكا الشمالية، يُعتبر عدوانا عليهم جميعا...». تعبير «أوروبا أو أمريكا الشمالية» الوارد فى نص المادة (قد) ينصرف إلى أن الإطار الجغرافى لتنفيذ المادة أو الهجوم والعدوان المسلح يشمل أوروبا وأمريكا الشمالية فقط، لكن تفسيرا آخر قد يُطرح هو أن الإطار الجغرافى المقصود هنا لا ينصرف إلى منشأ الهجوم أو العدوان، أو نطاق تنفيذ متقضيات الأمن الجماعى، لكنه مجرد إشارة إلى الموطن الجغرافى الأساسى للدول الأعضاء بالحلف.

هذه التوجهات الأوروبية نحو الإندوباسيفيك قد تغذيها الولايات المتحدة بشكل أكثر كثافة خلال المرحلة المقبلة، سواء على مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبى أو حلف الناتو. من المتوقع أن يغذى هذه التوجهات أيضا اندماج أعضاء من الناتوداخل الأبنية الأمنية الجارى استحداثها وتعميقها داخل الإندوباسيفيك. المثال الأبرز هنا هو تشكيل المملكة المتحدة،مع كل من الولايات المتحدة وأستراليا، فى سبتمبر 2021، تحالف «أوكوس»، الذى أثار الصين بشكل كبير. ورغم ردود الفعل السلبية من جانب فرنسا على هذه الخطوة بسبب إلغاء استراليا صفقة عسكرية متفق عليها بين الطرفين فى عام 2016، لمصلحة صفقة بديلة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لكن الهيكل الراهن لأوكوسلا يمكن اعتباره المحطة الأخيرة، إذ من المتوقع ضم دول أخرى من الناتو إلى هذا التحالف، كجزء من السياسة الأمريكية الرامية إلى بناء شبكة من الأبنية الأمنية حول الصين. التوسع فى هذا التوجه سوف يستتبعه مزيد من الاندماج الأوروبى فى الأبنية ذات التوجهات الصراعية مع الصين، الأمر الذى يفتح المجال أمام مزيد من تورط الناتو فى البيئة الأمنية بالإندوباسيفيك، خاصة فى ظل تنامى المصالح الأوروبية بالمنطقة.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 30 مارس 2022.