صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

على مدى السنوات السبع الماضية، ومنذ إقرار برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل عام 2014، شهد قطاع الصناعة المصرية العديد من التطورات والنقلات النوعية؛ حيث يمثل القطاع قاطرة التنمية الاقتصادية فى الدولة، بالإضافة إلى دوره فى دعم الاستقرار الاجتماعى لكونه قطاعا يوفر العديد من فرص العمل عبر طاقات التشغيل الضخمة التى يستوعبها - نحو 28.2 % من إجمالى العمالة المصرية- بما يساهم فعليا فى معالجة أزمة البطالة، ويرفع من مستوى معيشة الأفراد. وقد تعددت هذه التطورات لتشمل التوسع فى إقامة المدن الصناعية على المستويين الأفقى والرأسى، وتذليل العقبات أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى القطاع الصناعى، والعمل على تعديل الإجراءات التشريعية التى تتعلق بالقوانين الحاكمة لعمل هذا القطاع.

وقد انعكس هذا التطور بصورة إيجابية على مؤشرات الصادرات المصرية الصناعية إلى الأسواق العالمية؛ فوفقا لبيانات وزارة التجارة والصناعة، حقق قطاع الصناعة مؤشرات إيجابية خلال العام المالى 2019- 2020، كان أبرزها بلوغ معدل النمو الصناعى نحو 6.3%، كما ساهم القطاع بنحو 17.1% فى الناتج المحلى الإجمالى، مقارنة بنحو 16.4% فى العام المالى 2017-2018، بما انعكس إيجابا على معدل الصادرات السلعية الذى سجل طفرة كمية خلال عام 2021، الأمر الذى يعكس نموًا واضحًا فى القدرات الإنتاجية السلعية للاقتصاد المصرى.

وتعد الصناعات التحويلية من أهم ركائز قطاع الصناعة فى اقتصادات الدول، ونظرًا لأهمية هذا النوع من الصناعات، اتجهت الحكومة المصرية إلى تطوير شامل لهذا القطاع الصناعى المهم، وذلك بتدشين المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى يهتم برفع تنافسية ثلاثة قطاعات تلعب دورًا كبيرا فى إحداث التنمية المستدامة، هى: الصناعات التحويلية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والزراعة. وتهدف عملية رفع الكفاءة التنافسية لقطاع الصناعة التحويلية إلى تعزيز مساهمة القطاع فى الناتج المحلى الإجمالى للدولة؛ فوفقا لخطط وزارة التجارة والصناعة، فإن برنامج الإصلاح الهيكلى فى مرحلته الثانية -فيما يتعلق بالصناعات التحويلية- يسعى إلى تطوير القطاع عبر عدة آليات، أهمها: رفع معدلات الاستثمار فى القطاع بشكل مستدام، وتوطين وتعميق الصناعة، وتنمية سلاسل التوريد المحلية، والاندماج فى مراحل أعلى فى سلاسل القيمة العالمية والإقليمية، وزيادة القدرة التنافسية دوليًا للصناعات التحويلية، والنهوض بالصادرات الصناعية.

فى هذا الإطار، ركزت الوزارة خططها- خلال العام المالى 2021/ 2022- على عدة ملفات تتعلق بتحسين مستوى أداء قطاع الصناعات التحويلية، ورفع مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى؛ ومن بين هذه الملفات التوسع فى إنشاء المجمعات الصناعية بجميع المحافظات؛ بهدف تعميق التصنيع المحلى جغرافيا، بما يوفر احتياجات السوق المحلية من الصناعات الوطنية، ويقلل من معدلات استيرادها من الخارج، الأمر الذى يلعب دورا كبيرا فى توفير موارد مالية ضخمة تستفيد بها موازنة الدولة. وفى سياق ذلك، تسعى الدولة إلى إقامة 13 مجمعًا صناعيًا متكاملا بحلول عام 2024. أيضا، تعمل الوزارة على تفعيل سبل تعزيز الصادرات المصرية للأسواق الخارجية؛ بهدف الوصول بحجم الصادرات المصرية الصناعية إلى 100 مليار دولار سنويا.
ووفقا لهذه الأهداف والتطلعات، التى تسعى الحكومة -ممثلة فى وزارة التجارة والصناعة- إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، بدا البحث فى المعضلات التى تواجه حال الصناعات التحويلية المصرية - فى وضعها الراهن - ضرورة حتمية للوقوف على مدى وجود «تطور» فعلى وحقيقى شهدته هذه الصناعة، على اعتبار أن التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة تقوم بالأساس على القطاعات الصناعية المختلفة.

فثمة العديد من المعضلات والتحديات التى تواجه عملية رفع كفاءة قطاع الصناعة، وتؤثر سلبا على مساهمته فى النمو الاقتصادى، من بينها: تواضع قدراته على إنتاج وتطوير التكنولوجيا، وما يرتبط بذلك من ضرورة العمل على بناء قاعدة تكنولوجيه وطنية. أيضا، افتقار القطاع لوجود «فئة التقنيين المحليين» الذين يملكون القدرة على التعامل مع تكنولوجيا الآلة وتطوراتها السريعة عالميا. يضاف إلى ذلك، حاجة القطاع الملحة إلى مصادر جديدة للتمويل تختلف عن المصادر الموجودة، لاسيما أن الموازنة العامة للدولة، وموازنات المصانع العاملة فى القطاع لا تملك تمويلا كافيا، هذا بخلاف غياب الاستقرار عن السياسات الصناعية، وتراجع أدوات الرقابة على الأنشطة الصناعية، وعلى جودة المنتج المصنع.

بالإضافة إلى ما سبق، تحتاج الصناعة إلى حزمة من التشريعات التى تنظم عملها فى ظل تغيرات اقتصادية مستمرة على المستوى العالمى، وتغيرات اقتصادية محلية فرضتها حالة مماثلة من التطور الديموغرافى من ناحية، والتطور فى مجال البنية التحتية من ناحية ثانية، وتوجهات التنمية الاقتصادية المتغيرة من ناحية ثالثة. معطيات الواقع الذى يعيشه قطاع الصناعة المصرى بالكيفية السابقة، تدفع إلى التساؤل عن سبل الارتقاء بالجهد التصنيعى، وسبل تعميق الصناعة فى ضوء ما تمتلكه من تكنولوجيا تصنيعية، باعتبار أن معالجة هذه المعضلات يعد هو السبيل الأمثل للارتقاء بالتنمية الصناعية، وتعزيز أهداف التنمية المستدامة، الأمر الذى يفرض حتمية إعادة النظر فى مقومات الصناعة وقدراتها وإمكاناتها؛ بهدف التوصل إلى «تقييم» فعلى وحقيقى لحالة الصناعة المصرية، والتحديات التى تواجهها، وكيفية دفع السياسيات التصنيعية نحو تحقيق التنمية الاقتصادية.

فى هذا السياق، يقدم الدكتور محمد يوسف -الخبير فى التنمية الاقتصادية والتمويل- دراسة بعنوان «الصناعة التحويلية المصرية.. التحديات والسياسات»، يطرح فيها تحليلًا وافيًا لواقع قطاع الصناعة التحويلية المصرية، خلال العقدين الأولين من القرن الحالى، للوقوف على ما يعانيه هذا القطاع من إشكاليات ومعضلات بهدف رسم ملامح عامة لبرنامج تنموى تنبع أهميته، ليس من معالجة تلك الإشكاليات فحسب، وإنما من العمل على النهوض بالصناعة المصرية ودفعها نحو طريق التنمية المنشودة.

ووفقًا لذلك تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة محاور: الأول، يحلل الواقع الراهن للأداء التصنيعى للاقتصاد المصرى؛ عبر البحث عن حقائق ودلائل فى بيانات الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير للصناعة المصرية خلال الفترة من 2002-2020. والثانى، يتناول المشكلات التى تواجه التصنيع التحويلى، والتحديات التى تقف عائقا أمام نهضة صناعية متكاملة، من خلال تحديد ماهية المشكلات التى يعانيها التصنيع المصرى؛ سواء الداخلية أو الخارجية. أما المحور الثالث والأخير، فيقدم فيه الباحث رؤيته الخاصة لبرنامج وطنى يستهدف تحقيق نهضة صناعية مصرية عميقة الأثر ومستدامة الأجل.