شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تثار فى العديد من الدول، التى تطبق سياسات الدعم، جدلية حول منظومة الدعم المناسبة للشرائح المجتمعية الأكثر فقرا، هل هى منظومة الدعم العينى أم منظومة الدعم النقدى المشروط أو الموجه؟ والتى من خلالها يتم تحقيق الحماية الاجتماعية فى معانيها المتعددة؛ الجزئية التى تتعلق بخفض معدلات الفقر، وتحقيق شبكات الأمان الاجتماعى، والكلية المتعلقة بتحقيق التمكين الاقتصادى لهذه الشرائح من خلال آليات وبرامج الحماية الاجتماعية المختلفة. وعبر العديد من الخبرات الدولية ظلت تلك الجدلية قائمة ومستمرة؛ نتيجة لكون المنظومتان – الدعم العينى والنقدى - لهما من المزايا التى تجعلهما وسيلتين ناجعتين فى تطبيق سياسات الحماية الاجتماعية. وانسحب الجدل كذلك على دور سياسات الدعم فى رفع كفاءة برامج الدعم بنوعيها، وزيادة كفاءة إدارة تلك البرامج بصورة تمكن المواطن -المستحق للدعم- من الحصول على حقوقه.

وقد رجحت العديد من الخبرات الدولية التحول للدعم النقدي المشروط مقابل نظام الدعم العيني" السلعي" وذلك نتيجة لعدم فعالية السياسات المطبقة، والخاصة بالدعم العينى، فى محاربة الفقر؛ حيث لم تسهم فعليا في خفض معدلات الفقر، كما أنه لا يمكن اختزال الحماية الاجتماعية فى برامج المساعدات الاجتماعية وحدها، هذا بخلاف ما تتمتع به منظومة الدعم النقدى من مزايا عديدة، أهمها ضبط هيكل الإنفاق العام والمصروفات للدولة.

في هذا الإطار وتحت عنوان "الدعم النقدى المشروط أم الدعم العينى.. أيهما يحقق الحماية الاجتماعية"، أشارت الأستاذة صافيناز محمد أحمد، رئيس تحرير دورية "بدائل"، في افتتاحية العدد إلى أنه وفقا لهذه الجدلية - تطبيق الدعم العينى، أم الدعم النقدى- ظلت تعاطيات الحكومة مستمرة بشأن إعادة هيكلة الدعم بما يضمن تقليل معدلات الفقر، وتضييق الفجوة بين فئات المجتمع بصورة تسهم فى تحقيق العدالة الاجتماعية، وفى الوقت نفسه تلاشى السلبيات التى قد تؤثر فى الموازنة العامة، حيث تهدف سياسات الدعم المختلفة إلى معالجة سلبيات بعض السياسات الاقتصادية والمالية التى قد تؤثر سلبا فى بعض فئات المجتمع.  

وأشارت أيضا إلى أن مختلف أنواع الدعم بصورتيه : العينى والنقدى يلعبان دورا مهما فى تحقيق وإنفاذ برامج "شبكات الأمان" الاجتماعية، والتى تعد محورا رئيسيا فى تعريف الحماية الاجتماعية باعتبارها تشمل توفير الاحتياجات الأساسية للشرائح الأكثر فقرا فى المجتمع، وبرامج التأمين الاجتماعى، وبرامج سوق العمل التى تحقق التمكين الاقتصادى. 

وتحت عنوان "سياسات الدعم في مصر.. الحماية الاجتماعية وجدلية التحول إلى الدعم النقدي"، ناقشت الدكتورة إيمان موسى- باحثة دكتوراة السياسات العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة، والمتخصصة في سياسات وبرامج الحماية الاجتماعية والدعم- تلك الإشكالية من خلال عدة محاور تدور حول مدى نجاح سياسات الدعم النقدى المشروط في تحقيق أهداف الحكومة المصرية للحماية الاجتماعية، سواء بالمعنى الجزئي؛ وهو خفض الفقر، وتحقيق شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا، أو بالمعنى المتكامل وهو الوصول بالأسر الأشد احتياجًا إلى مرحلة التمكين الاقتصادي.

وأشارت أنه بمراجعة مراحل تطور نظام الدعم في مصر، خاصة منظومة الدعم التمويني، يتضح أن هناك زيادة في معدلات الفقر، خلال الفترة من 1999 حتى عام 2021؛ أي خلال عقدين كاملين، ولم تسهم زيادة الإنفاق على الدعم في تحسين مستوى المعيشة، بل زادت نسبة الفقراء، الأمر الذي يعكس خللاً في هيكل الدعم نفسه من حيث التوزيع، وآلية ضبط قاعدة بيانات المستفيدين، وينعكس ذلك بدوره في قاعدة بيانات المستفيدين من الدعم التمويني. كما أوضحت أن الفترة منذ عام 2019، شهدت، للمرة الأولى، انخفاضًا في معدلات الفقر، نتيجة للنجاح النسبي الذي حققه برنامج الإصلاح الاقتصادي 2016، كما شهدت برامج الحماية الاجتماعية تطورات إيجابية منذ بداية عام 2015، مع تطبيق منظومة الدعم التمويني الجديدة، وارتفع مستوى هذه البرامج خلال عام 2018، مع بداية تطبيق الدعم النقدي المتمثل في برنامجي "تكافل" و "كرامة"، حيث اتسمت الفترة من 2014 /2015 إلى 2017 /2018 بالارتفاع المستمر في الإنفاق العام على برامج الدعم النقدي المشروط.

وأشارت إلى أن العبرة ليست بزيادة الإنفاق على منظومة الدعم بمختلف أنواعها للحد من الفقر، وإنما بحسن إدارة المنظومة نفسها؛ فزيادة الإنفاق على الدعم لم تسهم في خفض معدلات الفقر، وإنما حدث الانخفاض عقب إعادة برمجة منظومة الدعم، وذلك بإنشاء منظومة للدعم النقدي المشروط، بالتوازي مع إعادة هيكلة منظومة الدعم السلعي، وتحويلها لمنظومة دعم شبه نقدي، حيث ساهمت عملية إعادة هيكلة منظومة الدعم في انتشال الأسر من تحت خط الفقر، وتحسين العملية التعليمية، والصحة العامة.

وخلصت الدراسة إلى أن تحديد الأولويات بشأن مرحلة تصميم وصياغة سياسات الحماية الاجتماعية المتكاملة سيجعل مرحلة التنفيذ أكثر سلاسة، بما سينعكس إيجابيًا على مرحلة تقييم تلك السياسات بهدف الوقوف على مدى نجاحها في تحقيق نتائج ومخرجات أكثر إيجابية تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.