أحمد عليبه

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

حسمت روسيا معادلة الاشتباك لصالحها سريعاً فى شرق أوكرانيا، لتثبيت موقفها السياسي بالاعتراف بجمهوريتى دونتسك ولوغانسك بالقوة. وربما سيكون هذا الحسم السريع دون مقاومة كبيرة للجيش الأوكراني، وعدم قدرة القوى الخارجية على التحرك فى مساحة "الردع" مشجعاً لخطوة تالية فى السيطرة على مناطق استراتيجية أخرى فى هذه الحملة مثل خاركييف– ثاني أكبر المدن الأوكرانية– وماريبول وأدويسا وكراماتورسك التي تشكل الحزام الممتد من الجنوب إلى الشرق وباتجاه الشمال عند التقاء الحدود مع بيلاروسيا، وهو ما تعكسه بنوك الأهداف الحالية منذ انطلاق العملية العسكرية التي بدأت من بيلاروسيا شمالاً والقرم جنوباً، ثم انتقلت إلى الغرب من خلال استهداف مناطق رئيسية مثل لفيف بالقرب من الحدود البولندية.

وبالتالي من الناحية الاستراتيجية، تكشف خريطة اليوم الأول للعمليات العسكرية، التي بدأت في 24 فبراير الجاري (2022)، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر حاجز دونباس إلى كييف، وهو فى الواقع هدف سهل للسيطرة عليها بالنظر إلى استعدادات بوتين العسكرية وفقاً لمناورات "الردع الاستراتيجي" التي انطلقت قبل نحو أسبوع فى بيلاروسيا، والتي لم تكن سوى عملية إحماء لاجتياح كييف مباشرة.

لكن من المتصور أن استهداف لفيف من جهة الغرب مع بولندا ينطوي على دلالة استراتيجية تتمثل في أن بوتين قبِل تحدي حلف "الناتو" وتحريك خط دفاعه الأمامي إلى خطوط التماس معه لقطع الطريق على الحلف مستقبلاً فى تحريك الخط ذاته فى اتجاه مضاد نحو موسكو. فالآن، ووفقاً للأمين العام للحلف ينس سلتنبيرج، فإن الحلف يقوم بعملية تأمين موقفه الدفاعي، فى شرق أوروبا، ولن يتجاوزها بالدخول إلى أوكرانيا.

وعلى ضوء ذلك، لن يطور "الناتو"، في الغالب، قواعد الاشتباك أو يقدم على تحرك مضاد، وهو من الناحية العملية، ووفقاً لخريطة الانتشار على الأرض وفى البحر، لا يمتلك القدرة على تطوير قواعد الهجوم، رغم ما أشار إليه سلتنبيرج من وجود 120 سفينة فى البحر. فعلى سبيل المثال، فى خاصرة هذه السفن هناك حشد عسكري روسي (15 قطعة بحرية وأكثر من 30 مقاتلة MIG31 K وصورايخ "كينجال" وقاذفات قنابل طويلة المدى من طراز "توبولوف تي. يو. 22 – إم" الاستراتيجية) فى شرق المتوسط قبالة السواحل السورية فى إطار مناورة روسية–سورية مشتركة كانت ضمن عملية التعبئة لحرب أوكرانيا، حيث تزامنت مع مناورات بيلاروسيا، بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ضمن عملية استنفار شاملة لكافة أساطيلها التي تتضمن 140 قطعة بحرية فى وضع استعداد عملياتي.

فضلاً عن ذلك، فإن التغطية الدفاعية والهجومية لروسيا ربما تتجاوز حائط أوروبا الشرقي، وليس أوكرانيا فقط. صحيح أن طبيعة كثافة الانتشار تبدو أكثر في مناطق غرب روسيا للوصول إلى أكبر كم من الأهداف فى أوكرانيا، لكن ثقل "الردع الاستراتيجي" فى بيلاروسيا هو العامل النوعي فى هذا السياق. ومن الأهمية بمكان أيضاً الإشارة إلى عملية تدمير 74 منشأة وتدمير 11 مدرج طيران فى منتصف نهار اليوم الأول للحرب، وهى مسألة مهمة فى قراءة "الناتو" لأداء القوات الروسية. وعلى الأغلب، سيكون تقييماً لصالح روسيا، كما أن سهولة استهداف القوات الجوية الروسية للمنظومات الدفاعية الأوكرانية هى علامة أخرى لصالح موسكو، كونها منظومات "الناتو" التي كان يفترض أن تضمن سلامة أجواء أوكرانيا لكنها فشلت فى أول اختبار.

المحور الرخو

هكذا، يمكن القول إن أوكرانيا كانت المحور الرخو فى معادلة "شد الأطراف" بين الجانبين والتي لم تبدأ الآن، لكن ربما منذ عام 2014، وكان من الواضح للأطراف أن اتفاق "مينسك 2015" هو محاولة لترحيل معركة مؤجلة لكنها كانت واردة لا محالة، فالاتفاق لم يكن أكثر من غطاء للطرفين لاستراحة حرب من الجانبين، فروسيا دعمت الانفصاليين فيما دعمت الولايات المتحدة و"الناتو" القوميين فى كييف، لكن من الواضح أن بوتين أكد على أن قدرته على المبادرة باتخاذ قرار الحرب هو ما سيحسم سباق لعبة شد الأطراف فى 7 سنوات.

 وفى هذا الصدد، يشير معهد دراسات الحرب ISW إلى أن هناك درساً مستفاداً من التدخل الروسي فى سوريا بالتزامن مع مبادرته السابقة تجاه القرم، فلم تكن لديه إرادة المبادرة فقط إلى الاستحواذ على القرم، وإنما استراتيجية أوسع للوصول إلى المياة الدافئة فى إطار خطة استعادة قوة ونفوذ روسيا العظمى فى مرحلة ازدهار الاتحاد السوفيتي.

على الجانب الآخر، من السهولة بمكان قراءة اعتبارين رئيسيين: أولهما، أن أوروبا كانت مقتنعة إلى حد كبير بأن الحرب العالمية الثانية كانت آخر الحروب العالمية التي لا يمكن أن تتكرر، لكن فى الوقت ذاته لم يفكر "الناتو" فى أنها لا يجب أن تتكرر، وهو ما تؤكده موسكو بأن عليه التراجع عن ضم المزيد من الحلفاء بعد عام 1997 بضم 14 دولة له.

وثانيهما، أن الولايات المتحدة لم تكن لديها رفاهية الانخراط فى تقويض انطلاقة موسكو فى تلك الساحات المختلفة، فقد كانت منخرطة لعقدين من الزمن فى حربى العراق وأفغانستان، وهو ما التفت إليه وزير الدفاع الأمريكي شاك هاجل عام 2014 بالتزامن مع بدء الأزمة الأوكرانية، بتحذيره من أن "القوة الأمريكية تتآكل". صحيح أنه كان يشير إلى تراجع هيمنة الولايات المتحدة على التكنولوجيا العسكرية، لصالح الصين وروسيا، لكن من المؤكد أن رمزية "التآكل" كانت مؤشراً واضحاً على ما يعتري القوة العسكرية الأمريكية من تراجع، وبالتالي فإن محصلة هذين الاعتبارين هى أن اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة دفاعياً شكل بدوره معضلة للأمن الأوروبي، بل على العكس من ذلك فإن الولايات المتحدة تاريخياً هى آخر القوى التحاقاً بأزمات من هذا النوع قد تفتح الباب لحرب عالمية، بل من الناحية الاستراتيجية فإن الولايات المتحدة تراقب موقف الصين واحتمالات تحركها فى المستقبل فى حال امتدت الأزمة باعتبار ذلك أولوية. فضلاً عن ذلك، فإن العقوبات التي تفرضها على روسيا بعد تدخلها العسكري ضد أوكرانيا قد تفرض تداعيات عكسية، في ظل ما يمكن أن تنتجه من ارتدادات اقتصادية سوف تصل إلى الدول الغربية نفسها.

كذلك، بدا سيناريو إنكار الواقع جلياً في موقف الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي، الذي كان يتحدث عن قدرة قواته على "إنجاح الردع" فى مواجهة القوات الروسية، بينما كانت القوات الروسية تستولي على مطار أنتونوف العسكري فى جوستوميل (30 كلم غرب كييف). وربما يكون زيلنسكي يحاول تغطية الوضع بهذا السيناريو كنوع من الاستسلام للأمر الواقع، قبل حصار كييف التي بدت شوارعها خالية تماماً استعداداً لهذه المرحلة، وهو ما يؤكد أيضاً على صعوبة استجابة المواطنين لنداءات حمل السلاح لمواجهة القوات الروسية. وفى ظل هذه الأجواء، فإن الخطة التالية للتحرك الروسي ستتوقف على تقدير الموقف للخطوة المقبلة بعد هذا الحصار، وما إذا كانت ستتحول الشوارع والساحات الخالية إلى فوضى أم العكس، وكذلك الخطوات السياسية التالية إذا ما تمت إزاحة نظام زيلنكسي وتعيين نظام بديل أو لم تتخذ إجراءات في هذا الشأن.

فى الأخير، لا يمكن قراءة النتائج النهائية للعملية العسكرية الروسية فى ضوء تقييم معطيات اليوم الأول فقط، فبمرور الوقت سيكون هناك المزيد مما يمكن قراءته ليس فقط على مستوى أوكرانيا، التي تحولت إلى بؤرة للعمليات العسكرية، لكن خارج هذه الحدود أيضاً.