د. محمد عباس ناجى

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

سارعت روسيا إلى التدخل في أزمة الاحتجاجات التي اندلعت في كازاخستان، بداية من 2 يناير الجاري، وإن كان في إطار منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" التي أرسلت قوات حفظ سلام للمساعدة في استتباب الأمن ومنع انتشار الفوضى. ويمكن القول إن ثمة اعتبارات عديدة دفعت روسيا إلى تبني هذا النهج، الذي يختلف، إلى حد ما، عن ردود فعلها إزاء أزمات أخرى واجهتها بعض دول آسيا الوسطى ولم تنخرط فيها على هذا المستوى، على غرار ما حدث في قيرغيزستان في عام 2020 على سبيل المثال.

أول هذه الاعتبارات يتعلق بكون هذه الدول تعد بمثابة "الحديقة الخلفية" لروسيا، على نحو يدفعها دائماً إلى إتباع سياسة متشددة، خاصة إزاء الوجود الغربي في تلك المنطقة، الذي ترى أنه يسعى إلى الاقتراب من حدودها وتهديد أمنها ومصالحها. وقد انعكس ذلك بشكل واضح في تصريحات الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين، في 10 يناير الجاري، التي قال فيها إن "روسيا لن تسمح بثورات ملونة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة".

أما ثانيها، فيتعلق بتوقيت الأزمة، الذي توازى مع تفاقم الخلافات الروسية- الغربية في أوكرانيا، في ظل التهديدات الروسية المتكررة باستخدام الخيار العسكري في التعامل مع الأخيرة التي تبدي قلقها من تداعيات انضمامها المحتمل لحلف الناتو. وهنا، وللمفارقة، فإن هذه التهديدات الموجهة لأوكرانيا لا تنفصل عن المخاوف الروسية من المسارات التي كان يمكن أن تتجه إليها احتجاجات كازاخستان. فالهدف واحد وهو إبعاد الغرب وحلف الناتو عن ما تسميه موسكو بـ"مجالها الحيوي"، أو بمعنى أدق إعادة التوازن الاستراتيجي إلى مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو أمر لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض حالياً، حتى وإن كانت روسيا قد تمكنت في الفترة الماضية من استعادة جزء من مكانتها كقوة رئيسية على الساحة الدولية.

ورغم أهمية الأزمتين بالنسبة لموسكو، فإن اندلاعهما واستمرارهما في وقت واحد كان من الممكن أن يربك حساباتها ويضعف موقعها في مواجهة خصومها، على نحو دفعها مبدئياً إلى احتواء الأزمة في كازاخستان للتفرغ إلى الملف الأهم الذي لا يقل أهمية وهو منع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.

تصفية حسابات

لكن ذلك قد لا يمثل سوى قمة جبل الجليد فقط، الذي تظهر قمته فيما يختفي قسمه الأكبر تحت الماء؛ فالمسألة لا تنحصر فقط في احتواء أزمة كان من الممكن أن تتحول إلى "ثورة تطيح بنظام حاكم في دولة قريبة من روسيا، أو تَوَازيها مع أزمة أخرى مصيرية بالنسبة لموسكو، وإنما تمتد إلى تخوف الأخيرة من احتمال إقدام القوى المُناوِئة لها على التدخل في الأزمة بما يمكن أن يفرض تهديدات جدية لمصالحها.

بمعنى آخر، فإن تخوفات روسيا تكمن في أن تدخلها في الصراع السوري أسقط حسابات قوى عديدة كانت تراهن على الإطاحة بنظام الأسد، على نحو قد يدفع تلك القوى إلى الرد على التدخل الروسي في سوريا بالتدخل في كازاخستان. وهنا، فإن روسيا تضع نصب أعينها الموقف الأمريكي تحديداً، حيث ترى أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قد تُسارِع، في حالة تمدد الاحتجاجات واستمرارها، إلى الانخراط في الأزمة بما يفرض ضغوطاً أقوى على موسكو، ويوفر لواشنطن ورقة ضغط تستطيع التلويح بها في إدارة علاقاتها مع موسكو حول الأزمة الأوكرانية أيضاً.

ويمكن القول إن روسيا سارعت إلى دعم النظام في كازخستان لاحتواء الاحتجاجات قبل إجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية حول الملف الأزمة الأوكرانية في جنيف في 10 يناير الحالي، فضلاً عن المفاوضات مع حلف الناتو بعد ذلك بيومين، على أساس أن ذلك يعزز موقعها التفاوضي ولا يوفر هامشاً أوسع من حرية الحركة والمناورة أمام المفاوضين الأمريكيين والغربيين بشكل عام.

وبالطبع، فإن ما منح التحرك الروسي قوة دفع أكبر هو اتجاه واشنطن إلى الانخراط تدريجياً في أزمة كازاخستان، وإن كان حتى من باب الضغط على موسكو، خاصة عندما بدأت تبدي تحفظات إزاء التدخل العسكري الروسي، على نحو ما انعكس في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن التي قال فيها إنه "بمجرد أن يصبح الروس لديكم، فمن الصعب إقناعهم بالمغادرة".

عودة الإرهابيين

الأخطر من ذلك في رؤية موسكو، هو أن عدم التدخل سريعاً في الاحتجاجات قد يؤدي إلى تصاعد حدتها وانتشار الفوضى، وهى البيئة المثلى التي تستقطب التنظيمات الإرهابية حول العالم. وهنا، فإن موسكو تضع في اعتبارها أنها تغاضت عن انتقال مجموعات من الإرهابيين من مناطق ودول قريبة من حدودها إلى سوريا للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية ضد النظام السوري، وتمثلت مقاربتها في هذا السياق في أن قتال الإرهابيين في دمشق أفضل بكثير من قتالهم في موسكو.

واللافت في هذا السياق، أن كازاخستان كانت إحدى الدول التي انتقلت منها جماعات إرهابية عديدة للانخراط في الصراع السوري، على غرار جماعة "الجهاد الإسلامي الكازاخستاني"، التي أعلنت أجهزة الأمن الكازاخستانية، في 21 نوفمبر الماضي، عن نجاحها في اختراقها واختطاف زعيمها ونقله إلى كازاخستان بعد ورود معلومات تفيد سعى تلك الجماعة إلى تجنيد مواطنين وعناصر متعاطفة معها لتنفيذ هجمات إرهابية داخل أراضيها.

من هنا، فإن تصاعد الأزمة في كازاخستان كان من الممكن أن يدفع تلك الجماعات إلى العودة مجدداً إلى موطنها الأصلي أولاً لتكريس نفوذ لها في الداخل وربما تحقيق ما فشلت في تحقيقه في سوريا، وثانياً للرد على الانخراط العسكري الروسي في الصراع السوري الذي أدى إلى تغيير توازنات القوى في غير صالح هذه التنظيمات.

ختاماً، ورغم احتواء أزمة احتجاجات كازاخستان بشكل مبدئي، فإن ذلك لا ينفي أن منطقة آسيا الوسطى في مجملها تبدو مقبلة على استحقاقات سياسية واستراتيجية لا تبدو هينة، على نحو يوحي بأن الصراع الروسي- الغربي الذي يتواصل حالياً حول أوكرانيا قد ينتقل تدريجياً إلى تلك المنطقة في المرحلة القادمة.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 16 يناير 2022.