رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

شهدت كازاخستان- أكبر دول آسيا الوسطى مساحة وأقواها اقتصاداً- أسوأ موجة عنف في تاريخها، لمدة 9 أيام، تم فيها الاستيلاء على مباني الحكم المحلي، وإحراقها في عدد من المدن الكبرى، بعد أن تحولت الاحتجاجات السلمية، على نحو دراماتيكي، من احتجاجات ضد إنهاء الحكومة الحدود القصوى لأسعار الغاز المسال كجزء من خطة لتحرير سوق الطاقة في البلاد، إلى أعمال عنف بدت وكأنها ممنهجة. وقد انتهى التعامل الأمني مع الاحتجاجات إلى اعتقال 7939 شخصاً، ومقتل 164، وإصابة أكثر من 1300 آخرين، وفقاً لبيانات وزارة الداخلية الكازاخستانية، فيما قدرت الغرفة الوطنية لرجال الأعمال الأضرار المادية الأوَّلية الناجمة عن هذه الاضطرابات بحوالي 215 مليون دولار حتى 10 يناير الحالي، بعد تعرض أكثر من مائة متجر وبنك للنهب، وتدمير أكثر من 400 سيارة.

وعلى الرغم من الضبابية التي أحاطت بالمشهد الكازاخستاني، وتأكيد وزير الدولة إيرلان كارين أن الاستخبارات الكازاخستانية ستعلن قريباً عن حقيقة الأحداث، ومن يقف ورائها، فإن الاضطرابات التي شهدتها كازاخستان قد اتخذت بعداً آخر، يبعدها عن كونها مجرد احتجاجات شعبية نتيجة سياسات غير رشيدة، أدت إلى وجود شريحة من المنتفعين من المقدرات الاقتصادية للبلاد، وبالتالي حجبها عن المواطنين، وذلك في ظل التدخل السريع لقوات "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي نفذت أول عملية حفظ سلام لها منذ نشأتها، عقب ساعات قليلة من طلب الرئيس قاسم جومارت توكاييف من المنظمة التدخل لحل الأزمة، بعد تأكيده أن ما تعرضت له بلاده كان محاولة انقلاب من قبل إرهابيين محليين وأجانب، وليس ثورة ملونة، وعلى وجود أدلة على مشاركة إرهابيين أجانب في الاضطرابات.

صراع نخبوي

في ظل تعدد الإشارات حول أسباب وتوقيت الاضطرابات التي شهدتها كازاخستان، التي بدت وكأنها نسخة مما أُطلق عليه اصطلاحاً الربيع العربي، حيث نادى المتظاهرون بعدالة سياسية تسمح بشغل أشخاص لا تربطهم علاقة بالنظام الحالي للمناصب السياسية، وتغيير الحكومة على خلفية قراراتها بشأن تحرير سعر الغاز، وتحديد فترة حكم الرئيس، بالعودة إلى دستور 1993، وإجراء انتخابات مباشرة لحكام المقاطعات بدلاً من تعيينهم من قبل الرئيس، وانتهت بتدخل عسكري أجنبي لقوات قوامها 2000 جندي بقيادة روسية، يمكن القول إن المشهد في كازاخستان قد تمت إدارته من قبل جهات عدة، داخلية وخارجية، بهدف تحقيق مآرب بعينها.

على الصعيد الداخلي، وعقب التحول المثير للجدل لمشهد الاحتجاجات السلمية، اتهم الرئيس الكازاخستاني سلفه ورئيس مجلس الأمن القومي نور سلطان نزارباييف، بالعمل على تكوين "طبقة ثرية" تهيمن على مقدرات البلد الغني بالموارد الطبيعية، وتعيينه لأقاربه في مناصب مهمة سياسية واقتصادية، مما أدى إلى تصاعد غضب مجتمعي، حيث منحت هذه الاحتجاجات الرئيس توكاييف الفرصة  لتقييد نفوذ نزارباييف من خلال إقالة الحكومة، التي تدين بالولاء للأخير، في خطوة من شأنها أن تُنهي حالة ثنائية الحكم في كازاخستان منذ أن سلم نزارباييف الحكم لخلفه توكاييف عام 2019. بل إن توكاييف أمعن في إبعاد سلفه عن دائرة النفوذ بتولي منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي وإقالة نائب رئيس المجلس عظمات عبد المؤمنوف.

وعلى الأرجح، وضع الاتجاه التصعيدي للاحتجاجات الرئيس الكازاخستاني أمام خيارات ضيقة، عقب الإخفاق في تهدئة الأوضاع بعد إعادة أسعار الغاز إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاجات، وإقالة الحكومة، وعدد من المسئولين في الدولة، لاسيما في ظل التخوف من ولاء قوات الأمن لنزارباييف، الذي قُلص نفوذه بهذه الإجراءات، وبالتالي طلب توكاييف المساعدة الأمنية من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي مارست الدور الأهم في فض الاحتجاجات واستعادة الأمن والبدء في اتخاذ قرارات سياسية من شأنها التأكيد على أن الأوضاع تحت السيطرة، حيث عين الرئيس الكازاخستاني، عليخان سمايلوف، رئيساً للوزراء، بعد موافقة البرلمان عليه بالإجماع، وكلفه بتشكيل الحكومة.

وبالنظر إلى المدن التي اندلعت فيها شرارة الاحتجاجات يلاحظ أنها بدأت في مدن غرب كازاخستان، في إقليم يقطنه عرق الجوز الأصغر، ثم انتقلت إلى مدن الجنوب، حيث عرق الجوز الأكبر، مما يعني أن الاحتجاجات قد بدأت من قبل الأعراق الكازاخستانية المهمشة، مما يعني أن ثمة غضباً عرقياً بات في التشكل يُضاف إلى الغضب الشعبي من غياب العدالة الاجتماعية والسياسية في البلاد.

ويمكن القول إنه خلال هذه الاحتجاجات قد تلاقت مصالح الرئيس الكازاخستاني مع مصالح روسيا مباشرة، وهو ما دفع توكاييف إلى الميل ناحية روسيا، على الرغم من العلاقات المتوازنة التي تحافظ عليها كازاخستان مع روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية على حدٍ سواء، مع إدراكه أن العملية العسكرية التي قادتها روسيا في بلاده قد عززت موقف الأخيرة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو موقف حرصت كازاخستان على تجنبه قبل ذلك حفاظاً على علاقاتها مع الأطراف الدولية المؤثرة في المنطقة كافة.

ورغم أن السلطات الكازاخستانية أعلنت، في 12 يناير الجاري، أنه تمت السيطرة على الفوضى واستعادة النظام من جديد، وأن قوات حفظ السلام التي أرسلتها منظمة معاهدة العمل الجماعي سوف تبدأ في الانسحاب، فإن ذلك لا ينفي أن اتجاهات العلاقات بين كازاخستان وكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية سوف تشهد، على الأرجح، تغييرات عديدة خلال المرحلة القادمة، على ضوء المعطيات الجديدة التي فرضتها الاحتجاجات، والترتيبات السياسية والأمنية التي جرت إعادة صياغتها من جديد على خلفية هذه الاحتجاجات.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 16 يناير 2022.