د. محمد السعيد إدريس

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

 

مقدمة:

مع إستئناف المحادثات النووية حول الاتفاق النووى الإيرانى الموقع عام 2015 بين كل من إيران والقوى الدولية الكبرى (مجموعة 4+1) بمشاركة أمريكية غير مباشرة فى العاصمة النمساوية فيينا يوم 29 نوفمبر الماضي (2021)، يمكننا أن نقول أن مرحلة جديدة من إدارة الصراع حول إيران استؤنفت. وعندما نقول "مرحلة جديدة من إدارة الصراع حول إيران" فإننا نعنى الربط بين الاتفاق النووى الإيرانى كعنوان للمشروع النووى الإيرانى وبين مجمل القدرات الإيرانية ومن بينها "المشروع الإقليمى لإيران".

وإذا كانت الجولة السابعة من المحادثات التى استؤنفت يوم 29 نوفمبر الماضي قد انتهت بقدر لا بأس به من الإحباطات المتبادلة بين إيران ومفاوضيها من القوى الدولية خاصة الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) والولايات المتحدة، باعتبار أن كلاً من روسيا والصين طرفان داعمان لإيران، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بسبب تعثر الوصول إلى توافقات وتبادل الاتهامات سواء من جانب الأمريكيين والأوروبيين لإيران بالتشدد وعدم الالتزام بما تم التوافق عليه، فإن إقبال الوفود التفاوضية على "الجولة الثامنة" التى بدأت يوم 27 ديسمبر الفائت جاء ضمن حزمة مهمة من التطورات بعضها يحمل مؤشرات إيجابية تُنبئ بفرص مواتية لنجاح هذه الجولة التى ربما تكون آخر الجولات بوصول هذه الأطراف إلى الحلول المأمولة للمشاكل المعقدة المطروحة للتفاوض، وبعضها الآخر يحمل حزمة أخرى من المؤشرات التى تُنبئ بالعكس، أى فشل المفاوضات.

ما يهمنا فى هذا التحليل أن نتعرف بدقة على تلك الفرص المواتية وغير المواتية من منظور دراسة العلاقة بين نتائج المحادثات والمشروع الإقليمى الإيرانى الذى يجسد جوهر الصراع حول إيران، وكيف ستؤثر النتائج المحتملة للتفاوض على هذا المشروع. وللوصول إلى ذلك سوف نبدأ بالتعريف أولاً بالمشروع الإقليمى الإيرانى والبيئة الإقليمية التى يعمل خلالها، وبعدها نبحث فى أوراق القوة وأوراق الضعف التى ذهبت بها إيران إلى فيينا للتباحث حول العودة إلى الاتفاق النووى، وبعدها نتحدث عن الفرص والتحديات التى تواجه إيران فى فيينا وانعكاساتها على المشروع الإقليمى الإيرانى.

المشروع الإيرانى وبيئته الإقليمية

من الصعب الفصل بين المشروع الإقليمى لإيران وبين نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فنظام الجمهورية الإسلامية يمكن وصفه بأنه نظام ثورى يسعى إلى التغيير وتصدير الثورة لفرض نموذجه على الجوار الإقليمى، كما يمكن وصفه بأنه نظام أيديولوجى إسلامى راديكالى يطرح الرسالة العالمية للإسلام ويرفع شعارات تدفعه حتماً إلى الصدام مع دول الجوار أبرزها شعار "البراءة والموالاة"، الذى يعنى التبرؤ من الظلم والاستكبار ومعاداتهما بل ومواجهتهما من ناحية وموالاة المستضعفين ودعمهم فى كل مكان فى العالم من ناحية أخرى، الأمر الذى يعنى حتمية التورط فى سياسات تدخل فى الشئون الداخلية للدول، والتغلغل إلى داخلها والتحالف مع قوى سياسية داخلية، والدخول فى صدامات مع أطراف دولية وإقليمية أخرى. كما أن هذا النظام يوصف أخيراً بأنه نظام طائفى – مذهبى حيث تنص المادة رقم 13 من الدستور على أن "الدين الرسمى لإيران هو الإسلام والمذهب هو الجعفرى الاثنى عشرى"، كما تنص المادة 76 من الدستور الخاصة برئيس الجمهورية على "أن يكون إيرانى الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمى للبلاد".

وبسبب هذين النصين ومسائل أخرى مهمة واجهت الجمهورية الإسلامية السؤال الصعب: هل هذه التجربة تعبير عن ما يسمى بـ "العالمية الإسلامية" و"الوحدة الإسلامية"، أم هى تعبير عن إسلام طائفى شيعى، بمعنى آخر هل الجمهورية الإسلامية مشروع إسلامى عالمى أم هى مشروع شيعى طائفى؟

على المستوى الرسمى هناك نفى قاطع لأى اتهامات لمشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنه مشروع شيعى طائفى، لكن الممارسات العملية تكشف عن دور مهم للمحدد الطائفى فى صنع السياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً.

الوقوف عند السؤال السابق أو الاكتفاء به يؤدى إلى طمس نصف الحقيقة مع التشكيك فى النصف الآخر. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ترتكز فى الواقع على دعامتين على نحو ما ينص الاسم: الجمهورية (أى المصلحة) والإسلامية أى الأيديولوجيا. وهى مزيج أو خليط من الدولة والمجتمع الإيرانى بتاريخه الطويل والعميق والممتد وتجاربه الإمبراطورية والدور التاريخى للشعب الإيرانى فى الثقافة والحضارة العالمية ثم الإسلام كأيديولوجية.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية هى مصالح إيران أولاً الدولة والمجتمع والحضارة والتاريخ والدور بغض النظر عن كونها إسلامية أم غير إسلامية، وهذا هو جديد الجمهورية الإسلامية كونها ملتزمة بمشروع إسلامى عالمى له التزاماته بغض النظر عن كونه مذهبياً، لكن المذهبية الشيعية تضيف أعباءً والتزامات أخرى على كاهل هذه الجمهورية.

هذا يعنى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست كلها إسلام وأدوار والتزامات إسلامية أو حتى طائفية شيعية لكنها أولاً دولة إيران بمجتمعها وأصوله الاجتماعية التعددية التى تتكون من قوميات وأديان وطوائف متعددة، وبمصالحها القومية ومتطلبات الأمن القومى الإيرانى.

الخليط بين المصالح القومية والاعتبارات الإسلامية قد يختلف من تيار سياسى إيرانى إلى آخر (محافظ تقليدى، محافظ أصولى ثورى، إصلاحى معتدل أم إصلاحى متطرف) ومن زعيم إيرانى إلى آخر، لدرجة نستطيع أن نقول معها أن فى إيران كل ألوان الطيف الممتدة من أقصى حماس للمصالح القومية دون اعتبار للإسلام وأقصى حماس للإسلام دون اعتبار للمصالح القومية. وبين هذين المحورين الافتراضيين تتعدد القوى والتيارات السياسية وتتباين وتتوافق حول الرؤى والسياسات والبرامج الوطنية.

لكن بشكل عام نحن أمام تجربة سياسية جديدة محاصرة بسبب خصوصيتها، ورغم ذلك استفادت من مصادرها واكتسبت قدرات مادية وعلمية وعسكرية ومكانة سياسية فى العالم العربى وفى الأقاليم المجاورة وفى العالم، وهى تعيش حزمة من علاقات التعاون وعلاقات الصراع مع دول العالم العربى والشرق الأوسط والعالم، وهى لذلك تعيش معضلة الإدراك الملتبس لدى العالم العربى بين من يراها مصدراً للتهديد ومن يراها حليفاً محتملاً ومن يراها شريكاً استراتيجياً بسبب سياساتها التى تخلط بين البراجماتية السياسية التى تعبر عن مصالح وطنية إيرانية بحتة والالتزامات الإسلامية التى تعطى القضايا الإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية أولوية معتبرة فى سياساتها.

وبسبب هذا الخليط انحازت إيران إلى الغزو الأمريكى لكل من أفغانستان والعراق بسبب صراعات سياسية وطائفية مع نظام حكم طالبان فى أفغانستان وصراعات سياسية وعسكرية دامية امتدت ثمانية أعوام مريرة من الحرب مع نظام صدام حسين فى العراق. إيران لم تؤكد انحيازها للغزو الأمريكى للعراق فقط بل انحازت إلى السياسات الأمريكية فى العراق على الأقل فى الفترة من 2003 – 2005 بسبب المكاسب التى حققتها هذه السياسات الأمريكية فى العراق لإيران من منظور المصلحة ومن منظور مكونات المشروع الإيرانى فى العراق وعلى الأخص منع قيام نظام عدو لإيران فى بغداد، وفرض حلفاء إيران على رأس السلطة فى العراق، لكن الخلاف ثم الصدام أخذ يظهر بين إيران وأمريكا فى العراق بسبب تنامى التناقض فى المصالح، بعد أن أدركت واشنطن خطورة انحيازها المطلق للشيعة على حساب السنة، مما أدى أولاً إلى تنامى ظاهرة التشيع السياسى فى المنطقة وصعود دور الشيعة سياسياً فى الدول المجاورة، وأدى ثانياً إلى تحول السنة فى العراق وخارجه إلى مؤيد وداعم وحامى للمقاومة ضد الاحتلال والمشروع الأمريكى فى العراق.

وبسبب هذا الخليط أيضاً انحازت إيران إلى مشروع المقاومة فى لبنان وفلسطين بدافع أولاً من التزامات إسلامية، وبوعى ثانياً بأهمية هذا الدور من أجل كسب مصداقية وشرعية للمشروع السياسى الإيرانى فى المنطقة الذى يهدف إلى توسيع مناطق النفوذ وخلق قوى حليفة وموالية لإيران فى صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو صراع يعكس قدراً لا بأس به من الصراع على الزعامة الإقليمية، وللأسباب نفسها تتواجد بكثافة فى اليمن داعمة لجماعات "أنصار الله" الحوثية.

المشروع الإيرانى تورط بسبب هذه السياسة فى صدام مع الأمريكيين منذ ولادة الجمهورية الإسلامية التى رفعت شعار العداء للأمريكيين (الموت لأمريكا) وأطلقت اسم "الشيطان الأكبر" على الولايات المتحدة. لكن الحصار والاحتواء تحول إلى سياسة مواجهة وتهديد عسكرى أمريكى وإسرائيلى بسبب مشروع إيران النووى المتهم بأنه يسعى إلى التحول إلى مشروع عسكرى وبسبب الدور الإيرانى المناهض لمشروع السلام الإسرائيلى – الأمريكى والدور الإيرانى المناهض للأمريكيين فى العراق خاصة بعد عام 2005.

لذلك، فإيران متهمة بأنها "دولة مارقة" من جانب الأمريكيين والإسرائيليين ومتهمة بدعم الإرهاب، ولذلك وضعت على رأس مجموعة دول "محور الشر" فى المنطقة ضمن سياسة الاستقطاب الأمريكية الرامية إلى تمزيق النظام العربى إلى "محور للشر" يضم الدول والقوى الرافضة للمشروعين الأمريكى والإسرائيلى، و"محور للاعتدال" يضم الدول الصديقة للولايات المتحدة والمستعدة للتعامل مع إسرائيل وإنجاح مشروع عربى للسلام يرضى عنه الأمريكيون والإسرائيليون.

المشروع الإيرانى المحاصر أمريكياً وإسرائيلياً والمختلف حوله عربياً يعانى داخلياً وإقليمياً لكن رغم هذه المعاناة فإنه يتقدم فى العراق ولبنان واليمن وفلسطين وعلى صعيد البرنامج النووى وعلى صعيد تحالفاته الإقليمية ومنظمات المقاومة. لكنه مشروع مرتبط أشد الارتباط، أو محكوم بثلاثة مقومات أساسية هى العامل الايديولوجى، والشخصية القومية الإيرانية، ومكتسبات الثورة. هذه المقومات يفوق تأثيرها أية عوامل أخرى على مجمل حركة النظام الحاكم فى طهران، وليست السياسة الخارجية فقط، دون تجاهل لمحدد رابع هو المكون الجيوستراتيجى الذى يحكم بقوة سياسة إيران الخارجية بما يفرضه من تحديات وما يتيحه من فرص.

للمقوم أو المحدد الأيديولوجي مكانته القصوى، ولا ينافسه في هذه المكانة غير المحدد الجيوستراتيجي، وهما معاً شكلا معالم الدور الإيراني ومكانة المصالح القومية ضمن المنظومة الأيديولوجية والقدرات الإستراتيجية للدولة الإيرانية. فالمقوم الأيديولوجي يتمركز حول المذهب الشيعي (الإمامي- الإثني عشري) المحكوم بمبدأ "ولاية الفقيه"، الذي لم يعد مجرد نظام سياسي بل أضحى هوية وثقافة دينية حاكمة، و"مصلحة قومية" حاكمة لأداء النظام. وعلى مستوى آخر يمثل المحدد الجيوستراتيجي مصدر قوة ومصدر ضعف في آن واحد للنظام، ومن ثم فهو عامل حاكم لاندفاعات أو لتراجعات النظام، وبتحديد أكثر عامل حاكم للدور الإيراني، الذي أضحى بدوره من أهم معالم النظام الإيراني وسياسة إيران الخارجية.

إذ تقع إيران في الجنوب الغربي من قارة آسيا، وقد ارتبط تاريخها السياسي والاقتصادي ارتباطاً قوياً بموقعها الجغرافي ومساحتها التي تبلغ (مليوناً و648 ألفا و195 كيلومتراً مربعاً)، أي ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، ومع حدود تبلغ 8731 كلم تربط بينها وبين كل من العراق (1280 كلم) وتركيا (470 كلم) وأفغانستان (827 كلم)، وباكستان (877 كلم)، وجمهوريات آسيا الوسطى: أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان (1740 كلم)، إضافة إلى 2700 كلم حدود بحرية تطل بها على الخليج العربي وبحر قزوين وبحر العرب. هذه الامتدادات الحدودية بقدر ما فرضت عليها قيوداً وتحديات حيث كانت، تاريخياً، عرضة للغزوات والاختراقات، ولم تكن روسيا (القيصرية) بعيدة عن هذا التاريخ، بقدر ما أتاحت لإيران فرصاً مواتية للتدخل فى كثير من الدول المجاورة، ومن هنا تشكل الدور الإيراني الذي يعد أحد أهم معالم السياسة الخارجية الإيرانية.

ورغم كل التوصيفات التى يمكن أن تطلق على إيران، سواء كانت إيران الشاهنشاهية الإمبراطورية أم إيران الإسلامية الشيعية، فإن اعتبار إيران "دولة دور" يكاد يتفوق فى دلالاته ورموزه للتعبير عن ما يسمى بـ"الشخصية الوطنية" عن غيرها من المسميات والتوصيفات. فإيران مثلها مثل كثير من الدول لا يمكن أن تكون إلا هكذا، دولة دور، وهذه مسألة ليست اختيارية أو عفوية أو محض صدفة، لكن عوامل كثيرة تاريخية وبشرية وجغرافية واستراتيجية واقتصادية فرضت على إيران أن تكون هكذا، دولة دور، سواء كان هذا الدور مجرد دور إقليمى أو يمكن أن يتسع ليصبح دوراً دولياً أو على مستوى فوق إقليمى.

وإذا كان الدور الذى تمارسه الدولة لابد أن ينطلق من مشروع سياسى، فإن المشروع السياسى الذى انطلق منه الدور الإيرانى فى ظل الجمهورية الإسلامية ضاعف من خطورة هذا الدور وما فرضه من تحديات على إيران نتيجة الخصوصية السياسية – الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، وكرد فعل لتداعيات هذا الدور من جانب دول الجوار الإقليمى أولاً والقوى العالمية ذات النفوذ والمصالح المتصادمة مع هذا المشروع الإيرانى ثانياً.

لقد طغى المشروع الإيرانى للجمهورية الإسلامية على دورها التاريخى وأصبح ملحقاً به، أى أصبح الدور فى خدمة المشروع الذى أضحى من أهم خصوصيات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن ما هو أهم من ذلك أن هذا المشروع الإيرانى يجد نفسه مضطراً، وهو يسعى إلى تحقيق أهدافه، إلى خوض صراعين فى وقت واحد:

الصراع الأول: صراع الدفاع عن النظام الذى يواجه الحصار منذ تأسيسه عام 1979، لأنه جاء أولاً على أنقاض نظام آخر كان حليفاً للأمريكيين والإسرائيليين وكان صديقاً لدول عربية توصف بأنها "محافظة" أو "معتدلة" وكان شريكاً ومنافساً لتركيا فى آن واحد، وجاء نظام الجمهورية الإسلامية ليدفع أثمان انقطاع علاقات إيران مع هذه الأطراف، ولأنه ثانياً نظام يحمل مشروعاً ثورياً تغييرياً يسعى إلى تصديره إلى جواره الإقليمى، بحكم مسئوليات يراها أنها تاريخية وعقيدية، ولأنه ثالثاً مسئول عن مواجهة تحديات داخلية وإقليمية هائلة فرضتها تركيبته الديموجرافية الطائفية والعرقية المتنوعة وموقعه الاستراتيجى وسط العديد من الدول المجاورة المتصارعة والطامحة للوثوب إلى الداخل الإيرانى، خاصة بعد استقلال العديد من الجمهوريات السوفيتية بعد عام 1991 ووصول الأمريكيين والإسرائيليين بنفوذهم السياسى ووجودهم العسكرى والاستخباراتى إلى مناطق شديدة الاقتراب من إيران وبالذات بعد أحداث انفجارات 2001 الأمريكية وغزو الأمريكيين لأفغانستان واحتلالهم للعراق حيث وجدت إيران نفسها محاطة بوجود عسكرى أمريكى مكثف من كافة الاتجاهات.

الصراع الثانى: صراع الهيمنة الإقليمية، وهذا الصراع، وإن كانت الجمهورية الإسلامية قد ورثته من إمبراطورية الشاه، فإنه أخذ أبعاداً جديدة فى ظل المشروع السياسى الثوري والمذهبى للجمهورية الإسلامية، فنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية يمكن وصفه بأنه نظام ثورى يسعى إلى التغيير وتصدير الثورة لفرض نموذجه على الجوار الإقليمى، كما يمكن وصفه بأنه نظام أيديولوجى إسلامى راديكالى يطرح الرسالة العالمية للإسلام ويرفع شعارات تدفعه حتماً إلى الصدام مع دول الجوار.

إيران لكل هذه الأسباب باتت توصف بأنها "دولة مارقة" من المنظور الأمريكي ومن المنظور الإسرائيلي، لكنها باتت مصدراً للتهديد أيضاً بالنسبة للدول العربية الخليجية، أو لمعظمها على الأقل، بسبب تورطها المتفاقم في العراق ولبنان ثم في سوريا واليمن حسب ما تؤكده معظم هذه الدول، وجاء التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران من جانب "مجموعة دول 5+1" عام 2015 ليفاقم شعور هذه الدول العربية بالتهديد من جانب إيران، خصوصاً أن إيران اعتقدت أن التوقيع على هذا الاتفاق يتضمن اعترافاً دولياً، وأمريكياً على وجه الخصوص، بدور إقليمي مميز يتيح لها التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية، الأمر الذي جعل وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير يجاهر بالتأكيد أمام "مؤتمر ميونيخ للأمن"، في 20 فبراير 2017، أن "إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم" واعتبر أن "التحدي في منطقة الشرق الأوسط مصدره إيران، وهى أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، وجزء من تشريعها هو تصدير الثورة، وهي لا تؤمن بمفهوم المواطنة، وتريد من الشيعة في جميع أنحاء العالم أن يكونوا تابعين لها وليس لدولهم". لم يكتف الوزير السعودي بذلك لكنه اتهم إيران بأنها "عازمة على تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط".

وجاء التدخل العسكري الإيراني المباشر في الأزمة السورية إلى جانب النظام السوري مدعوماً بالعديد من التنظيمات الشيعية الموالية خاصة حزب الله اللبناني، وميليشيات أخرى شيعية عراقية وأخرى أفغانية ليفاقم من أزمة إيران مع الجوار الإقليمي، وخاصة العربي، ومع إسرائيل ومع الولايات المتحدة والدول الغربية، الأمر الذي ساهم في بلورة إدراك لدى روسيا بأن إيران تحولت إلى أزمة بالنسبة لدول الجوار الإقليمي.

هكذا تفاقم إدراك المشروع الإقليمى الإيرانى كمصدر للتهديد خصوصاً أن تفاعلاته تتم فى بيئة إقليمية غير مواتية إن لم تكن رافضة ومعادية .

 فالتفاعلات فى إقليم الشرق الأوسط، وكما تعبر عنها خريطة توزيع القوة بين الفواعل الأساسية للنظام، تقول أن هذا النظام يتجه إلى هيكلة قيادة ثلاثية متصارعة؛ حيث تسعى إسرائيل إلى أن تفرض نفسها كقوة إقليمية عظمى مسيطرة، فى حين ترفض إيران ذلك وتقوم بدور القوة المناوئة والساعية إلى فرض نفسها كزعامة مهيمنة إقليمية بديلة، فى حين أن تركيا وإن كانت تبدو أنها راضية بدور الموازن الإقليمىRegional Balancer  فإنها أيضاً حريصة على أن تكون قوة منافسة على الزعامة الإقليمية وإن كانت تعطى الأولوية لعناصر القوة الناعمة دون الخشنة عكس القوتين الإيرانية والإسرائيلية اللتين تعطيان أولوية، وبدرجات متفاوتة بالطبع، للقوة الخشنة دون تجاهل لأهمية ومكانة القوة الناعمة، وخاصة الأجهزة الاستخباراتية والدعائية.

إذا كان قلب النظام يتكون من هذه القوى الإقليمية الكبرى الثلاث، فإن النظام العربى بدوله الاثنتين والعشرين ومعه إثيوبيا، تحولوا جميعاً، وفى السنوات الأخيرة إلى أطراف فى معظم الأحيان، وفى بعضها يحاول النظام العربى، أو بالتحديد بعض القوى العربية الرئيسية (دول القلب: مصر والسعودية وسوريا قبل تفجر أزمتها عام 2011) القيام بأدوار مشاركة فى تفاعلات قلب النظام، فى حين أن إثيوبيا اكتفت بأن يكون دورها محصوراً فى جوارها الأفريقىمع اهتمام بدولتين عربيتين هما: السودان واليمن، لكن الأهم أنها قبلت أن تكون تابعة لإسرائيل، وأن تمارس أدوار الوكيل للدولة الإسرائيلية وخاصة فى تفاعلاتها المهمة فى جنوب الوادى سواء فى قضايا الصومال والسودان، أو بالنسبة لتفاعلات وادى النيل والصراع حول تقاسم مياه النهر، حيث برز الدور الإثيوبى، ولكن بنكهة إسرائيلية واضحة.

وتعبر خريطة توازن القوى الإقليمية كما هى واضحة ومؤكدة عن حالة اشتباك بين مشروعات إقليمية ثلاثة هى: المشروع الصهيونى – الإسرائيلى، والمشروع الإيرانى – الإسلامى، والمشروع التركى الذى مازال محكوماً بتفاعلات شديدة الخصوصية بين ما هو "أتاتوركى" وما هو "عثمانى جديد" دون استقرار على صيغة لمشروع واضح ومحدد المعالم يحقق لتركيا طموحاتها فى الاندماج بالاتحاد الأوروبى من ناحية ويحقق لها أيضاً نوازعها الشرقية بأبعادها الحضارية والتاريخية.

التفاعل بين هذه المشروعات الثلاثة يحدد معالم البيئة التى يعمل خلالها المشروع الإيرانى لأسباب كثيرة بعضها ناتج من خصوصيات المشروع الإيرانى وبعضها الآخر ناتج من تفاعلات هذا المشروع الإيرانى مع كل من المشروعين الإسرائيلى والتركى والصدام مع الجوار العربى الخليجى بالذات، حيث يظهر التنافس قوياً بين إيران وإسرائيل على كسب تركيا ضمن الصراع الأهم بينهما على فرض السيطرة والهيمنة الإقليمية.

هذا التنافس الإسرائيلى- الإيرانى على كسب تركيا كحليف فى مواجهة الآخر ضمن صراعات الهيمنة الإقليمية بين إسرائيل وإيران لم يكن على حساب جهود كل من إسرائيل وإيران لكسب النفوذ فى الإقليم على حساب الآخر فى قضايا كثيرة أبرزها الصراع حول ملفات إقليمية كبرى ثلاث هى: الملف الفلسطينى والملف العراقى والملف اللبنانى، كما أن هذا التنافس الإسرائيلى – الإيرانى على كسب تركيا كحليف موازن لم يمنع تركيا من التحرك باستقلالية لتحقيق مصالحها القومية من منطلق المشروع السياسى الذى يقوده حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وفق توجهات استراتيجية "العمق الاستراتيجى" التى تحفز تركيا على القيام بأدوار مهمة فى بيئتها الإقليمية بكافة تعددها وتنوعها وخاصة إقليم الشرق الأوسط، لتحقيق مصالحها القومية.

هذا المسعى التركى المحكوم باستراتيجية "العمق الاستراتيجى" يفرض على تركيا أن تكون حريصة على إدارة علاقات متوازنة مع كل من إسرائيل وإيران، وأن تحافظ على دورها كوسيط فى كافة الأزمات والصراعات، مع تأكيدات مشددة أولها عدم طغيان دورها الشرق أوسطى أو "المشرقى" على مصالحها مع الاتحاد الأوروبى والتزاماتها فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، وثانيها نفى أى تطلع لطرح "عثمانية جديدة" فى محاولة لعدم الربط بين الدور التركى الجديد، والإرث السلبى للعثمانية التاريخية السابقة وبالذات الدور التسلطى المهيمن المتدثر بعباءة الخلافة الإسلامية.

وهكذا نستطيع أن نقول أن أنماط التفاعلات داخل قلب أو محور النظام الشرق أوسطى تتم ضمنمسارات ثلاث:

الأول: الصراع الإسرائيلى – الإيرانى المباشر على الهيمنة الإقليمية، من خلال سباق التسلح، والصراع على البرنامج النووى الإيرانى.

الثانى: التنافس الإسرائيلى – الإيرانى على كسب النفوذ والحلفاء وبالتحديد تركيا والعالم العربى. إسرائيل تسعى لتعميق الاستقطاب فى العالم العربى وفرز ما يسمى بـ "محور الاعتدال العربى" الذى يضم دول مجلس التعاون الخليجى ومصر والأردن، فى حين أن إيران تسعى إلى كسب "محور الممانعة" أو "المقاومة" وبالذات سوريا والعراق وقوى المقاومة العربية. وهنا تطرح قضايا متعددة فى هذا التنافس أولها القضية الفلسطينية ثم قضية الصراع الطائفى ثانيها، حيث تسعى إسرائيل إلى تعميق الصراعات الطائفية داخل الدول العربية وجعلها أداة فرز لمحورى "الاعتدال" و"الممانعة" وذلك عبر الترويج للخطر الشيعى وتحميل إيران مسئولية هذا الخطر، فى حين تسعى إيران إلى تأسيس شراكة إيرانية – عراقية – سورية – تركية لمواجهة خطر المسعى الإسرائيلى للتحالف مع محور الاعتدال العربى، الذى ترى إيران أن القضية الفلسطينية هى أول من سيدفع ثمن هذا التحالف .

الثالث: يخص تركيا، التى تسعى إلى تحقيق تقدم ملحوظ فى دورها الإقليمى ما يجعلها فى نظر بعض الأطراف العربية موازناً إقليمياً يمكن الاعتماد عليه فى مواجهة المشروعين الإسرائيلى والإيرانى. هذا الدور اتضح ابتداء من عام 2010 وتفاقم بعد تفجر موجة الانتفاضات الثورية العربية عام 2011 على الأخص فى الملفات العربية الساخنة الثلاث: الملف الفلسطينى والملف اللبنانى والملف العراقى.

هذه المسارات الثلاثة تشهد تطورات دائمة تلعب فيها تركيا دوراً أساسياً وبالذات ما يتعلق بالأداء التركى بين تقاربه مع إيران على حساب العلاقة مع إسرائيل، ثم تقاربه مع إسرائيل على حساب العلاقة مع إيران، ثم من خلال تقوية الدور التركى المستقل المنافس لكل من إيران وإسرائيل، إذا أضفنا إلى ذلك اندفاعة دول خليجية لتأسيس تحالف إقليمى على غرار حلف "الناتو" تقوده الولايات المتحدة للعمل ضد إيران التى  تحولت إلى "عدو" أو إلى "مصدر رئيسى للتهديد"، ثم اندفاع بعضها للتطبيع مع إسرائيل (الإمارات – البحرين) ومساعى إسرائيل للحصول على مكاسب إقليمية تتيح لها أن تتحول إلى دولة "جوار إقليمى" فى مواجهة إيران بالخليج، ناهيك عن الصدام السعودى – الإيرانى غير المباشر فى كل من لبنان واليمن، إضافة إلى تنافس خشن أحياناً فى العراق سوف يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المشروع الإقليمى الإيرانى يعمل فى بيئة رافضة وعدائية، وجاء رفض الطرفين الإسرائيلى والخليجى للاتفاق النووى الموقع مع إيران عام 2015 ليفاقم من تلك الحالة العدائية والرافضة لهذا المشروع.

أوراق القوة وأوراق الضعف الإيرانية فى فيينا

تدرك إيران جيداً خصوصية هذه البيئة الإقليمية وتعى التمايز فى التعامل مع الأطراف الإقليمية الشرق أوسطية الثلاث: إسرائيل وتركيا والدول العربية وخاصة الخليجية. فهى تخوض صراعاً مع إسرائيل حول المكانة الإقليمية والهيمنة، لكنها تتعاون وتتنافس مع تركيا حول المصالح وتفعل الشئ نفسه مع الدول الخليجية لكن مع حرص على فهم خصوصية العلاقات الخليجية – الأمريكية، والدور الأمريكى فى الأمن الخليجى، والطموح الإسرائيلى المتفاقم للقفز نحو الخليج ليكون ليس مجرد طرف فى معادلته الأمنية بل قيادة للمواجهة ضد إيران. وإذا كانت إيران تدرك مدى رفض وعدائية هذه البيئة للمشروع الإقليمى الإيرانى، فإنها تدرك أيضاً مدى الترابط بين هذا المشروع وبين مشروعها النووى. لذلك فإن الذهاب الإيرانى إلى فيينا للتباحث مع ما يسمى حالياً بـ "مجموعة 4+1" وليس "مجموعة 5+1"، وهى الدول التى لم تنسحب من الاتفاق النووى الموقع مع إيران عام 2015 باعتبار أن الولايات المتحدة بعد انسحابها رسمياً فى أغسطس 2018 من هذا الاتفاق لم تعد طرفاً فيه، جاء من منطلق تحقيق مكاسب فى برنامجها النووى يمكن أن توظف فى خدمة مشروعها الإقليمى ومكانتها الإقليمية.

هذا الاستنتاج ربما يقدم إجابة للسؤال: لماذا ذهبت إيران إلى فيينا وهى تدرك مسبقاً مدى التعقيدات التى قد تفشل مثل هذه المحادثات، لكنها إجابة لا تكفى للبحث فى الفرص والمكاسب التى تأملها إيران من المشاركة فى هذه المحادثات، لذلك من الضرورى أن نسأل عن أوراق القوة وأوراق الضعف التى ذهبت بها إيران إلى فيينا لكسب هذه الجولة من المحادثات.

فهذا البحث يقدم إفادتين؛ الأولى التعرف على وزن هذه الأوراق لتحقيق مكاسب لإيران، والثانية التعرف على البديل الإيرانى فى حال فشل المحادثات .

أبرز ما يمكن الحديث عنه بالنسبة لأوراق القوة وأوراق الضعف أنها، فى معظمها، تحمل معالم قوة كما تحمل أسباب ضعف، ومن هنا يتكشف إلى أى حد يصعب الحسم بخصوص الفرص والتحديات الإيرانية المحتملة من هذه المحادثات. لذلك سوف نتناول هذه الأوراق للتعرف على ما إذا كانت تحمل عوامل قوة أو عوامل ضعف أم أنها تحمل الاثنين معاً.

1- أول الأوراق التى ذهبت بها إيران إلى فيينا كانت الصلابة والتماسك السياسى والاجتماعى- الاقتصادى أمام أعتى الضغوط والعقوبات الأمريكية، والتقدم اللافت فى القدرات النووية فى أشهر معدودة منذ أن قررت إيران أن ترد نووياً على الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى، بالتخفف خطوة – خطوة بدرجات محسوبة ودقيقة من التزاماتها الواردة فى ذلك الاتفاق .

نستطيع أن نقول أن إيران حصدت انتصاراً معنوياً وأمنياً ونفسياً عندما استطاعت الصمود أمام أعنف حصار وعقوبات فرضتها الولايات المتحدة وألزمت بها أغلب المجتمع الدولى ومنها الدول الأوروبية الثلاث الشريكة فى التوقيع على اتفاق 2015 النووى: فرنسا وألمانيا وبريطانيا، حيث لم تستطع هذه الدول الانتصار لتوقيعها على الاتفاق بل انصاعت للضغوط الأمريكية خشية التعرض لخسائر اقتصادية أو التعرض لعقوبات أمريكية. فقد أعطى ما يمكن اعتباره انتصاراً إيرانياً فى معركة الصمود والتحدى وخاصة فى مواجهة "سياسة تصفير صادرات النفط الإيرانية" المورد الرئيسى للدخل القومى، دعماً معنوياً للشعب الإيرانى، وأعطى فى نفس الوقت لإيران كدولة وكنظام سياسى موقفاً إقليمياً ودولياً مميزاً استغلته إيران أفضل استغلال لتطوير مشروعها النووى، وتحسين ترسانتها العسكرية فى مجال الصواريخ الباليستية والقوة الجوية – الفضائية ، ناهيك عن القدرات البحرية المميزة والطائرات المسيرة "الدرونز" التى باتت من أهم الأسلحة الهجومية الإيرانية.

هذا الصمود لعب فيه الصينيون والروس دوراً محورياً، فالاتفاقية الاستراتيجية الإيرانية مع الصين وفرت لإيران القدرة على تحدى حظر تصدير النفط والحصول على مساعدات مهمة، وكذلك فعل الروس فى تقوية الصمود الإيرانى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

هكذا نستطيع أن نقول أن الإيرانيين ذهبوا إلى فيينا وهم أقوياء غير منكسرين وغير مضطرين، خصوصاً أنهم نجحوا فى تحقيق تقدم كبير فى قدراتهم النووية جعلت الأطراف الأخرى أكثر حرصاً على  جذب إيران إلى التفاوض خشية أن تصل إيران فى الوقت الفاصل بين توقف المحادثات فى يونيو 2021 إلى حين استئنافها مرة أخرى بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الإيرانية، إلى مستوى نووى متقدم لا تكون عنده فى حاجة للعودة إلى الاتفاق النووى، أى أن تصل إلى أن تصبح ما يعرف بـ "دولة حافة نووية" أى امتلاك القدرة على انتاج القنبلة النووية.

فحسب تصريحات للمتحدث الرسمى باسم المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية بهروز كمالوندى، قبيل ثلاثة أسابيع فقط من استئناف محادثات فيينا وبالتحديد فى 4 نوفمبر 2021، فإن إيران ضاعفت مخزونها من اليورانيوم على التخصيب بنسبة 20% ووصل إلى 210 كيلو جرامات، كما أعلن ما هو أخطر من ذلك وهو أن إيران تحتفظ بـ 25 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ما يعنى أن المسافة باتت محدودة للوصول، إن أرادت، إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% اللازمة لإنتاج القنبلة.

هكذا كانت إيران هى من يتمتع ويتصنع التلكؤ فى تحديد موعد لإستئناف محادثات فيينا التى كانت توقفت، بعد 6 جولات فى 20 يونيو 2021 بسبب الاستعداد للانتخابات الرئاسية الإيرانية وتشكيل الحكومة الجديدة، وكان هذا التلكؤ مثار تخوف وتحسب من الأطراف الأخرى، ومثار تحريض إسرائيلى يقول أن "إيران لا تريد المفاوضات، وأنها تسعى جادة لامتلاك القنبلة، وأنها بالفعل وصلت إلى مستوى تخصيب 90% وأن الأجدر هو عدم الذهاب الأمريكى إلى المفاوضات بل اتخاذ القرار المناسب لمنع إيران من امتلاك القنبلة".

ولم تكتف إيران بذلك بل كانت حريصة على إظهار أنها قادرة على مواجهة أية تحديات عسكرية على نحو ما حدث عندما أرسلت الولايات المتحدة قاذفة عملاقة من طراز "B-1" القادرة على حمل قنابل نووية وبصحبتها طائرة من طراز "اف 15" إلى أجواء الخليج، وكان الرد الإيرانى الإعلان عن "تحرير" قوات كوماندوز تابعة للحرس الثورى ناقلة إيرانية احتجزتها سفن حربية أمريكية فى بحر عمان، بعد عملية إنزال مدروسة على ظهرها، وكان الرد الأمريكى هو الصمت الكامل عن العملية كلها. كل هذا يؤكد أن إيران ذهبت إلى فيينا من موقع قوة وليس من موقع ضعف أو استجداء لحلول .

2- ثانى هذه الأوراق الإيرانية هو جبهة الحلفاء الإقليميين سواء كان اسمها جبهة الممانعة أو جبهة المقاومة أو "الوكلاء الإقليميين" وتضم الحلفاء فى العراق إلى جانب سوريا وحزب الله فى لبنان وحركة أنصار الله الحوثية فى اليمن، إضافة إلى منظمات المقاومة الإسلامية فى غزة "الجهاد الإسلامى" وحركة "حماس" كل هؤلاء استطاعت إيران أن تجعلهم طرفاً مباشراً فى أى حرب قد تقع بينها وبين إسرائيل.

لكن هذه الجبهة واجهت اختراقات مهمة على نحو ما حدث من اختراقات إسرائيلية- أمريكية استخباراتية للجبهة الداخلية فى إيران التى وصلت إلى عمق المنشآت النووية، حيث أخذت إيران تتعرض إلى خسائر غير قليلة فى معظم أطراف جبهة المقاومة سواء فى العراق وفى سوريا وفى لبنان.

فإيران تواجه تحديات مهمة فى العراق، فالعراق استطاع تحت حكم مصطفى الكاظمى أن يخطو خطوات مهمة فى مسيرة "النأى بالنفس" عن الاستقطاب بين طهران وواشنطن، وأخذ يطالب علانية بإبعاده عن الصراع الإيرانى- الأمريكى وحمايته من أن يكون أرضاً لهذا الصراع، ثم أخذ يتجه نحو المزيد من تكثيف علاقاته العربية خصوصاً نحو كل من مصر والأردن فيما أخذ اسم "الشام الجديد" أو "المشرق الجديد". ونحو الخليج مع السعودية والكويت، وكانت القمة الثلاثية: العراقية- المصرية- الأردنية فى بغداد (27/7/2021) شاهداً على هذا النوع من التحول العراقى نحو المزيد من "العروبة" على  حساب ارتباطاته مع إيران.

وإذا كانت الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران قد استطاعت أن تدفع قدماً بخيار "خروج الأمريكيين من العراق" فى الجولة الرابعة من "الحوار الاستراتيجى الأمريكى- العراقى (يوليو 2021)" بتغيير مهمة القوات الأمريكية فى العراق وحصرها فى مجال "التدريب"، فإن هذه الجولة أعادت تثبيت الالتزام العراقى باتفاقية الإطار الاستراتيجى لعام 2008 التى تفرض "الشراكة الاستراتيجية طويلة المدى" للعراق مع الولايات المتحدة. وجاءت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية (10/10/2021) لتفاقم من الخسائر الإيرانية فى العراق، حيث كان أقوى حلفاء إيران "تحالف الفتح" بزعامة هادى العامرى هو أفدح الخاسرين فى تلك الانتخابات، إذ حصل على 17 مقعداً فقط بعد أن كان له 47 مقعداً فى البرلمان البالغ عدد مقاعده 295 مقعداً، فى حين حصلت الكتلة الصدرية "تكتل سائرون" بزعامة مقتدى الصدر التى تتزعم الدعوة إلى المزيد من الاستقلالية العراقية وترفع شعار "لا شرقية ولا غربية" على 73 مقعداً بعد أن كانت 54 مقعداً، مما جعلها تتزعم الدعوة إلى تشكيل "حكومة أغلبية سياسية" تستثنى الأطراف الأخرى المناوئة، وهى كلها تطورات تقول أن قبضة إيران على العراق ربما لا تكون فى المستقبل القريب مثلما كانت فى العقدين الأخيرين.

وفى سوريا تواجه إيران تحديات صعبة مع الحليف الروسى الذى أضحى حريصاً على شراكة مع إسرائيل تتيح للأخيرة ضرب الحشود الإيرانية والحليفة داخل سوريا شرط الإخطار المسبق للقوات الروسية وعدم التعرض لتلك القوات.

أما فى لبنان فقد أضحى الوضع الداخلى لحزب الله أكثر تعقيداً فى ظل الضغوط الاقتصادية التى تعرض لها دولياً وعربياً خلال العام الأخير. فقد استطاعت القوى المناوئة لإيران وحزب الله أن تحقق بالسلاح المالى والضغوط الاقتصادية ما لم تستطع تحقيقه بقوة السلاح الإسرائيلى. فإذا كان حزب الله قد خرج أكثر قوة من العدوان الإسرائيلى صيف 2006 فإنه الآن يخسر كثيراً سياسياً وشعبياً بسبب الأزمة المالية- الاقتصادية المفتعلة ضد لبنان وتحميله كل المسئولية عن كل ما يحدث، وتجرؤ الكثيرين من اللبنانيين والعرب ناهيك عن إسرائيل والدول الغربية على المطالبة بإخراج حزب الله من المعادلة السياسية، ناهيك عن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش فى زيارته الأخيرة للبنان (ديسمبر 2021) إلى تحول حزب الله إلى "حزب سياسى" ما يعنى تجديد الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة الذى تطالب به الأطراف المناوئة للحزب داخل لبنان مدعومة من ظهيرها الخارجى سواء كان خليجياً أو إسرائيلياً أو أمريكياً، وهذه كلها تحديات وضغوط تواجه حزب الله ومن ثم إيران فى لبنان رغم كل ما يؤكده الحزب من جاهزية عسكرية لأى حرب قادمة باعتراف كبار الجنرالات الإسرائيليين الذين يحذرون من مغبة تورط إسرائيل فى أى حرب قادمة يكون حزب الله طرفاً فيها.

3- ثالث هذه الأوراق هو الجبهة الدولية أو الظهير الدولى الداعم، الذى أخذ البعض يعطيه اسم "التحالف الصينى- الروسى- الإيرانى". فقد ذهبت إيران إلى فيينا وهى على قناعة بأنها مسنودة بظهير دولى روسى – صينى لن يسمح بخروجها خاسرة من تلك المفاوضات. وقد كشفت جولات المحادثات الست التى سبقت العودة مجدداً إلى فيينا يوم 29 نوفمبر 2021 قدراً كبيراً من الدعم والمساندة الروسية والصينية للمفاوضين الإيرانيين، وتأكد ذلك فى جولة التفاوض السابعة التى اختتمت فى 17 ديسمبر 2021. هذا الدعم يستند أولاً إلى علاقات ثنائية تربط إيران بكل من روسيا والصين تحولت إلى شراكة استراتيجية بين إيران والصين التى تحمل اسم "وثيقة الخطة الاستراتيجية" التى تمتد إلى 25 عاماً وجرى توقيعها فى 27 مارس 2021، وتتطلع إيران إلى توقيع شراكة مماثلة مع روسيا حسب توضيحات سعيد خطيب زاده المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الذى أعلن فى 11 أكتوبر 2021 أن بلاده خطت خطوة جديدة فى إطار سياسة "التوجه شرقاً" معلنة اقترابها من إبرام اتفاق شراكة استراتيجية مع روسيا وقال أن "محور الشرق يتبلور بين إيران والصين وروسيا . فى السنوات الأخيرة، أصبح من الضرورى تحسين العلاقات بين إيران وروسيا والتركيز على الشراكات الاستراتيجية". وأوضح أنه "تم الانتهاء من وضع التدابير الأولية للوثيقة التى تحمل عنوان "الميثاق الشامل للتعاون بين إيران وروسيا". ويستند هذا الدعم أيضاً إلى وجود إطار من التعاون الجماعى يربط إيران بكل من روسيا والصين في سياق اكتساب إيران العضوية العاملة فى "منظمة شنغهاى للتعاون" خلال القمة الحادية والعشرين للمنظمة التى عقدت فى العاصمة الطاجيكية دوشنبه (17/9/2021)، بعد سنوات ممتدة من مشاركة إيران فى هذه المنظمة كعضو منتسب.

وكان ملفتاً تعليق الرئيس الروسى فلاديمير بوتين على قبول عضوية إيران كعضو عامل فى المنظمة فى كلمته التى ألقاها عبر الفيديو أمام قمة دوشنبه وقوله: "إن انضمام إيران سيسهم بلا شك فى زيادة تعزيز المكانة الدولية لمنظمة شنغهاى للتعاون"، أما احتفاء الصحافة الإيرانية بهذه الخطوة فكان مثيراً للاهتمام وخاصة من الصحف المحسوبة على التيار المحافظ المتشدد والحرس الثورى. فقد وصفت صحيفة "جوان" منظمة شنغهاى للتعاون بأنها "أحد رموز التعاون بين القوى غير الغربية، وتفتح المجال أمام حقبة ما بعد أمريكية"، أما صحيفة "كيهان" فقد اعتبرت أن انضمام إيران لمنظمة شنغهاى للتعاون خطوة ستساهم فى "الالتفاف على العقوبات الغربية"، مضيفة أنه "يمكن لإيران الآن أن تضع موضع التطبيق سياستها القائمة على التعددية، والتخلى تدريجياً عن رؤية مستندة حصراً إلى الغرب، وخفض أثر العقوبات الغربية".

وانطلاقاً من هذا التقدير الإيرانى لوزن هاتين الدعامتين: العلاقات الثنائية الإيرانية مع الصين وروسيا، وعضوية إيران فى "منظمة شنغهاى للتعاون" كانت إيران حريصة، وعلى أعلى المستويات، على التنسيق مع الحليفين الروسى والصينى على نحو الاتصال الذى أجراه الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين قبل حوالى أسبوعين من استئناف مفاوضات فيينا. فقد أكد رئيسى لبوتين، وفق بيان إيرانى (16/11/2021) جدية طهران فى خوض المحادثات فى فيينا وقوله أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية جادة بالكامل فى المفاوضات، وفى الوقت نفسه نحن جادون بشأن إلغاء كامل العقوبات عن الشعب". وفى نفس اليوم أجرى مساعد وزير الخارجية الإيرانى رئيس الوفد التفاوضى على باقرى كنى محادثات، عبر الفيديو، مع نظيريه الروسى سيرجى لافروف والصينى ماجاو سو بشأن المحادثات المرتقبة فى فيينا بهدف إعادة إحياء الاتفاق النووى الإيرانى، وكانت وكالة الإعلام الروسية قد نقلت (6/11/2021) عن وزارة الخارجية الروسية أن وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف ونظيره الإيرانى حسين أمير عبد اللهيان أبديا دعمهما لعودة العمل بالاتفاق النووى المبرم عام 2015 "بصيغته الأصلية". وزادت إيران من هذا التوجه فى الزيارة التى قام بها لموسكو (20/10/2021) رئيس هيئة الآركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الجنرال محمد باقرى بهدف "تنشيط التعاون العسكرى بين إيران وروسيا والتحضير لتوقيع عقود عسكرية كبرى بين البلدين"، حسب تصريحات لباقرى الذى أكد عزم بلاده "تنشيط التعاون العسكرى مع روسيا، وفتح مجالات جديدة فى توقيع عقود ضخمة فور رفع القيود المفروضة من مجلس الأمن"، وذكر باقرى أن موسكو وطهران وقعتا اتفاقاً لتزويد إيران بطرازات حديثة من الأسلحة الروسية، وزاد أن هذا الموضوع "من أبرز محاور زيارته لموسكو".

لذلك لم يكن غريباً أن يصرح كبير المفاوضين الروس لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف أن "مطالبة إيران بضمان من الحكومة الأمريكية بأنها لن تنسحب من الاتفاق التاريخى مرة أخرى أمر منطقى". وقال أوليانوف فى تغريدة (25/10/2021) أن "هذا المطلب الإيرانى يبدو منطقياً ومبرراً، وهو يتوافق ليس فقط مع الممارسة الدبلوماسية، بل ومع المنطق السليم". كما قال المبعوث الصينى إلى المحادثات النووية فى فيينا وانج تشون أن على الولايات المتحدة "رفع جميع العقوبات التى لا تتماشى مع اتفاق إيران النووى المبرم عام 2015 مع القوى الكبرى، بما فى ذلك العقوبات التى تطبق على الصين".

هذا الدعم الروسى والصينى لإيران فى محادثاتها النووية يصعب إطلاقه على كل مجالات العلاقات بين كل من روسيا والصين مع إيران، فهناك مجالات لثغرات وخلافات يمكن أن تعوق هذا الدعم الذى تحظى به إيران من الحليفين. فالصين التى تتحرك ببراجماتية شديدة لكسب مواقع اقتصادية واستراتيجية فى الشرق الأوسط لم تتردد فى نسج علاقات قوية ومميزة مع دول منافسة وربما معادية لإيران مثل إسرائيل التى بدأت تتجه بشكل ملحوظ نحو الصين فى ظل ما يمكن اعتباره ارتباكات فى العلاقات مع واشنطن وفقاً لما تعتبره تل أبيب تردداً أمريكياً فى دعم التوجه الإسرائيلى لإفشال محادثات فيينا، وعدم تجديد الاتفاق النووى مع إيران واعتماد الخيار العسكرى لتدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. الصين تبنى قرب ميناء حيفا، حيث الوجود العسكرى الأمريكى، أكبر محطة لتحلية المياه فى الشرق الأوسط، كما أن شبكة "سى إن إن" نقلت معلومات عن تعاون صينى مع السعودية لتطوير صناعة صواريخ باليستية فى السعودية. أما روسيا فهى بحرصها على "الشركة العسكرية مع إسرائيل" تحبط إيران دائماً فى سوريا بشكل ربما يؤثر سلبياً على الموقفين الإيرانى والسورى خاصة بعد الاعتداءين الأخيرين اللذين وقعا على ميناء اللاذقية فى غضون عشرة أيام كان ثانيها يوم الثلاثاء (28/12/2021) دون رد فعل روسى مناسب خصوصاً وأن الميناء أقرب ما يكون من قاعدة حميميم الروسية العسكرية، ما يعنى أن الاعتداء الإسرائيلى لم يكن ليتم دون تشاور مع الروس.

مثل هذه الممارسات وغيرها تقول أن الدعم والظهير الروسى والصينى مهم جداً لإيران فى فيينا وفى الملف النووى وملحقاته، لكنه دعم له حساباته من مصالح روسية وصينية فى الشرق الأوسط وتطور للعلاقات مع الولايات المتحدة، والأزمة الأوكرانية الأمريكية مع روسيا، والأزمة التايوانية بين الولايات المتحدة والصين نموذجان لإمكانية مقايضة أزمات بأزمات، وهذا أمر له معناه ومردوده المهم بالنسبة لمستقبل محادثات فيينا وحدود الضغوط الروسية والصينية على واشنطن من عدمها بحسابات المصالح فى أزمتى أوكرانيا وتايوان على سبيل المثال.

4- الورقة الرابعة التى ذهبت بها إيران إلى فيينا كانت ملف العلاقات المتوترة وغير المستقرة مع دول الخليج. فهذه الدول تربط بقوة بين الملف النووى الإيرانى وبين ما تعتبره مشروعاً إقليمياً إيرانياً تتدخل من خلاله إيران فى الشئون الداخلية للدول الخليجية وتهدد أمنها واستقرارها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر من تعتبرهم وكلاء إيران وعلى رأسهم فى السنوات الأخيرة حزب الله فى لبنان وميليشيات أنصار الله الحوثية فى اليمن، وميليشيات الحشد الشعبى العراقية الموالية لإيران.

هنا يمكن استخلاص ملاحظتين؛ الأولى: أن هذا الموقف الخليجى من إيران لم يكن جماعياً، كان سعودياً- إماراتياً – بحرينياً، لكن الدول الثلاث الأخرى وبدرجات مختلفة أيضاً لم تكن تشارك فى هذا الموقف، ولم تتعامل مع إيران كعدو وحافظت على قدر لا بأس به من علاقات التعاون، أو على الأقل التفاهم على النحو التالى: سلطنة عمان، ثم قطر، ثم الكويت. كل منها كانت حريصة على نهج سياسة أكثر استقلالية نحو إيران على خلاف الدول الثلاث الأخرى. أما الملاحظة الثانية فهى أن السياسة العدوانية الخليجية نحو إيران أخذت تمر بمراحل من التعاون أو على الأقل البحث عن تفاهمات وتقليل حدة التوتر فى الأشهر الأخيرة .

لو حاولنا إلقاء نظرة على المشهد الخليجى الحالى نحو إيران وبالتحديد محادثات فيينا وبالتبعية المشروع الإقليمى الإيرانى سنجدها قد مزجت بين توجهين: التصعيد والتهدئة. ما يعنى أن إيران ذهبت إلى فيينا وهى محاصرة بسياسة عدوانية خليجية من ناحية وبمؤشرات للحرص على بدء توجه تعاونى مشروط من ناحية أخرى، والشروط تدور كلها حول ما تعتبره هذه الدول مصادر التهديد الإيرانى: الخطر النووى، الصواريخ الباليستية، الوكلاء الإقليميون، وسياسة التدخل فى الشئون الداخلية للدول الخليجية. وسنجد أيضاً أن هذين المشهدين يحدثان فى ظل تطور جديد وله خطورته الفائقة بالنسبة لإيران، وهو سياسة التطبيع بين كل من الإمارات والبحرين مع إسرائيل، واقتراب إسرائيل جغرافياً من الشواطئ الإيرانية المطلة على الخليج، تقارب وتطبيع يراه البعض وليد تطورين أيضاً؛ الأول، مؤشرات أفول للوجود الأمريكى فى الشرق الأوسط لصالح تكثيف التواجد الأمريكى فى المحيطين الهادى والهندى، والثانى تفاقم الخوف من إيران بسبب ما تعتبره هذه الدول سياسة عدوانية، حيث تم اللجوء إلى إسرائيل كحليف إقليمى بديل يمكن أن يملأ فراغ غياب الحليف الأمريكى.

هذا المشهد يمكن تلمس معالمه من مجموعة مؤشرات تدل على مناهضة دول الخليج للسياسة النووية الإيرانية وانحيازها للموقف الغربى الأمريكى- الأوروبى فى محادثات فيينا، ومجموعة مؤشرات أخرى تدل على أن بعض هذه الدول حريصة على مواصلة أو بدء سياسة تعاون مع إيران، تأخذ فى اعتبارها مصالح ومتطلبات أمن واستقرار الدول الخليجية.

بالنسبة لمجموعة المؤشرات الأولى نشير هنا إلى أبرزها على النحو التالى:

- إدانة دول مجلس التعاون الخليجى والولايات المتحدة لما أسمته بـ "السياسات العدوانية الإيرانية والخطيرة" بما فى ذلك الانتشار والاستخدام المباشر للصواريخ الباليستية المتقدمة وأنظمة الطائرات دون طيار، واستخدام إيران ووكلائها فى المنطقة هذه الأسلحة فى مئات الهجمات التى استهدفت المدنيين والبنية التحتية والحيوية السعودية، وضد التجارة على متن السفن التجارية المدنية فى المياه الدولية فى بحر عمان. جاء ذلك خلال اجتماع لكبار المسئولين من الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجى عقد بمقر المجلس فى الرياض الأربعاء (17/11/2021)، أى قبل أقل من أسبوعين من استئناف التفاوض فى فيينا يوم 29/11/2021. واتفق الطرفان الخليجى والأمريكى فى هذا الاجتماع على أن "برنامج إيران النووى يمثل قلقاً بالغاً"، وأن دعم إيران للميليشيات المسلحة فى أنحاء المنطقة، وبرنامجها للصواريخ الباليستية "يشكلان تهديداً واضحاً للأمن وللاستقرار الإقليميين". وفى ذات الوقت قدم الطرفان لإيران ما يمكن اعتباره "مقايضة" أو "بديل أفضل للتصعيد يسهم فى تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار للمنطقة" يتمثل فى انجاح مفاوضات فيينا بمواقف إيجابية إيرانية مقابل تعميق العلاقات الاقتصادية معها بعد رفع العقوبات الأمريكية المتعلقة بالاتفاق النووى الإيرانى.

- الاتفاق السعودى- الفرنسى، خلال زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون للمملكة (4/12/2021) على ضرورة التصدى للأنشطة الإيرانية "المزعزعة لأمن المنطقة"، وتأكيد "القلق من تطوير البرنامج النووى الإيرانى وعدم التعاون والشفافية".

- شراء الإمارات 80 طائرة مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" خلال زيارة الرئيس الفرنسى لأبوظبى ضمن جولته الخليجية، حيث أكد الجانبان (3/12/2021) حرصهما المشترك على تعزيز مختلف جوانب "الشراكة الاستراتيجية" وتوافق الرؤى بشأن أهمية دعم الحلول والمبادرات السلمية التى تهدف إلى ترسيخ أركان الأمن والاستقرار فى المنطقة.

- تعهد جيك سوليفان مستشار الأمن القومى الأمريكى فى لقائه مع ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان فى نيوم (30/9/2021) باستعداد بلاده للدفاع عن الأراضى السعودية ضد التهديدات كافة، والدفع بحل سياسى لإنهاء النزاع فى اليمن.

- مشاركة دول خليجية مثل السعودية والإمارات والكويت فى مناورات بحرية مع الأمريكيين بعضها فى خليج عمان وبعضها فى البحر الأحمر، مثل مناورة "رماية الخليج -2021" بمشاركة سعودية وكويتية مع قوات أمريكية فى الكويت (7/11/2021)، حيث أوضح قائد التمرين الكويتى أن "تمرين رماية الخليج 2021 يهدف إلى تعزيز العلاقات العسكرية والتعاون الدفاعى المشترك مع الدول الشقيقة والصديقة وتبادل الخبرات والمعرفة العسكرية لإبراز وتوحيد القدرة القتالية التى تمتلكها الدول الثلاث، إضافة إلى تعزيز أواصر التعاون العسكرى الدفاعى".

- حرص الإمارات والبحرين على مواصلة تمتين التعاون مع إسرائيل وفتح السفارات المشتركة وتيسير دخول الإسرائيليين إلى البلدين دون تأشيرات واستقبال كبار المسئولين الإسرائيليين مثل زيارة وزير خارجية إسرائيل للبحرين وزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالى بينيت للإمارات. هذه الزيارات كانت مثار استياء إيرانى، حيث نددت الخارجية الإيرانية فى بيان بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للبحرين وقالت: "نندد بأى تمهيد من أجل ترسيخ الوجود الإسرائيلى المدمر فى المنطقة".

أما بالنسبة لمجموعة المؤشرات الأخرى التى تحمل معالم تعاون أو نوايا للتعاون الخليجى مع إيران، فيمكن الإشارة إلى أبرزها فى الآتى:

- إقدام السعودية على إجراء أربعة من جولات المحادثات مع إيران بوساطة عراقية فى بغداد، بعضها خلال حكومة الرئيس الإيرانى حسن روحانى وآخرها مع حكومة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسى، وقد أعلن عن هذه الجولة الأخيرة وزير الخارجية السعودى فيصل بن فرحان فى مؤتمر صحفى جمعه مع جوزيب بوريل وزير خارجية الاتحاد الأوروبى فى الرياض، مشيراً إلى أن تلك الجولة تمت فى 21 سبتمبر 2021، موضحاً أن هذه المحادثات "لا تزال فى مرحلتها الاستكشافية، نأمل أن نضع أساساً لمعالجة المواضيع العالقة.. سوف نسعى ونعمل على تحقيق ذلك". ولم يشر فرحان إلى مكان عقد ذلك الاجتماع ومضمونه أو إلى مستوى التمثيل فيه. فى حين أن إيران تحدثت على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية من نيويورك بصحبة وفد بلاده لاجتماعات الأمم المتحدة (23/9/2021) أن الطرفين "أجريا مباحثات جيدة وأن التقدم بشأن أمن الخليج كان جاداً للغاية" دون أن يقدم أية تفاصيل.

الإشارة الأهم بهذا الخصوص جاءت على لسان الملك سلمان بن عبد العزيز فى كلمته التى ألقاها فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (22/9/2021) ووصف فيها إيران بأنها "دولة جارة.. ونأمل أن تؤدى محادثاتنا معها لنتائج ملموسة لبناء الثقة". وكان ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان أكد فى مقابلة مع وسائل الإعلام الرسمية السعودية (28/4/2021) أن بلاده "تطمح إلى إقامة علاقة جيدة مع إيران باعتبارها دولة جارة لكن هناك إشكاليات من الطرفين وتعمل السعودية مع شركائها على حلها، والمملكة لا تقبل أى ضغوط أو تدخل فى شئونها الداخلية"، وقال: "لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بالعكس نريد إيران مزدهرة، لدينا مصالح فيها، ولديها مصالح فى السعودية لدفع العالم والمنطقة للازدهار".

- استقبال الإمارات والكويت على باقرى كنى مساعد وزير الخارجية الإيرانى رئيس وفد التفاوض فى فيينا قبل أيام معدودة من اسئتناف التفاوض بين إيران ومجموعة (4+1) الدولية، حيث تم التأكيد على أهمية تعزيز العلاقات "على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل فى إطار المصالح المشتركة" وبالطبع تم عرض وجهة النظر الإيرانية فى جولة التفاوض القادمة بعد أيام. زيارة تعكس حرصاً إيرانياً واستعداداً إماراتياً وكويتياً للتعرف على المواقف المشتركة وأجواء تفاوض فيينا.

- أما التطور الأهم ضمن هذه المؤشرات فكانت زيارة رئيس مجلس الأمن الوطنى بالإمارات الشيخ طحنون بن زايد لطهران ولقائه بالرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى ونظيره الإيرانى على شمخانى، في 6 ديسمبر 2021، فى اختراق إماراتى غير مسبوق "للمحظور" من الممارسات على غرار زيارة شقيقه الشيخ عبد الله بن زايد لدمشق ولقائه بالرئيس السورى بشار الأسد، ثم زيارة شقيقهما الأكبر ولى عهد أبوظبى الشيخ محمد بن زايد لأنقرة فى فترة زمنية متقاربة أثارت الكثير من التكهنات وردود الفعل كان أبرزها وأهمها ردود الفعل الإسرائيلية التى خشيت من انعكاسات سلبية لزيارة طحنون بن زايد لطهران على مسيرة التطبيع بين الإمارات وإسرائيل. ويبدو أن هذه الخشية كانت فى محلها، فما هى إلا أسابيع وربما أيام على زيارة طحنون بن زايد لطهران ثم زيارة نفتالى بينيت رئيس الحكومة الإسرائيلية للإمارات حتى جاء التطور الأهم الذى وصف بأنه "خيبة أمل" عندما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية معارضة الإمارات "للخيار العسكرى ضد إيران". وقالت القناة "12" العبرية أن الإمارات تقول "أن التهديدات العسكرية بالنسبة لها ليست هى الطريقة للتعامل مع إيران" معلقة على ذلك بأن "التطبيع لا يعنى تعاوناً عسكرياً بينها (الإمارات) وبين الولايات المتحدة وإسرائيل فى الهجوم على إيران".

مؤشرات مهمة تكشف عدم استقرار العلاقات الخليجية- الإيرانية، ما يعنى أنها يصعب أن تكون "ورقة قوة" فى يد إيران بفيينا، لكنها أيضاً ليست "ورقة ضعف كاملة" ضد إيران.

5- الورقة الخامسة هى الورقة التركية، التى ربما لا تكون ورقة محورية، لكنها مهمة من منظور "التوافق الإقليمى" الذى تعتبر إيران نفسها طرفاً أساسياً فيه، أو بالأحرى مستفيداً أساسياً منه. هذه الورقة تعتبر تركيا هى الطرف المحدد لمعالمها، وبالذات من منظور ترجيحات العلاقات التركية بين كل من إيران وإسرائيل. وإذا أخذنا عام 2010 عام أساسى للتحليل، أى قبل عقد من الآن شهد انتفاضة الثورات العربية وفى القلب منها الأزمة السورية التى دخلت تركيا مثل إيران طرفاً أساسياً فيها، سنجد أن العلاقات التركية- الإيرانية كانت فى أوج تطورها ليست فقط اقتصادياً، ولكن أيضاً استراتيجياً وبالتحديد بالنسبة لـ "الأزمة النووية الإيرانية" وتطوراتها.

فقد انحازت تركيا لإيران فى ملفها النووى وقامت بدور أساسى ومميز فى إيجاد حلول لتعقد أزمة تفاوض إيران مع "مجموعة دول 5+1" حول "اتفاق فيينا" لتبادل اليورانيوم (أكتوبر 2009) بسبب مخاوف إيران من نقل اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة 3.5% إلى روسيا لمبادلته بآخر مخصب بنسبة 20% لاستخدامه فى مفاعل إيران العلمى والاستخدامات الطبية. تركيا طرحت نفسها مكاناً بديلاً لموسكو لتبادل اليورانيوم وقبلت إيران بذلك ضمن وساطة تركية – برازيلية، ولكن الولايات المتحدة و"مجموعة 5+1" لم تعر اهتماماً لهذا الاتفاق الثلاثى الذى أخذ يعرف باتفاق طهران، وبسبب هذا التجاهل الأمريكى لاتفاق طهران صوتت كل من تركيا والبرازيل ضد قرار العقوبات رقم 1929 الذى صدر من مجلس الأمن ضد إيران، ولم تكترث تركيا بهذا القرار وزادت من تعاونها مع إيران، واتهمت "مجموعة دول 5+1" بعدم النزاهة فى تعاملها مع الملف النووى الإيرانى ومع السلاح النووى الإسرائيلى.

تركيا لم تساند إيران فقط فى ملفها النووى بل شاركتها أيضاً فى ضرورة الدعوة إلى فتح الملف النووى الإسرائيلى، ظهر هذا فى اجتماعات المراجعة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (نيويورك 3 – 28 مايو 2010) وفى اجتماع مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية (سبتمبر 2010).

الموقف التركى الداعم لإيران كانت له أيضاً أبعاده الأمنية والاستراتيجية فى مجالين: الأول، باتخاذ مجلس الأمن القومى التركى قراراً تاريخياً بتعديل "الوثيقة السياسية للأمن القومى" لتتضمن وللمرة الأولى حذف كل من إيران وروسيا وسوريا (قبل تفجر الأزمة السورية فى مارس 2011) واليونان من قائمة مصادر التهديد للأمن القومى التركى واعتبار إسرائيل أحد مصادر تهديد هذا الأمن. والثانى، بالتزام تركيا بموقف متشدد فى مؤتمر قمة حلف شمال الأطلسى (الناتو) الذى عقد فى العاصمة البرتغالية لشبونة (نوفمبر 2010) من قضية الدرع الصاروخية الأطلسية، فقد اشترطت تركيا عدم النص بالاسم على استهداف أى من الدول خاصة إيران أو روسيا ووافقت القمة على ذلك واعتبر ذلك انتصاراً للعلاقات التركية – الإيرانية، لكن الأهم هو أن تركيا اشترطت النص فى الاتفاقية على منع إمداد إسرائيل بأى معلومات يجرى رصدها عبر الرادارات الموجودة على أرضها أو التى سوف توجد على أرضها ضمن مشروع الدرع الصاروخية ما يكشف عن موقف تصعيدى فى علاقات تركيا مع إسرائيل.

هذا الموقف التصعيدى كانت له امتداداته السابقة فى مواقف تركيا الرافضة للسياسة الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، وفى التهديدات الإسرائيلية للبنان، لكن التحدى الأهم برز فى مواقف تركيا الخاصة بدعم السياسة النووية الإيرانية وتبنى الدعوة لنزع السلاح النووى الإسرائيلى وفرض الشرق الأوسط خالياً من أسلحة الدمار الشامل، وفى الصدام حول أسطول الحرية الذى استهدف كسر الحصار المفروض على قطاع غزة حيث تصدت البحرية العسكرية الإسرائيلية للسفينة التركية مرمرة وقتلت وأصابت عدداً كبيراً من المتطوعين بينهم عدد كبير من الأتراك.

لكن تطورات الموقف التركى من الأزمة السورية عبر مراحلها المختلفة انعكس إيجاباً وسلباً على العلاقات التركية مع إيران، حيث انحازت إيران للنظام فى سوريا بينما انحازت تركيا للمعارضة المدنية منها والعسكرية وحتى الإرهابية، رغم دخول روسيا كطرف ثالث فى العلاقة وتأسيس الدول الثلاث لما عرف باسم "منصة أستانة" حيث قامت موسكو وطهران وأنقرة بدور أساسى فى أحداث الأزمة السورية وتعقيداتها التى مازالت ممتدة، ومازالت أجواء الصدام شمال سوريا بين الوجود العسكرى التركى وحلفائه من فصائل المعارضة وبين النظام السورى مدعوماً من إيران تؤثر بقوة على مجريات العلاقات بين إيران وتركيا، ما يعنى أن هذه الورقة التركية، وإن كانت لها وزنها الإقليمى إلا أنها لم تكن لها انعكاساتها القوية على مجريات المحادثات فى فيينا ومن ثم ليست أحد محددات نتائجها المرتقبة.

6- الورقة السادسة هى الورقة الأذربيجانية، فقد كانت هذه الورقة ومازالت "ورقة ضعف" إيرانية فى مفاوضات فيينا، لكنها وبعد بدء المفاوضات نجحت إيران فى "تحييدها"، لكن هذا التحييد سيظل مرهوناً بقناعة السلطات الأذربيجانية بوجهة النظر الإيرانية. إن علاقات التعاون العسكرية والاستخباراتية بين أذربيجان وإسرائيل ستظل سبباً لتوتر العلاقات الإذربيجانية- الإيرانية، وإن المدخل الآمن لعلاقات استقرار وتعاون بين باكو وطهران سيظل مرهوناً بإبعاد النفوذ الإسرائيلى عن أذربيجان.

توتر العلاقات الإيرانية - الأذربيجانية له امتداداته فى الحرب التى خاضتها أذربيجان ضد أرمينيا عام 2020 بدعم تركى مباشر وإسرائيلى غير مباشر (عن طريق التسليح وخاصة الطائرات الإسرائيلية بدون طيار) ونجحت فى استرداد إقليم ناجورنو كاراباخ، وليس سراً أن باكو تربطها علاقات وثيقة وعميقة بإسرائيل منذ عام 1992، غداة استقلالها عن الاتحاد السوفيتى السابق، وتحولت فعلاً إلى أقرب شريك إسلامى للدولة العبرية وأحد أكبر أسواق سلاحها، فضلاً عن تعاونها الأمنى والاستراتيجى والعسكرى، حيث تقول تل أبيب أن 60% من أسلحة وذخائر الجيش الأذربيجانى مصدرها إسرائيل وبينها الطائرات بدون طيار "آي إيه آى هاروب". كما أن إسرائيل وقعت، وفقاً لتقارير عديدة، صفقات مع أذربيجان هدفها التجسس على إيران، وضمان وجود قاعدة كبيرة لجهاز "الموساد" تستغل القرب الجغرافى من إيران فى إجراء عمليات تجسس وتنصت ومراقبة داخل الأراضى الإيرانية، حتى أن الإيرانيين يربطون بين تصاعد العمليات الأمنية التى استهدفت منشآتهم النووية فى العامين الماضيين وبين البنى الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية المتجذرة فى أذربيجان.

هذه الخلفية مع نتائج الحرب الأذربيجانية - الأرمنية عام 2020 وملف العلاقات التى تراها طهران "خطيرة" بين أذربيجان وإسرائيل فاقمت من مخاوف إيران وجعلتها شديدة الحساسية وهى تعد ملفاتها لإجراء المحادثات فى فيينا وهى تعى أن إسرائيل تدفع واشنطن نحو إعطاء الأولوية للخيار العسكرى وليس للتفاوض، وأن أى تنفيذ لهذا الخيار العسكرى ستكون أذربيجان، على الأرجح، هى ميدانه.

من هذا الإدراك جاء التصعيد العسكرى الإيرانى على الحدود مع أذربيجان أول أكتوبر 2021، أى قبل حوالى 4 أسابيع من إستئناف محادثات فيينا، حيث صرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية (28/9/2021) بأن إجراء هذه المناورات "أمر سيادى من أجل السلام والاستقرار فى المنطقة بأسرها" وشدد على أن "إيران لن تتسامح مع وجود إسرائيل بالقرب من حدودها وستتخذ ما تراه ضرورياً لأمنها".

وإذا كانت الوساطة الروسية قد لعبت دوراً مهماً فى نزع فتيل تفجر أزمة بين طهران وباكو، فإن إيران ذهبت إلى فيينا وهى تعانى من هذا الملف، رغم ما تم إنجازه بعد لقاء موسكو بين وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف ونظيره الإيرانى حسين أمير عبد اللهيان (6/10/2021) الذى كشف عن آلية اقترحتها موسكو لحل أزمات إقليم القوقاز هى صيغة (3+3) أى بلدان القوقاز الثلاث (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان)، والبلدان المجاورة الثلاث (روسيا وإيران وتركيا)، فقد قام وزير الخارجية الإيرانى حسين أمير عبد اللهيان بزيارة العاصمة الأذربيجانية باكو (24/12/2021) ومن هناك، وعقب لقائه مع الرئيس الأذربيجانى إلهام حيدر علييف، قال أن بلاده "اتفقت مع أذربيجان على فتح صفحة جديدة فى العلاقات الثنائية" وأضاف: "قمنا برسم خريطة طريق لزيادة تعزيز العلاقات"، وأكد أن بلاده "ستواصل إعطاء الأولوية للعلاقات مع الجيران".

سيناريوهات التسوية فى فيينا وآفاق المشروع الإقليمى الإيرانى

واضح من تحليل كل تلك الأوراق التى يفترض أنها تعمل كمحددات لإدارة إيران لجولات التفاوض فى فيينا مع الأطراف المفاوضة أنها ليست كلها أوراق قوة، كما أنها ليست كلها أوراق ضعف، ومن ثم فإنها تؤكد مدى صعوبة موقف إيران فى هذه المفاوضات، خصوصاً وأن الأطراف الأخرى فى التفاوض بينها من يساند إيران، روسيا والصين، أو على الأقل حريص على عدم تفرد الأطراف الأخرى بها وعدم خروجها خاسرة من التفاوض، وبينها من يخوض التفاوض من منطلق صراعى صريح خاصة الطرف الأمريكى الذى يتفاوض بشكل غير مباشر عبر حلفائه الأوروبيين الثلاث (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) فى وقت يتعرض فيه الأمريكيون وبالتحديد الإدارة الأمريكية لأقصى ضغوط من إسرائيل ومن الحزب الجمهورى لإفشال المفاوضات وعدم تقديم أى تنازلات لإيران حتى لو كان خيار الحرب هو الخيار البديل.

فى هذه البيئة الصراعية استؤنف التفاوض فى فيينا يوم 29 نوفمبر 2021 بعد أن توقف يوم 20 يونيو 2021 لظروف إجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية وتشكيل حكومة جديدة. كان من المفترض، أمريكياً وأوروبياً، أن تبدأ الجولة السابعة للتفاوض يوم 29 نوفمبر 2021 من حيث انتهت الجولة السادسة يوم 20 يونيو 2021 لكن وفد التفاوض الإيرانى رأى من الضرورى مراجعة مسودة التفاوض السابقة وطرح مسودتين جديدتين واحدة تخص إلغاء العقوبات الأمريكية، والثانية تخص القدرات النووية الإيرانية وآليات العودة إلى أصل الاتفاق النووى الموقع عام 2015، الأمر الذى رفضه الأمريكيون والأوروبيون وأدى إلى تعقيد جلسة التفاوض السابعة وإنهائها دون اتفاق يوم 17 ديسمبر 2021، ومن ثم الانتظار حتى يوم 27 ديسمبر 2021 لبدء الجولة الثامنة من التفاوض، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن، ولم تصل إلى نتائج حاسمة رغم حديث العديد من المسئولين المشاركين فيها عن حدوث تقدم طفيف.

فما هى فرص نجاح هذه الجولة الثامنة؟، وهل يمكن أن تكون فعلاً هى الجولة الأخيرة للتفاوض فى فيينا حسب توقعات السفير الروسى لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رئيس وفد بلاده فى مفاوضات فيينا ميخائيل أوليانوف؟.

الإجابة تتوقف بالطبع على حدود التنازل فى المواقف بين الطرفين الإيرانى والأمريكى خصوصاً أن الجولة السابعة قد انتهت وفقاً لإفادة وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرتا" (19/12/2021) بـ"تراجع الدول الأوروبية الثلاث عن مواقفها تجاه إيران وتم التوصل إلى نص مشترك ليكون الأساس لمواصلة المفاوضات حول إحياء بنود اتفاق عام 2015". وقالت الوكالة إن مفاوضات الجولة السابعة "استمرت ببطء شديد نتيجة المواقف غير البناءة للدول الأوروبية الثلاث وإصرار بريطانيا وألمانيا وفرنسا بشكل غير مبرر على مواصلة المفاوضات في إطار المسودة التي تم التوصل إليها خلال الجولة السادسة من المفاوضات التي أجريت بين (مجموعة 4 + 1) والحكومة الإيرانية السابقة". وأضافت: "تم إقناع الجانب الأوروبي بقبول وجهات نظر إيران كأساس لمفاوضات جادة ومثمرة بناءً على الحجج المقدمة" من الوفد الایراني.

وتزامن توقف مفاوضات فيينا مع نشر وكالة "نور نيوز"، التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، تقريراً أشار إلى معلومات مفادها أن إسرائيل "تدرس القيام بأعمال شريرة ضد إيران"، واصفة النظام في إسرائيل بأنه "الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة والدول الغربية التي تتفاوض في فيينا". وتابعت: "من المؤكد أن مثل هذه الأحداث (في إشارة إلى التحضير للهجوم الإسرائيلي المزعوم)، إلى جانب تأثيرها السلبي على علاقات إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستطال (أيضاً) أمريكا".

وكان المفاوضون تحدثوا الجمعة (7/12/2021) أثناء مغادرتهم فيينا عن تقدم طفيف في المفاوضات الرامية لإحياء الاتفاق النووي مع طهران، مشدّدين في الوقت نفسه على ضرورة استئناف هذه المحادثات في أسرع وقت تجنّباً لفشلها، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وقال دبلوماسيون كبار من فرنسا وألمانيا وبريطانيا إنّه "تم إحراز بعض التقدم على المستوى التقني في الساعات الـ24 الأخيرة"، لكنهم حذروا من "أننا نتجه سريعاً إلى نهاية الطريق في هذه المفاوضات". وقالوا إن رئيس الوفد الإيراني المفاوض علي باقري كني عبّر عن رغبة في العودة إلى طهران، معتبرين توقف المحادثات لسبب لم يحدد "مخيّباً للآمال". وأكّد الدبلوماسيون أن جميع الشركاء الآخرين "مستعدون لمواصلة المحادثات" ودعوا الإيرانيين إلى "استئنافها سريعاً" وتسريع وتيرتها.

وفي تعليق على مسار المحادثات، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان: "لا تسير بشكل جيد بمعنى أننا لم نجد بعد سبيلاً للعودة إلى الاتفاق النووي". وتابع: "نحن نسدد فواتير القرار الكارثي بالخروج من الاتفاق في العام 2018"، مشيراً إلى أن الاتفاق النووي وضع سقفاً للبرنامج النووي الإيراني. لكن سوليفان وفي كلمة ألقاها أمام مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن قال إن المحادثات أحرزت في الأيام الأخيرة "بعض التقدم"، مشيراً إلى أن بلاده تنسق مع الدول الأوروبية الثلاث المشاركة في الاتفاق النووي أي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ومع الصين وروسيا.

أما إنريكى مورا منسق المحادثات باسم الاتحاد الأوروبى فكان تعليقه على مسار محادثات الجولة السابعة أن "المتفاوضين اتفقوا على مسودة عمل جديدة ستستكمل المناقشات على أساسها. وهذه المسودة هى المسودة القديمة التى كان قد تم التوصل إليها مع الوفد الإيراني السابق (وفد الحكومة الإصلاحية برئاسة عباس عراقجى)، وأضيفت إليها تعديلات تقدم بها الوفد الإيرانى الجديد برئاسة على باقرى كنى.

وكان مورا قد شدد في حديثه للصحافيين في ختام الجولة، على أن المفاوضات دخلت "مرحلة حساسة تتطلب قرارات سياسية مؤلمة أحياناً وصعبة"، مضيفاً أن الجولة الثامنة "ستكون معقدة" وأن على الوفود "تحديد أولوياتها للمضي قدماً". وقال مورا ما كرره الدبلوماسيون الأوروبيون بعده، إن أمام المتفاوضين "أسابيع وليست أشهُراً" للتوصل لاتفاق، وأضاف: "هناك شعور بالإلحاح، إذا أردنا أن نحقق نجاحاً في هذه المفاوضات ونحيي الاتفاق النووي، يجب أن نقوم بذلك في الوقت المتاح أمامنا، وإلا فببساطة لن نتمكن من إحياء الاتفاق".

وبدا السفير الروسي ميخائيل أوليانوف، رئيس وفد بلاده المفاوض، أكثر تفاؤلاً وقال إنه يأمل أن تكون الجولة الثامنة هي الأخيرة، رغم أنه بدا غير واثق من تاريخها. وقال إن "روسيا ستبذل قصارى جهدها لجعل الجولة الثامنة هي الأخيرة رغم أنها ستكون صعبة للغاية"، مضيفاً أنه "أكثر تفاؤلاً" من غيره لأن يراقب "وحدة الهدف لدى جميع الأطراف وهذا أهم شيء في المفاوضات".

وكان تعليق رئيس الوفد الإيراني المفاوض علي باقري كني بعد الاجتماع، حسبما نقلت عنه وسائل إعلام إيرانية، إن "سرعة التوصل لاتفاق تعتمد على إرادة الأطراف الأخرى ومدى قبولهم وجهات النظر الإيرانية المنطقية"، مشيراً إلى أن الجولة الثامنة يمكنها أن تكون الأخيرة.

وبعد أن بدأت الجولة الثامنة فعلاً يوم الاثنين 27/12/2021 وصف على باقرى كنى المحادثات بأنها ماضية قدماً إلى الأمام بصورة جيدة، وأشار إلى أن "طهران ستعود عن إجراءاتها النووية بعد التحقق من رفع العقوبات عملياً" لافتاً إلى "إمكانية التوصل إلى اتفاق، فى وقت قصير، شرط جدية واشنطن بشأن ذلك". وشدد أنه "كلما كان الطرف الآخر (الأمريكى) على استعداد أكثر جدية لإلغاء الحظر، وإرادة أكثر جدية للقبول بالآليات المحددة من قبل إيران لإلغاء الحظر (العقوبات) خاصة فى قضيتى التحقق والضمانات (من عدم العودة الأمريكية مجدداً لفرض العقوبات) فبإمكاننا الوصول إلى اتفاق فى فترة زمنية أقصر".

كان على باقرى كنى حريصاً على تحديد معالم الرؤية الإيرانية فى المحادثات عندما أكد على أنه "لو حصل الاتفاق فإنه يجب أولاً على الطرف المنتهك للاتفاق النووى (الولايات المتحدة) إلغاء الحظر (العقوبات) ، ومن ثم تقوم إيران، بعد التحقق من ذلك باتخاذ الإجراءات النووية فى إطار الاتفاق".

على باقرى كنى أراد أن يقول أن إلغاء العقوبات كاملة، وتأكد إيران عملياً من ذلك، يجب أن يكون الخطوة الأولى، بعدها يأتى دخول إيران فى عملية العودة فى إجراءاتها النووية إلى أصل اتفاق 2015، أى العودة عن تصعيدها فى إجراءاتها النووية التى أقدمت عليها كرد على الانسحاب الأمريكى من الاتفاق. لكن إنريكى مورا منسق المحادثات (مبعوث الاتحاد الأوروبى) عارض هذه الرؤية وقدم رؤية بديلة عندما صرح (27/12/2021) بأن الجولة الثامنة للمحادثات التى بدأت الاثنين (27/12/2021) "ستناقش رفع العقوبات والالتزامات النووية الإيرانية بالتوازى".

وفق هذا التحديد نستطيع أن نقول أن معضلة الجولة الثامنة مزدوجة، فهل يكون التحرك بالتتابع بحيث يبدأ بإلغاء واشنطن للعقوبات المفروضة على إيران، ثم بعد التأكد الإيرانى من ذلك يبدأ البحث فى عودة إيران إلى أصل اتفاق عام 2015 وإنهاء كل تجاوزاتها النووية لهذا الاتفاق، كما تريد إيران، أم يجب أن يكون التحرك بالتوازى حسب ما أكد إنريكى مورا المنسق الأوروبى لمحادثات فيينا، أن تتم العمليتين فى وقت واحد، أى سياسة "خطوة مقابل خطوة".

أما المعضلة الثانية فترتبط بالعقوبات المطلوب رفعها، فهل هى العقوبات التى كانت مفروضة قبل الانسحاب الأمريكى من الاتفاق عام 2018 أم أنها ستشمل هذه العقوبات والعقوبات الأخرى التى فرضت بعد ذلك ومنها عقوبة منع تصدير النفط الإيرانى سواء حملت اسم عقوبات تخص إتهام بالإرهاب لأشخاص ومؤسسات إيرانية، أم تخص حقوق الإنسان، ناهيك عن التعقيدات التى تخص التراجع الإيرانى عن سياسة التصعيد النووى وأين ستذهب كميات اليورانيوم التى تم تخصيبها بمعدل 20% والأخرى التى وصل تخصيبها إلى 60%، وماذا عن العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية وحدود السماح الإيرانى للوكالة بالعودة لمراقبة النشاط النووى الإيرانى وفق الآليات التى تريدها الوكالة.

كل هذه التعقيدات تضع الجولة الثامنة للمحادثات أمام أحد سيناريوهين: إما التأزم ومن ثم الفشل وإما الانفراج والنجاح. فكيف سيتأثر المشروع الإقليمى الإيرانى بأى من السيناريوهين؟

من الصعب الجزم أى من السيناريوهين سوف يفرض نفسه، لكن مؤشرات النجاح والانفراج تفوق كثيراً مؤشرات التأزم والفشل على النحو التالى:-

1- ترجيحات سيناريو التصعيد:

هذه الترجيحات يمكن أن تكون مجرد أوراق ضغط أمريكية وأوروبية وإسرائيلية على إيران لإجبار المفاوض الإيرانى على تقديم التنازلات المطلوبة، ويمكن أن تكون تهديدات حقيقية إما دبلوماسية بإنهاء المحادثات وإعلان فشلها وتحميل وفد التفاوض الإيرانى المسئولية، أو عسكرية سواء أخذت شكل عدوان أمريكى – إسرائيلى شامل على المنشآت النووية الإيرانية لتدميرها، أو أخذت شكل ضربات عسكرية إسرائيلية مدعومة أمريكياً بإمداد واشنطن لإسرائيل بالأسلحة والذخيرة المطلوبة لتنفيذ العملية، أو تكون عبر ضربات محدودة مخابراتية تخريبية عن طريق جماعات إيرانية موالية أو عملاء مخابرات إسرائيليين يتم ذرعهم داخل إيران أو اعتداءات "سيبرانية" لتخريب المنشآت النووية.

وفق هذا التصور يمكن رصد المؤشرات التالية:

- بيان الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) الذى شدد على الطابع "المُلِح" و"العاجل" لعملية التفاوض محدداً مهلة "أسابيع وليس شهوراً" للتوصل إلى صفقة لإنقاذ الاتفاق النووى. وقال البيان: "نقول بوضوح أننا نقترب من النقطة التى يكون فيها تصعيد إيران لبرنامجها النووى قد أفرغ تماماً خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووى لعام 2015) من مضمونها".

- ترافق مع هذا التصعيد الدبلوماسى ما جاء على لسان رئيس وفد التفاوض الأمريكى فى فيينا روبرت مالى لشبكة "سى إن إن" (الثلاثاء 21/12/2021) بأنه "لم يتبق سوى بضعة أسابيع لإنقاذ الاتفاق فى حال واصلت طهران أنشطتها النووية بالوتيرة الحالية" وأضاف: "عند ذلك لن تكون هناك صفقة يمكن إحياؤها". وقال: "الأمر يتوقف حقاً على وتيرة عملهم (إيران) النووى" مشيراً إلى أنه "سيكون لدينا مزيد من الوقت إذا أوقفوا التقدم النووى".

يذكر أن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامى قد أكد (21/12/2021) أن بلاده "اصبحت قادرة على إنتاج الوقود النووى محلياً، وستبدأ قريباً استخدامه فى محطة بوشهر للطاقة النووية"، هذا فضلاً عن نجاح إيران فى تخصيب كميات غير قليلة من اليورانيوم بنسبة 60%، وكانت تقارير صحفية غربية قد أفادت بأن إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة على معلومات استخباراتية تفيد بنية إيران زيادة مستوى التخصيب إلى 90%، وهى النسبة التى يمكن بلوغها لاستخدام اليورانيوم المخصب لأغراض عسكرية.

- الانسياق الأمريكى وراء التصعيد العسكرى الإسرائيلى ضد إيران. تكشف ذلك، فى زيارة مستشار الأمن القومى الأمريكى جيك سوليفان لإسرائيل ولقاءاته مع رئيس الحكومة نفتالى بينيت ونظيره الإسرائيلى إيال حولاتا، حيث صدر بيان مشترك (22/12/2021) جاء فيه أن الطرفين الأمريكى والإسرائيلى "بحثا فى ضرورة مواجهة كل جوانب التهديد الذى تشكله إيران بما فى ذلك برنامجها النووى والأنشطة المزعزعة للاستقرار فى المنطقة" أعقب ذلك التوقيع فى واشنطن (الجمعة 31/12/2021) على صفقة تسلح جديدة لإسرائيل تشمل 12 مروحية نقل جنود مقاتلة وطائرتين حديثتين لتزويد الوقود فى الجو وذخيرة جوية متطورة، وأنظمة دفاع جديدة، وبرامج سيبرانية ورقمية، حسب تأكيدات لوزارة الدفاع الإسرائيلية.

- التهديدات الإسرائيلية المستمرة والتأكيدات على أن الجيش الإسرائيلى بات معنياً بالإعداد لتدمير القدرات النووية الإسرائيلية ومنع إيران من أن تتحول إلى "دولة حافة نووية" (قادرة على إنتاج القنبلة).

الرئيس الإسرائيلى اسحق هيرتسوج ألمح إلى ذلك خلال حفل تخريج عناصر فى سلاح الجو عندما قال إنه "يتوجب تحييد التهديد الإيرانى نهائياً باتفاق أو بدون اتفاق"، وتعهد بذلك رئيس الموساد ديفيد بارنياع، كما أعلن بينى جانتس وزير الدفاع فى تصريحات نقلتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه "قد لا يكون هناك مفر من ضرب إيران، ونحن نستعد لهذا الاحتمال" مشيراً إلى أن اللجنة الوزارية للتسلح صادقت على شراء أسلحة وذخائر جديدة، كما كشفت صحيفة "هآرتس" نقلاً عن محافل رفيعة فى تل أبيب، النقاب عن أن "إسرائيل تتحضر لسيناريو اتفاق سيئ، وتزيد تجهيزاتها لخيارات عسكرية تمنع طهران من الحصول على سلاح نووى".

- على الجانب الآخر تستعد إيران هى الأخرى لمثل هذه السيناريوهات والتهديدات بتدمير منشآتها النووية بالإعلان عن امتلاك أسلحة جديدة قادرة على تدمير كل ما تريده فى إسرائيل، وبالإعلان عن مناورات عسكرية تحاكى حرب فعلية وعمليات محددة مثل تدمير مفاعل "ديمونا" النووى الإسرائيلى.

فقد أجرت إيران مناورات موسعة تزامنت مع الإعداد لبدء جولة التفاوض الثامنة، وصرح أكبر قائدين عسكريين فى إيران (الجمعة 24/12/2021) أن المناورات الحربية التى أجرتها البلاد (هذا الأسبوع) استهدفت توجيه تحذير لإسرائيل، حيث قال الجنرال حسين سلامى قائد الحرس الثورى فى نهاية هذه المناورات (الجمعة 27/12/2021): "كانت لهذه التدريبات رسالة واضحة جداً.. رد جاد وحقيقى.. على تهديدات الكيان الصهيونى وتحذيره من ارتكاب حماقة". وتابع سلامى: "سنقطع أيديهم إذا ارتكبوا أى حماقة.. المسافة بين العمليات الحقيقية والمناورات الحربية هى فقط تغيير زوايا إطلاق الصواريخ". أما رئيس الأركان الجنرال محمد باقرى فقال أن "16 صاروخاً باليستياً من طرز مختلفة أطلقت فى نفس الوقت ودمرت أهدافا محددة سلفاً".

2- ترجيحات سيناريو التهدئة:

مثلما تفاقمت مؤشرات التصعيد التى يمكن أن تؤدى إلى إفشال محادثات فيينا، لاحت فى الأفق مؤشرات أخرى إيجابية ومهمة ترجح نجاح المحادثات نشير إلى أبرزها:

- الاتجاه الأمريكى للتنسيق مع روسيا لإحراز تقدم فى محادثات فيينا. فقد أفاد السفير الروسى لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رئيس الوفد الروسى فى محادثات فيينا ميخائيل أوليانوف على "تويتر" أنه "أجرى مشاورات مع المبعوث الأمريكى الخاص بإيران روبرت مالى"، ونشر صورة من لقائهما. وأضاف: "تمثل المشاورات الوثيقة والتنسيق بين الوفدين الأمريكى والروسى فى سياق محادثات فيينا شرطاً مسبقاً مهماً لإحراز تقدم نحو إستئناف العمل بخطة العمل المشتركة (الاتفاق النووى).

وقبل إجراء هذه المحادثات كان أوليانوف قد دعا الدول الغربية إلى تجنب تحديد "المواعيد المصطنعة" (يقصد تهديدات الأوروبيين والأمريكيين بأسابيع فقط وليس شهوراً كأمد متاح لمحادثات فيينا). وقال أوليانوف فى تصريح نقلته مجلة "فورين بوليسى" (28/12/2021) أن "الصين وروسيا أقنعتا إيران بالتراجع عن بعض مواقفها المتشددة، بما فى ذلك إصرارها على أن تركز المحادثات فقط على إلغاء العقوبات وليس المسائل النووية أيضاً". وزاد: "وافق الإيرانيون فى نهاية المطاف على بدء المفاوضات على أساس مسودة صاغتها الحكومة الإيرانية السابقة فى نهاية الجولات الست السابقة للتفاوض".

- دخول الصين هى الأخرى إلى جانب روسيا كداعم لإيران وكمحرك للتفاوض نحو النجاح، فقد صرح وانج تشون سفير الصين إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيس وفدها فى محادثات فيينا (25/12/2021) بأن "جميع الأطراف وافقت على العودة لتفعيل الجولة الثامنة من المحادثات.

- إعلان الرئيس الروسى فلاديمير بوتين موعداً قريباً لاستقبال الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى فى أول زيارة له لروسيا فى وقت شديد الأهمية بالنسبة للمفاوضات خاصة بعد تأكيد وكالة "إرنا" للأنباء الرسمية الإيرانية أن "إيران وروسيا تستعدان لتوقيع وثيقة تعاون استراتيجية لمدة 20 عاماً". وأفادت قناة "زويو زدا" الروسية بأن "رئيسى سيزور موسكو لتوقيع الاتفاقية مطلع 2022".

الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أعلن عن الزيارة المرتقبة للرئيس الإيرانى خلال مؤتمر صحفى جمعه مع رئيس الحكومة اليونانية كرياكوس ميتسوتاكيس (29/12/2021) حيث قال: "لقد بحثنا المشكلة الإيرانية آمل أن يلبى الرئيس الإيرانى دعوتى ويزور روسيا مطلع العام الجديد"، وأضاف بوتين، حسب الموقع الإليكترونى للكرملين: "بالطبع سنبلغ أصدقاءنا وشركاءنا الإيرانيين بالتفصيل بشأن حوارنا مع الأمريكيين حول هذه المسائل، وسنواصل بحث هذه المسألة خلال الزيارة المرتقبة للرئيس الإيرانى لروسيا".

تطورات تقول أن روسيا ستوقع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع إيران قريباً، على نحو ما وقعت الصين اتفاقية مماثلة، وهذا معناه أن البلدين الكبيرين سيقفان خلف إيران ولن يسمحا بأن تكون من يدفع الثمن فى فيينا، كما لن يسمحا بفشل المحادثات. وتقول أيضاً أن روسيا تتباحث مع الولايات المتحدة حول الأجندة التى يجرى التفاوض حولها فى فيينا، ما يعنى أن التفاوض لا يحدث فقط فى فيينا بل فى العواصم الكبرى أيضاً، وهذا معناه دعم دولى كبير لإنجاحها.

- إعلان نفتالى بينيت رئيس الحكومة الإسرائيلية أن حكومته "لن تخالف الإدارة الأمريكية فى الموقف من الاتفاق النووى" لكنه طالب القوى الكبرى بموقف أكثر صرامة فى محادثات فيينا. وقال بينيت فى حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلى (28/12/2021): "نحن لا نبحث عن شجارات ولن نعارض أى اتفاق نووى يوقع بين إيران والدول العظمى.. وإن كان ذلك اتفاقاً جيداً فنحن سنرحب به، وفى نهاية الأمر قد يجرى التوصل إلى اتفاق جيد فعلاً.. فدول الغرب الصديقة تسعى إلى ذلك. لكن جنباً إلى جنب مع ذلك يجب أن أؤكد أن إسرائيل ستحتفظ بحقها فى العمل، وستدافع عن نفسها بقواها الذاتية".

تراجع إسرائيلى اضطرارى عن خيار إفشال المفاوضات إما بالضغوط وإما بعمل عسكرى أثناء إجرائها. وهذا فى حد ذاته تطور مهم وإيجابى بخصوص وجود فرص أكثر مواتاة لنجاح المحادثات فى فيينا على النحو الذى تسعى إليه إيران والقوى الأخرى المفاوضة.

- وجود ميل إيرانى للقبول باقتراح وزير الخارجية العراقى فؤاد حسين لإجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة. فقد اقترح فؤاد حسين هذا الاقتراح عند زيارته الأخيرة لطهران (24/12/2021). وتتردد أنباء أنه سلم المسئولين الإيرانيين اقتراحاً أمريكياً بهذا المعنى. الذين رجحوا قبول إيران للاقتراح استندوا إلى قناعة تقول "إذا سمحت المؤسسات العليا لفريق التفاوض الإيرانى فى فيينا بإجراء مفاوضات مباشرة مع المفاوضين الأمريكيين فإن فرص النجاح ستكون أفضل". ورغم أن وزير الخارجية الإيرانى التزم الصمت على هذا الاقتراح عند طرحه من نظيره العراقى فى مؤتمرهما الصحفى، إلا أن "الصمت ربما يكون علامة قبول" على ضوء برقية كان قد بعث بها رئيس وفد التفاوض الإيرانى على باقرى كنى يقول فيها أن "أضرار الحوار غير المباشر مع واشنطن عن طريق الوفود الأوروبية أكبر بكثير من فوائدها".

خاتمة

وفق هذه المؤشرات السلبى منها والإيجابى، نستطيع أن نرجح سيناريو نجاح المحادثات وهذا سيكون له مردوده القوى بالنسبة للمشروع الإقليمى الإيرانى لأربعة أسباب هى:

1- أنه سينهى العقوبات على إيران وسيمكن إيران من استعادة قدراتها الاقتصادية والمالية، ومن ثم الإنفاق ببذخ على دورها الإقليمى ومشروعها السياسى.

2- أنه لن يمس الثوابت الإيرانية الثلاث: لا مساس بالقدرات الصاروخية الباليستية. لا مساس بالسياسة الإقليمية لإيران، ولا دخول لأطراف جديدة فى الاتفاق سواء كانت إسرائيل أم دول خليجية.

3- أنه سيحفظ لإيران منشآتها النووية سليمة، وأنه سيمنع إسرائيل من أى تهديد لهذه المنشآت لأن التوقيع الأمريكى مجدداً على الاتفاق سيكون رادعاً قوياً لإسرائيل، خصوصاً وأن الاتفاق يقوم على ثنائية مبادلة إلغاء العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران مقابل عدول إيران عن تجاوزاتها النووية والعودة مجدداً إلى الالتزام بأصل اتفاق عام 2015.

4- وجود احتمال كبير لحدوث تحسن إيجابى فى العلاقات الإيرانية- الخليجية، وخاصة السعودية، التى على ما يبدو تترقب نتائج المحادثات إن كانت نجاحاً سيكون الانفتاح السعودى على إيران وإن كانت فشلاً سيكون التصعيد السعودى ضد إيران.

أما فى حال فشل المفاوضات، وهو السيناريو الأقل ترجيحاً، فإن إيران ستكون فى حِل من التوقف عن تطوير قدراتها النووية وستعمل بجد للوصول سريعاً إلى وضع "حافة نووية" أى امتلاك القدرة على تصنيع القنبلة وربما صنعها فعلاً وعندها سينشأ وضع إقليمى جديد أكثر توتراً، وستتفجر الكثير من المواجهات بين إيران ومن يناصبونها العداء، خاصة إسرائيل المتحفزة لضرب منشآت إيران النووية التى ستجد الظروف أكثر مواتاة لإقناع الولايات المتحدة بأن فشل الخيار الدبلوماسى ليس له غير معنى واحد هو التمسك بالخيار العسكرى. فى مثل هذه الظروف سيكون المشروع الإيرانى أول بل أبرز من سيدفع الثمن فى ظل حالة غير مسبوقة من "الصراع المفتوح" إقليمياً ودولياً، والإعلام الإسرائيلى والإعلام الأمريكى الداعم يعمل فى هذا الاتجاه بدأب شديد.