آمنة فايد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في إطار اهتمام مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بدراسة الثقافة الصينية -باعتبارها مدخلا مهما لفهم النموذج التنموي الصيني والسياسة الخارجية الصينية- ودراسة أوجه التشابه والاختلاف القائمة بين الحضارتين، ومنظومتي الثقافة، المصرية والصينية، انتهى المركز من المرحلة الثانية من المشروع بحثي حول العلاقات الثقافية بين مصر والصين.

شملت هذه المرحلة خمسة دراسات. جاءت الدراسة الأولى، التي أعدها د. أيمن السيد عبد الوهاب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت عنوان "مصر والصين... المشترك الحضاري"، وركزت على استخلاص الرؤية الفلسفية للحضارتين المصرية والصينية لمجموعة من القيم الأساسية.

استعرضت الدراسة في هذا السياق مجموعة من الأفكار الفلسفية لدى الحضارة المصرية المُرتبطة بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، مثل تصورات المصري القديم حول الموت والبعث والخلود، وعلاقة ذلك كله بالأفعال؛ خيرها وشرها، فضلاً عن تفوقه في العلوم والمعارف المختلفة التي كانت حاكمة وناظمة لحياة المصري القديم ولعلاقته بالكون والدين. ثم ركزت الدراسة بعد ذلك على مرتكزات الحضارة المصرية القديمة، والتي اعتمدت في الأساس على ثلاثة عناصر ساهمت بدورها في تأسيس الحضارة واستمرارها، وهي: الإنسان، والمعرفة، والدين.

وفيما يتعلق بالحضارة الصينية أكدت الدراسة أن الفكر الفلسفي الصيني اتسم نزعته الإنسانية التي مثلت الخط الرابط للحضارة الصينية من خلال ربطها التكاملي بين الإنسان والطبيعة، والذي انعكس بدوره على النظام السياسي والاجتماعي الذي أخذ شكل هرمي يُمثل الإمبراطور قمته. وقد استعرض الكاتب مصدرين أساسين للحضارة الصينية، الأول: تعاليم كونفوشيوس، التي جعلت الأخلاق هي المبدأ الأساسي لأي نظام، والتي تشابهت أفكارها وتعاليمها مع سقراط وأفلاطون. والأساس الثاني، هو تعاليم لاتوس والفلسفة الطاوية، والتي تستند إلى فلسفة سياسية تؤمن بقيمتي الحق والعدل المرتبطتان بالحكم وإدارة الممالك كأساس للشرعية. أما فيما يخص مرتكزات الحضارة الصينية، فقد أشار الكاتب إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: الدين، والأخلاق، والتطور العلمي والتقدم.

تناول المحور الثاني من الدراسة القواسم الحضارية المشتركة بين الحضارتين الصينية والمصرية، والتي تمثلت في خمس نقاط جوهرية. النقطة الأولى، ثقافة العمل، حيث حظي العمال وأصحاب الحرف بقيمة خاصة في الحضارتين، وهو ما ظهر جليًا في الحالة المصرية على نقوش المعابد والمقابر الفرعونية، وبرز في إدراك الصينيين لأهمية شغل الوظائف الإدارية والانخراط في العديد من الأنشطة كالزراعة. والنقطة الثانية، قيم العدل والحق والقانون، إذ احتلت تلك القيم مرتبة مُتميزه في منظومتي الأخلاق المصرية والصينية، وحظيت باهتمام الملوك والحكماء، فكانت أحد ألقاب الملك الرسمية في مصر القديمة "مُقيم العدالة"، بينما كان لتلك القيم الفضل في تماسك الصين اجتماعيًا وسياسيًا واستقلالها.

وترتبط النقطة الثالثة، بالمواطنة والتماسك المجتمعي، حيث تأصلت فكرة المواطنة لدى المصريين القدماء، وهي فكرة التماسك والاتحاد في وجه أي خطر خارجي أو داخلي، وكذلك الأمر بالنسبة للصين، حيث عبرت الثقافة الصينية التقليدية عن ذلك من خلال تشكيل ثقافة مُشتركة مُمتدة من ثالوث عقيدي تاريخي (الكونفوشيوسية، والطاوية، والبوذية). أما النقطة الرابعة فهي تعود للمكون الثقافي وتنوعه بين العديد من الفنون والآداب والمهن، ودوره في إثراء الحضارتين المصرية والصينية واستمرارهما، والذي تمثل في العديد من الفنون والآداب. وأخيرًا، أصالة الهوية، حيث ارتبطت قضية الهوية والافتخار في الحضارتين بتجسيد كل منهما لملامح التميز والخصوصية، لاسيما أن كل حضارة قد حملت ما ميزها ودلل على بقائها.

في نهاية الدراسة، أشار الكاتب إلى مدى أهمية تناول القواسم المشتركة للحضارتين من منظور الواقع المعاصر، والمدلولات التاريخية لهذه القواسم، لوضع حد للتأثيرات السلبية للعوملة ومابعد الحداثة، والتأكيد على قضية الهوية والثقافة الحافظة لقيمة الإنسان الحضارية، وتعزيز سبل إدارة التنوع الثقافي في ظل التنازع القائم في العالم المعاصر، وكذلك لزيادة القدرة على مواجهة تهديدات الإرهاب والتطرف والتعصب، وتحديات التغيرات المناخية واختلالات التوازن البيئي، فضلاً عن التأكيد على أهمية زيادة المكون الثقافي والمعرفي المُتبادل بين مصر والصين لدعم وتطوير العلاقات الثنائية في كافة المجالات بين الجانبين.

وجاءت الدراسة الثانية، والتي أعدها د. محمد عباس ناجي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت عنوان "منظومة القيم المصرية والصينية: دراسة مقارنة". أكدت الدراسة أنه برغم  استناد العلاقات المصرية- الصينية إلى ظهير ثقافي وحضاري يُسهم بشكل كبير في استمرارها وتطويرها، إلا أن هذا لا ينفي وجود خصائص ثقافية وحضارية نابعة من خصوصية المشروع الحضاري لكلا البلدين، ولعل هذا ما يُجيب على تساؤلات عديدة حول أسباب نجاح الصين وتأخر مصر في بعض المراحل التاريخية، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال لخلق دافع لدراسة النموذج التنموي الصيني، والمحددات الأساسية التي قام عليها هذا النموذج. وانطلاقًا من ذلك، ناقشت الدراسة خمسة سمات أساسية تميزت بها منظومتي القيم المصرية والصينية.

السمة الأولى، إدراك الذات؛ فرغم ما شهدته الحضارتان المصرية والصينية من مراحل قوة وضعف على مدار التاريخ، وإدراك كل منهما لقدراتها النسبية المختلفة على مستوى السكان، والجغرافيا والاقتصاد والقوة العسكرية، إلا أن ذلك، هو ما جعل كل دولة منهما تمثل نقطة توازن ومحور قوة مهم في محيطها الإقليمي. فقد اعتمدت كل من مصر والصين على مجموعة من المبادئ السياسية الحاكمة لعلاقتها بالعالم الخارجي، وإقليمها المباشر، أهمها: العمل على دعم الاستقرار والأمن الإقليمي، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، مع استثناء الانخراط الاضطراري وليس الاختياري في الأزمات الخارجية لحماية الأمن القومي، فضلا عن ترسيخ مبدأ توازن المصالح، والتركيز على الأدوات الاقتصادية في إدارة العلاقات الخارجية.

السمة الثانية، تزامن التحولات الكبرى، السياسية والاقتصادية الرئيسية، في الدولتين بداية من عقد الستينيات في القرن الماضي. بالنسبة للصين، تبنى الزعيم "ماو تسي تونج" عام 1958 سياسة "القفزة إلى الأمام" بحثًا عن مكانة اقتصادية للصين مُماثلة لما حظيت بها الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة الامريكية، إلا أن هذه السياسية واجهت العديد من العراقيل التي ساهمت في إفشالها، لتبدأ الصين عام 1978 في التحول تدريجيًا إلى الانفتاح على الخارج وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

فيما يتعلق بمصر، ساهمت ثورة 23 يوليو عام 1952 في تغيير النسق القيمي الذي كان قائمًا في العهد الملكي في مصر، لاسيما فيما يتعلق بالإقطاع وسيطرة رأس المال الخاص، وتبني مشروعات تنموية جديدة، إلا أن ذلك قد واجه تحديات عدة. الأمر الذي أدى لتعرض الاقتصاد المصري لتقلبات وتطورات عدة خلال الحقب الرئاسية المختلفة، حتى بداية عهد الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، الذي أولى اهتمامًا بالغًا بالمشكلات الكبرى التي تؤثر على الاقتصاد المصري على نحو يؤثر على قيمة العمل وهو ما انعكس في ثلاث مؤشرات رئيسية، هي: إعلاء قيمة الانجاز واستثمار الوقت، ودعم العمل في القطاعات الرئيسية لاسيما الزراعة، وتوطين الصناعات.

السمة الثالثة، هي "وحدة الدولة" باعتبارها إحدى أهم الركائز التي تأسست عليها الدولتين، لاسيما من حيث عدم تبني سياسات تميزية بين العاملين في الأجهزة الإدارية للدولة، الأمر الذي حال دون وقوع العديد من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي غالبًا ما تتسبب بها التمايزات العرقية والدينية والمذهبية وتهدد تماسك المجتماعات والدول. تعززت قيمة "الوحدة" من خلال تعزيز قيمة العمل، وإعلاء الولاء الوطني على حساب الولاءات الذاتية الجهوية وغيرها. كما تعرض الكاتب لمفهومي "التراتبية الوظيفية"، و"الوئام" في الثقافتين المصرية والصينية.

السمة الرابعة، هي الثقافة الأبوية، لاسيما أن الدور الأبوي يعتبر من أهم الركائز التي قامت عليها الثقافتان المصرية والصينية، والتي امتد أثرها إلى قيمة العمل، وتعود بشكل كبير إلى الهوية الوطنية والظروف التاريخية؛ فعلى مر الحقب الزمنية في مصر، كانت العلاقة بين الرئيس والمرؤوس تُمثل امتدادًا للعلاقات السائدة داخل الأسرة والعائلة، بحيث تجري عملية اتخاذ القرار من أعلى إلى أسفل ومن المركز إلى الأفرع. كذلك كان الحال بالنسبة للصينيين، حيث قامت العلاقة بينهما على قاعدة المُقايضة التي هي أشبه بعقد اجتماعي بين الطرفين، يقوم بموجبه الثاني بإعلان الطاعة والولاء، مقابل قيام الأول بتوفير المُكتسبات المادية أو المعنوية.

السمة الخامسة، هي  بين العلاقة الموقع الجغرافي الاستراتيجي لكل من الصين ومصر ووجود التهديدات الخارجية، وذلك على خلفية ما تعرضت له الدولتين من هجمات خارجية وتدخلات مستمرة في الشؤون الداخلية. وقد ناقش الكاتب في هذا الشأن مدى تأثير الشعور بالتهديد على قيمة العمل على المستويين الفردي والمؤسسي، لاسيما فيما يخص فترات البقاء في العمل، والتي أثارت جدلاً واسعا في كلا البلدين.

اعتمادًا على منهج دراسات تحليل الخطاب، تناولت الدراسة الثالثة، التي أعدها د. محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والتي جاءت تحت عنوان "الصورة الذهنية لدى النخبة المصرية حول الصين"، مجموعة المدركات والمعتقدات العامة والكلية؛ الإيجابية والسلبية، التي تُمثل بشكل عام الصورة الذهنية للنخبة المصرية عن الصين، وذلك في اطار ثلاثة أجزاء رئيسية؛ استعرض أولها طبيعة المدركات الحاكمة لرؤية النخبة المصرية للصين، وناقش الثاني حدود التغيير في تلك المدركات، بينما ناقش الجزء الثالث مجموعة من المقترحات لتحسين الصورة الذهنية للصين في مصر.

وانتهت الدراسة إلى أن هناك عدد من المدركات الإيجابية لدى المصريين حول الصين؛ أولها أن الصين تُمثل في ذهن قطاع واسع من المصريين "دولة ذات حضارة عريقة"، تشترك مع الحضارة المصرية في الكثير من الملامح التي أثمرت تركة ضخمة من التقاليد والمعارف والعلوم والفنون والآداب. ثانيها، أن الصين دولة غير عدو، فليس لها تاريخ استعماري مع دول المنطقة، ولا تضع شروطًا سياسية مقابل ما تقدمه من معونات للدول النامية. ثالثها، أن الصين تعتبر إحدى القوى الاقتصادية العظمى، التي بنت نظاما اشتراكيا عالميا وفقًا لنهجها الخاص.

إضافة على ما سبق، رأى الكاتب أنه رغم انهيار الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، إلا أن الحزب الشيوعي الصيني قد نجح في الحكم لفترات طويلة في الصين وساهم في الحفاظ على استقرار الصين وتقدمها، الأمر الذي أرجعه الكثيرون إلى أن الحزب الشيوعي الصيني يتابع عمليات التحول السياسي في العالم، ويستفيد من دروسها، بهدف تفادي الوقوع في نفس المصير. وأخيرًا أكد الكاتب على القوة الديموغرافية التي تتميز بها الصين ككتلة سكانية هائلة أقرب للقارة منها إلى الدولة، وتجمع بين النمو السريع في حجم السكان الضخم والنمو الاقتصادي.

تطرق الكاتب في المحور الثاني لحدود تغير مدركات النخبة المصرية للصين بعد عام 2014، مؤكدًا على أن هناك شريحة كبيرة من النخبة ترى أن الصين قد تحولت إلى شريك استراتيجي فعلي بالنسبة لمصر، وذلك استنادًا على أربعة مؤشرات، ترتبط في في مُجملها بالسلوك الرسمي الصيني تجاه مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013، والذي عزز بدوره الصورة الذهنية الايجابية للصين كداعم للدولة المصرية على المستويين السياسي والاقتصادي. المؤشر الأول، يتعلق بالتوافق السياسي الواسع الذي حدث بين البلدين عقب ثورة 2013. ويتعلق الثاني بتعدد الزيارات الرسمية المتبادلة، خاصة على القيادات السياسية العليا. أما الثالث، فيدور حول موقع مصر على مبادرة الحزام والطريق كمشروع عالمي مفتوح، بينما يقوم المؤشر الرابع على تزايد مشاركة الشركات الصينية في المشروعات المصرية.

في النهاية، اقترحت الدراسة مجموعة من التوصيات لتحسين الصورة الذهنية حول الصين في مصر، من خلال التركيز على ثلاثة محاور أساسية؛ الأول يركز على سياسات وبرامج تعزيز الحضور الثقافي الصيني في مصر والعلاقات الثقافية بين البلدين، والثاني تعزيز الدور الاقتصادي الصيني في دعم عملية التنمية الجارية في مصر، بينما يشمل الثالث يُشجع التفاعل الإيجابي بين العمالة المصرية والصينية في بيئات العمل.

وعلى خلفية تنامي العلاقات والروابط الثقافية بين مصر والصين خلال السنوات الأخيرة، تناولت الدراسة الثالثة التي أعدتها الأستاذة صافيناز محمد أحمد، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والتي جاءت تحت عنوان "انماط التفاعل الثقافي بين مصر والصين ... التطور والتقييم". أشارت الدراسة إلى أن الحكومة الصينية صاغت سياستها الثقافية تجاه مصر من خلال مسارين أساسيين: الأول، الاعتماد على الهيئات والمراكز الثقافية والجامعات التابعة لها، في تقديم "الخدمات الثقافية"، والثاني، يركز على توفير وتطوير البنى التحتية التي تُتيح وتدعم عملية صناعة الثقافة والإبداع، وذلك في مواجهة بعض التحديات التي تواجه مسارات التواصل والتعاون بين البلدين، والتي يأتي في مقدمتها حاجز اللغة، وتباين ثقافات وقواعد العمل بين القوى البشرية المصرية ونظيرتها الصينية.

تناول المحور الأول من الدراسة مراحل التعاون الثقافي بين مصر والصين خلال مرحلتين أساسيتين، هما: مرحلة ما قبل عام 2011، ومرحلة ما بعد عام 2011. وقد أشارت الدراسة إلى أن العلاقات بين البلدين قد شهدت تطورًا نوعيًا عقب ثورتي 25 يناير 2011، و30 يونيو 2013، وذلك على كافة المستويات السياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية. وتناولت الدراسة في هذا الإطار، أنماط التعاون الثقافي بين البلدين ومخرجاته، خاصة بالنسبة لعدة مجالات أساسية، هي: التعليم والبحث العلمي والترجمة، ثم المنتديات والمعارض والمناسبات والمراكز الثقافية، وأخيرًا الإعلام بكل ما يشمله من صحافة، وتليفزيون ومسرح وسينما.

وناقش الجزء الثالث من الدراسة البعد الثقافي في مبادرة "الحزام والطريق"، حيث أكدت أن مبدأ احترام الخصوصية التاريخية والتراثية والموروثات الاجتماعية لكل دولة هو الأساس الذي تنطلق منه المبادرة، سواء من أجل تحقيق التنمية المُستدامة في كل دولة، أو لترسيخ كافة أبعاد التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين جميع الدول الواقعة على مسارات المبادرة، خاصة أن هناك اتجاهًا راسخا لدى الحكومة الصينية في رسم طبيعة الروابط والعلاقات التي تربطها بدول المبادرة، ومن بينها مصر، على عدة أسس، أبرزها: العمل على الترويج للثقافة الصينية، والعمل كذلك على تعظيم القواسم الثقافية المشتركة بين دول المبادرة، هذا بالإضافة إلى خلق نموذج جديد للتواصل الثقافي يتأسس على مبدأ "المساواة" والشراكة ذات المنافع المُتبادلة.

في نهاية الدراسة أكدت الكاتبة أن مخرجات التعاون والتفاعل الثقافي بين مصر والصين، لاسيما منذ عام 2014، تُشير إلى وجود العديد من فرص التطوير والترسيخ خلال المراحل القادمة، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وذلك بدعم أربعة عوامل أساسية، يتمثل أولها في ما تمتلكه مصر من مقومات مهمة، كالموقع الجغرافي الاستراتيجي المصري، وحجم إرثها الثقافي والحضاري، فضلاً عن ثقلها ودورها السياسي في الشرق الأوسط، الأمر الذي يؤهلها لأن تصبح جسرًا هامًا وحيويًا للتفاهم والتواصل بين الثقافات المختلفة. بينما يرتبط ثاني تلك المقومان بحالة التوافق السياسي بين مصر والصين، والتي تُمثل حافزًا لتعزيز وتوطيد التواصل الثقافي بين البلدان. بينما يتعلق ثالثها بما تفرضه مرحلة الانتقال التي يمر بها النظام العالمي والتحولات الجارية في هيكله. ويرتبط رابعها بالنقلة المُتوقعة في حجم ومستوى العلاقات المصرية– الصينية في ظل استقرار وتطور مراحل تدشين مبادرة "الحزام والطريق"، وتنامي حجم الاستثمارات المُتوقعة بين البلدين.

وتشير الدراسة إلى أنه في إطار مساعي توطيد العلاقات الثقافية المصرية– الصينية، وترسيخها يجب أن نأخذ في الحسبان البحث عن حلول لبعض التحديات التي قد تعرقل الجهود المبذولة من الجانبين في هذا المجال، مثل صعوبة التواصل اللغوي، لمحدودية عدد الناطقين باللغة الصينية في مصر رغم النقلة المهمة التي شهدتها السنوات القليلة الأخيرة، وضعف الدراسات الأكاديمية عن الصين لغياب المباردات المؤسسية المُمنهجة، فضلاً عن ضعف حركة الترجمة بين الجانبين.

وأخيرا، جاءت الدراسة الخامسة، التي أعدها د. محمد فايز فرحات، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت عنوان "الحزام والطريق: إطار لبناء شراكة استراتيجية مصرية- صينية مُستدامة". بدأت الدراسة بالتأكيد على أنه رغم غلبة الطابع الاقتصادي على مبادرة "الحزام والطريق"، سواء من حيث الدوافع الأساسية وراء طرح المبادرة أو آليات عملها، إلا أنها تمتاز بطابعها الاستراتيجي الذي يتجاوز مكوناتها وأهدافها الاقتصادية والتجارية، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تعزيز وترسيخ الروابط الثقافية بين البلدان المشاركة في المبادرة. وأشارت الدراسة كذلك إلى أن إحدى الملاحظات المهمة هي تزامن التفاعل المصري مع المبادرة مع حدوث تحولات مهمة في مصر، سواء على المستوى الداخلي من حيث تدشين نظام سياسي ذي توجهات تنموية، أو على المستوى الخارجي من خلال تبني سياسة "التوجه شرقًا".

حاولت الدراسة في قسمها الأول الإجابة على سؤال: كيف تؤسس الطبيعة المُركبة للمبادرة لعلاقات أكثر تنوعًا بين مصر والصين، من خلال ما تتسم به المبادرة من سمات تُميزها عن غيرها من المبادرات والمشروعات، أبرزها، أولها، أنها تقوم على فلسفة تتجاوز المفهوم الجغرافي التقليدي الضيق لمشروعات التعاون الإقليمي، وتستند في المقابل على نطاق جغرافي واسع. ثانيها، أنها تقوم على الربط الوثيق بين التجارة والتنمية، خاصة تنمية البنى التحتية في البلدان النامية. ثالثها، أنها تمتلك العديد من مقومات النجاح، كونها تأتي من دولة كبيرة، ذات اقتصاد قوي، لاتزال تقدم نفسها كدولة نامية، وذلك على عكس المبادرات الغربية التي سعت في الأساس لتكريس هيمنتها السياسية والاقتصادية. رابعها، أنها تعتمد على أذرع تمويلية مهمة، تتمثل في مؤسسات مهمة كالبنوك الصينية الأساسية المملوكة للدولة، والمؤسسات التمويليلة الصينية (صندوق طريق الحرير)، ومُتعددة الأطراف (البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية). خامسها، سعي المبادرة إلى الاستفادة من الأطر القائمة، سواء الثنائية أو الإقليمية أو متعددة الأطراف، فضلا عن تجنبها الأطر البيروقراطية والحكومية الجامدة، الأمر الذي يضمن لها نوعا من المرونة.

ناقشت الدراسة في محورها الثاني أولويات عمل المباردة، التي من شأنها أن تُسهم في تأسيس علاقات مصرية– صينية تتجاوز الأطر الاقتصادية والتجارية التقليدية، وتؤسس لشراكة أكثر توسعًا وشمولاً. وأشارت الدراسة هنا إلى أن المبادرة تتضمن خمسة مجالات أو أولويات عمل أساسية. الأولى، تتمثل في تنسيق السياسات الاقتصادية واستراتيجيات التنمية. الثانية، تتعلق بربط البنى التحتية لإعطاء بعد إقليمي وعبر إقليمي لهذه البنى. الثالثة، إزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار بهدف زيادة حجم التجارة بين الدول والأقاليم الواقعة على مسار المبادرة. الأولوية الرابعة، هي التكامل المالي، وبناء أنظمة تمويلية أكثر كفاءة واستقرارًا، اعتمادًا على الأطر الثنائية والإقليمية القائمة. الأولوية الخامسة هي توسيع وتعميق التواصل الشعبي والتبادل الثقافي والإعلامي والأكاديمي.

تُعتبر حالة الانكشاف الأمني للمضايق البحرية التي تمر بها الواردات والصادرات الصينية النفطية، أحد أهم العوامل المُفسرة لطرح الصين مبادرة "الحزام والطريق"، لاسيما في ظل الحضور العسكري الأمريكي، وحالة عدم الاستقرار التي تمر بها بعض الأقاليم التي ترتبط بها هذه المضايق. واستنادا إلى هذا المعطى، ناقشت الدراسة، صور واتجاهات الاستجابة الصينية لتلك التحديات من خلال آليتين؛ الأولى، هي تسريع انتقال الصين إلى قوة بحرية عالمية، وارتباط هذا التحول بتحول مُماثل في إعادة تعريف وضع الصين داخل النظام العالمي. الثانية، تمثلت في طرح الصين وثيقة خاصة بالتعاون البحري، في يونيو 2017، تحت عنوان "رؤية للتعاون البحري في بناء الحزام والطريق"، والتي أسست لتعاون صيني أوسع مع دول الواقعة على الحزام والطريق خلال 5 مجالات بحرية، هي: حماية البيئة البحرية، وتوسيع نطاق التنمية المشتركة المُستندة إلى البحار، والأمن البحري المشترك المُستند إلى مفاهيم المنفعة المُتبادلة والفوز المشترك، وتشجيع المعرفة والابتكار في مجالات بحوث العلوم البحرية، وأخيرا التشارك في "الحوكمة البحرية" وتوسيع مجالاتها.

وركز المحور الرابع من الدراسة على الدور الذي يمكن أن تقوم به مبادرة الحزام والطريق بدمج مصر في المؤسسات الاقتصادية الدولية الجديدة، خاصة "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية"، خاصة على خلفية الدور المهم الذي باتت تقوم به هذه المؤسسات في بناء "حوكمة" دولية جديدة، وتطوير ما يُمكن تسميته بـ"توافق بكين" في مواجهة ما عُرف بـ"توافق واشنطن". وفي السياق نفسه، أشارت الدراسة إلى ضرورة مشاركة مصر في النقاشات الجارية حول مستقبل المبادرة ومشروعاتها ومبادئها، سواء في إطار ثنائي مع الجانب الصيني، الرسمي أو غير الرسمي، أو في إطار مُتعدد الأطراف. استنادا إلى أن التفاعل المصري مع المبادرة سيضمن دورًا أكثر فاعلية لمصر داخل المبادرة ومؤسساتها.

في الختام، طرح الكاتب مجموعة من الشروط لمواجهة التحديات التي تواجه المبادرة، ولضمان تحويلها إلى إطار فاعل لبناء شراكات استراتيجية مُستدامة، حيث أشار في هذا السياق إلى مجموعة من الشروط؛ أولها ضرورة تطوير قناعة بأن المبادرة لن تؤدي في نهاية المطاف إلى هيمنة صينية اقتصادية. ثانيها، أهمية تطوير فهم مشترك حول طبيعة المبادرة وآليات تنفيذها والتكاليف والمكاسب المُتوقع. ثالثها، تعزيز الملكية المُشتركة للمبادرة. رابعها، بدء حوار صريح بين الصين والدول المعنية بالمبادرة حول التداعيات الاستراتيجية للمبادرة.

تمثل الدراسات الخمس المرحلة الثانية من هذا المشروع البحثي، حيث تناولت المرحلة الأولى "إدارة التنوع الثقافي داخل بيئة العمل: حالة الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية".