سجل الحجاج، بوصفه نظرية تجمع بين الأدوات المختلفة، حضورًا جليًا في كل الخطابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها؛ فقد وظفه المبدعون والمحللون والمثقفون في أعمالهم، كل حسب عمله، مستخدمين التقنيات المختلفة لإقناع الآخر. وفي الكتابة ونشر المقالات التي تمثل أيسر المصادر وأسرعها لكثير من القراء، نجد مقالات الكاتب نبيل عبد الفتاح من المقالات الناجعة التي تكونت، بل تسلحت بأصناف مختلفة من الآليات الحجاجية (المنطقية، والبلاغية، واللغوية)؛ لذلك كانت مقالاته شديدة الإقناعية؛ إقناعية بحسن عرضها للقضايا وتحليلها، وإقناعية بطرح الأفكار والحلول.

وحسب رسالة ماجستير قدمها الباحث/ إسلام صلاح الدين محمد إبراهيم، المعيد بقسم اللغات التطبيقية بالجامعة الفرنسية بالقاهرة، بعنوان: "الخطاب الحجاجي في مقالات نبيل عبد الفتاح: دراسة لغوية"، لم يكتف نبيل عبد الفتاح بالآليات السابقة، ولا بطرق العرض الفريدة، بل صنع في خطابه ذاتًا أخرى، يتحدث معها وتعارضه، ويستنتج أسئلة ويجعلها موضوعا المقال، ويقترح إجابات تتمثل فيها الحلول والتوجيهات بطريقة مباشرة وغير مباشرة بما يتناسب مع المُتلَقِي. بالإضافة لطبيعة القضايا المهمة التي تناولها الكاتب، والتي تناقش مشاكلنا جميعًا.

في هذا السياق، تكوّن السؤال الذي مثل الإشكالية الأساسية لهذه الرسالة، وهو: كيف استخدم نبيل عبد الفتاح الحجاج للتعبير عن رؤيته وأفكاره؟ وتفرع من هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية، حاولت الرسالة الإجابة عليها، هي:  

- ما الأدوات والآليات التي وظفها نبيل عبد الفتاح في مقالاته؟ وكيف وظفها؟

- ما أكثر الأدوات التي اعتمد عليها في مقالاته؟

- ما التأويلات الناتجة عن توظيف الكاتب للآليات اللغوية المختلفة؟

- كيف وظف الكاتب أهم الإمكانات الأساسية للخطاب الحجاجي، خاصة الروابط، والعوامل، والسلم الحجاجي؟ وكيف استفاد منها في عرض القضايا واقتراح الحلول؟

- ما هي أهم الآليات التي اعتمد عليها نبيل عبد الفتاح في جل مقالاته، خاصة: التكرار، والاستعارة، والأفعال اللغوية؟ وكيف استخدمها في مقالاته؟ وأي آلية اعتمد عليها كثيرًا؟

- ما هو السياق الذي وُظفت فيه الآليات السابقة، وتحليل دور الأداة مع السياق.  

- ما هي التأويلات الناتجة عما وظفه الكاتب من إمكانات وآليات لغوية؟

درست الرسالة مقالات نبيل عبد الفتاح لسبع سنوات متتالية، من عام 2010 إلى عام 2016؛ وهي الفترة التي شهدت تغيرات مهمة في مصر والشرق الأوسط، عرض الكتّاب بشأنها آراءهم، ونوعوا فيها استخدام التقنيات الحجاجية المختلفة. وكان نبيل عبد الفتاح في مقدمة هؤلاء الكتاب.

والجدير بالذكر، هنا، أن البحث لا يهتم بصحة موقف ما يذهب إليه الكاتب في مقالاته من القضايا الجارية في المجتمع؛ لأن ذلك لا يندرج في مجال الدراسة، فضلًا عن أن البحث لا يقوم بمحاكمة فكرية للكاتب.

واعتمدت الدراسة في الإجابة عن تساؤلها الرئيسي وتساؤلاتها الفرعية، واستكشافها للآليات التي وظفها الكاتب، على المنهج الاستقرائي التحليلي، مسفيدة من المنهج التداولي وآليته الناجعة (الحجاج اللغوي). ولتوضيح أكثر الآليات التي وظفها الكاتب في المقالات واستخدامها في العملية الإقناعية، اقتضى هذا أن يكون البحث مقسمًا إلى تمهيد وفصلين. ناقش التمهيد المصطلحات والمفاهيم الرئيسة، والتعريف بالكاتب نبيل عبد الفتاح، وتكوين شخصيته الإبداعية ونزعته اللغوية التي كانت نتاجًا لخبراته المتنوعة.

وناقش الفصل الأول "الإمكانات الأساسية للخطاب الحجاجي" لدى نبيل عبد الفتاح، من خلال تناول الروابط والعوامل الحجاجية، و"السلالم الحجاجية". وناقش الفصل الثاني بعض الآليات اللغوية الإقناعية لدى نبيل عبد الفتاح، من خلال تناول آليات "التكرار" (الشكلي والمضموني)، والاستعارة (التشخيصية، والتجسيدية، والتوضيحية)، والأفعال اللغوية التي تحدث العرب عنها تحت باب الخبر والإنشاء في علم المعاني.

وانتهت الدراسة إلى أن مقالات نبيل عبد الفتاح مثلت أنجع الخطابات لما تحويه من عرض للقضايا التي تناقشها وتحللها وتعرض لها الحلول؛ لأنها قضايا تمس كل الطبقات لا سيما الطبقات الكادحة المطحونة. وتعد المقالات ناجعة، أيضًا؛ لأنها شُحنت بالإمكانات اللغوية المختلفة، مع حسن توظيفها في السياق المناسب، خاصة حسن توظيف الروابط والعوامل الحجاجية في السياقات المتعددة، وإدراج السلم الحجاجي بأنواعه المختلفة، وساعد الكاتب في ذلك الثراء اللغوي للمفردات وتنوع البنيات والتراكيب، فضلًا عن المهارة اللغوية للكاتب. أضف إلى ذلك تنويع الكاتب للتكرار، وهذا يؤكد تمكنه من اللغة، وتميز قلمه، بجانب إبداع الكاتب في تركيب الاستعارات وتوظيفها، فكانت استعاراته جديدة وحية، وكانت وقودًا لغايته ومقصده. وأخيرا، إدراك الكاتب أهمية الاستفهام وثقافة التساؤل عامة؛ فقد وظفها نبيل عبد الفتاح بطرقتين: الأولى، من خلال تكرار الأدوات الاستفهامية، والثانية من خلال توجيه المخاطب بالاستفهام غير المباشر. لهذا؛ تعد مقالات نبيل عبد الفتاح نموذجا للخطابات الحجاجية المؤثرة في المتلقي.