أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

جاء قرار جبهة تحرير تيجراي في 20 ديسمبر الجاري (2021) بانسحاب قواتها من مناطق الصراع في إقليمي عفر وأمهرة ليضفي مزيدًا من الضبابية حول مستقبل الصراع في البلاد، خاصة في ضوء هذا التراجع التكتيكي المفاجئ بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات دفاع تيجراي التي عكست تفوقها العسكري على الجيش الإثيوبي خلال الشهور الماضية منذ يونيو 2020، إلا أن هناك عاملًا حاسمًا قد لعب دورًا في التغير الدراماتيكي في مسار الحرب وهو إدخال الطائرات من دون طيار (الدرونز) في الصراع، والتي حصل عليها الجيش الإثيوبي من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تتمسك ببقائه في السلطة لاعتبارات مصلحية بحتة، وذلك بالرغم من تأكيد جبهة تحرير تيجراي أن تراجعها يأتي لأسباب استراتيجية تتعلق بإعادة انتشار قواتها وفقًا لخطة موضوعة من أجل مواجهة القوات الحكومية، وفي الوقت نفسه رغبة قادة الجبهة في إنهاء الحرب الأهلية في البلاد وتحقيق السلام من خلال إجراء المفاوضات والحوار الوطني. ومع ذلك، يبدو المشهد الإثيوبي مرشحًّا للمزيد من التأزم خلال الفترة المقبلة في ضوء حالة اللايقين السياسي بين أطراف الصراع ما لم يتم التوافق على تسوية شاملة تنهي الصراع الدائر منذ أكثر من 13 شهر بشكل نهائي.

تطورات متسارعة في المشهد العملياتي

مرَّ الصراع الإثيوبي بمراحل عدة منذ اندلاعه في نوفمبر 2020. فعلى الرغم من استعادة قوات دفاع تيجراي السيطرة على إقليم تيجراي وتحقيق انتصارات عديدة منذ يونيو الماضي، إلا أن ثمة تغيرًا استراتيجيًا قد طرأ على ساحة القتال، حيث اتخذت الحرب الإثيوبية مسارًا جديدًا بعد شن القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها هجومًا مضادًا أسهم في استعادة عدد من المدن التي كانت تسيطر عليها قوات دفاع تيجراي في منطقتي أمهرة وعفر، مما أدى إلى تعطل تقدم قوات تيجراي نحو العاصمة أديس أبابا والتي كانت على بعد 130 كيلومتر منها، بالرغم من تأكيد قادة تيجراي أن قوات دفاع تيجراي قد انسحبت طواعية دون قتال في إطار استراتيجية عسكرية جديدة لها في الحرب الدائرة.

ويفسر التحول الاستراتيجي في الحرب الإثيوبية بإعلان قوات تيجراي انسحابها والعودة إلى قواعدها في إقليم تيجراي التأثير القوي لدور الطائرات من دون طيار (الدرونز) التي استخدمها الجيش في الحرب، والتي شَكَّلَت عاملًا حاسمًا في تحول دفة الحرب الدائرة في البلاد، حيث استطاع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بالتزامن مع عملية الحشد والتعبئة لساحات المعركة، أن يعزز تحركاته الخارجية مع بعض الأطراف الإقليمية  والدولية من أجل الحصول على السلاح لتغيير المعادلة العسكرية على الأرض، إذ حصل على شحنات ضمت العشرات من هذا النوع من الطائرات التي نجحت في إيقاف تقدم قوات دفاع تيجراي واستهداف عناصرها وقوافل الإمداد الخاصة بها في مناطق تمركزها في كل من عفر وأمهرة. وقد شاركت بعض الأطراف الإقليمية والدولية في إمداد إثيوبيا بطائرات الدرونز مثل إيران وتركيا والصين وغيرها. فقد تسلمت أديس أبابا صفقة الطائرات التركية (بيرقدار) بقيمة 95 مليون دولار خلال العام الجاري، بموجب اتفاق وُقع بين البلدين في أغسطس 2021، وإن زعمت أنقرة مؤخرًا تجميد صادراتها التسليحية لأديس أبابا خوفًا من الضغوط الدولية المتزامنة مع تفاقم الصراع الدائر في البلاد خلال الأشهر الماضية، وهي التي تسعى إلى توسيع مبيعاتها العسكرية في القرن الإفريقي، كما أنها تنظر إلى إثيوبيا كحليف يمكن توظيفه ضد بعض الأطراف الإقليمية في المنطقة[1].

 ومنذ أغسطس 2021 واصلت الطائرات الإيرانية رحلاتها لأديس أبابا بهدف توريد الطائرات من دون طيار للمشاركة في الحرب الإثيوبية، وهو ما دفع واشنطن إلى مطالبة آبي أحمد بإيقاف تلك الرحلات بسبب تورط فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في هذه العملية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوتر بين واشنطن وأديس أبابا خلال الفترة الأخيرة[2]. كما عكست زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى إثيوبيا في أوائل نوفمبر الماضي الدعم الصيني للنظام الحاكم في أديس أبابا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، وهو ما يعزز التقارير التي تفيد بإمداد بكين لأديس أبابا بشحنات من الطائرات من دون طيار.

ومع ذلك، تَعْتَبِر جبهة تحرير تيجراي هذا الانسحاب طوعيًّا بسبب حرصها على إنهاء الحرب الأهلية في البلاد، وتحقيق السلام، وهو ما برز في خطاب ديبرتسيون جبرمايكل، زعيم الجبهة، إلى الأمم المتحدة والذي طالب فيه بالضغط على آبي أحمد من أجل وقف إطلاق النار، وحظر الطيران الجوي فوق إقليم تيجراي باستثناء الأغراض الإنسانية والمدنية، وفرض حظر سلاح على كل من إثيوبيا وإريتريا، وضمان وصول المساعدات الغذائية إلى إقليم تيجراي. يأتي ذلك بعد أيام من تشكيل الحكومة الإثيوبية لجنة الحوار الوطني بهدف التوافق بين الأطراف السياسية في البلاد، الأمر الذي يشكل اختبارًا لمصداقية آبي أحمد وحرصه على مستقبل البلاد، كما أنه بانخراط الجبهة في الحوار الوطني تضمن وجودها كرقم مهم في المعادلة السياسية في البلاد وتقف عائقًا أمام مشروع آبي أحمد السياسي حول مستقبل النظام السياسي في البلاد.

ويأتي هذا التطور الاستراتيجي في ظل تصاعد الضغوط الدولية على إثيوبيا، خاصة بعد إصدار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 17 ديسمبر الجاري (2021) قرارًا بإنشاء لجنة دولية مستقلة من الخبراء لإجراء تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات من جانب أطراف الصراع في شمال إثيوبيا على مدار العام الماضي[3]، وهو ما رفضته الحكومة الإثيوبية التي أعلنت أيضًا رفضها التعاون مع اللجنة الدولية كونها اعتبرت ذلك بمثابة تدخل في الشأن الداخلي الإثيوبي، على نحو يعزز الرؤية الإثيوبية حول تآمر بعض القوى الدولية ضد النظام الحاكم في إثيوبيا لاسيما الولايات المتحدة[4]، بالرغم من تعمد الحكومة الإثيوبية تكثيف الضربات الجوية ضد أهداف في منطقة ألماطا بإقليم تيجراي، مما أسفر عن مقتل أكثر من 28 شخص وإصابة آخرين، فضلًا عن احتجاز بعض الصحفيين بتهمة توثيق أنشطة جبهة تحرير أورومو العسكرية لصالح وكالات أجنبية[5].

دوافع الانسحاب

ثمة دوافع ربما اضطرت الجبهة إلى التراجع العسكري من جبهات القتال، ويتمثل أبرزها في:

1- الدعم الإقليمي والدولي: تتلقى إثيوبيا الدعم اللوجستي والسياسي من حلفاء إقليميين ودوليين حريصين على بقاء آبي أحمد في السلطة، فعلى مدار الأشهر الأربعة الماضية تسلم الجيش الإثيوبي عشرات الطائرات المسلحة من دون طيار (الدرونز) من الصين وإيران وتركيا وغيرها، في الوقت الذي تعاني فيه جبهة تحرير تيجراي من غياب الدعم الدولي والإقليمي في صراعها ضد الحكومة الإثيوبية. بينما لم يتحرك المجتمع الدولي لإجبار الأخيرة على إيقاف الحرب الدائرة، فلم يتجاوز الأمر محاولات ومطالبات بإنهاء القتال دون ممارسة ضغوط حقيقية.

2- التفوق النوعي لطائرات الدرونز: أضحت الدرونز عاملًا مؤثرًا في مسار الصراع بعدما استطاعت وقف تقدم قوات دفاع تيجراي نحو العاصمة أديس أبابا، فقد أكد الجنرال تسادكان جبريتنسي، أحد القادة العسكريين في تيجراي، أن أسرابًا من الطائرات من دون طيار قد استهدفت القوات العسكرية وقوافل الإمداد، مما أعاق تقدمها الاستراتيجي. فضلًا عن الضربات الجوية التي توجهها الحكومة الإثيوبية إلى بعض المواقع في داخل إقليم تيجراي مما أسفر عن المزيد من القتلى بين صفوف المدنيين، وتدمير البنية التحتية المتهالكة بالأساس في الإقليم منذ بدء الصراع، وهو ما يفاقم خسائر قوات دفاع تيجراي في معركة غير متكافئة.

3- إحراج إثيوبيا أمام المجتمع الدولي: من خلال زيادة الضغوط الدولية على الحكومة من أجل الجلوس على طاولة المفاوضات. بينما تسعى جبهة تحرير تيجراي إلى الظهور بمظهر صانع السلام في البلاد، بهدف كسب تعاطف الرأي العام العالمي، وتحسين صورتها في الداخل الإثيوبي. في حين تحاول تصوير آبي أحمد على أنه يعرقل السلام في حالة رفضه بدء المفاوضات لتسوية الصراع.  

4- رقم مهم في المعادلة السياسية: تسعى جبهة تحرير تيجراي للانخراط في الحوار الوطني عقب تشكيل الحكومة الفيدرالية للجنة الحوار الوطني، بهدف ضمان التواجد ضمن العملية السياسية في إثيوبيا حال البدء في عملية المفاوضات لتسوية الصراع، وتفويت الفرصة على آبي أحمد وحلفائه من إقصائها نهائيًّا من المشهد الإثيوبي.

5- إعادة ترتيب الأوراق: قد يمثل تراجع الجبهة عسكريًّا آلية لإعادة ترتيب صفوفها وأوضاعها العسكرية استعدادًا لمرحلة جديدة من الصراع ربما تندلع خلال الفترة المقبلة في حال عدم اتفاق الأطراف على تسوية للصراع.

إجمالًا، بالرغم مما يشهده الصراع الإثيوبي من تحولات وتغيرات استراتيجية وعسكرية بين طرفيه في مراحله المختلفة منذ اندلاعه في نوفمبر 2020، إلا أن هذا التراجع التكتيكي من جانب قوات دفاع تيجراي لا يغير حقيقة عدم حسم الصراع الإثيوبي بعد، وإن طرأت عليه بعض التطورات النوعية مثل تنامي دور العامل الخارجي الذي يدعم النظام الحاكم في أديس أبابا من خلال تزويده بالطائرات من دون طيار في ساحات القتال والتي رجحت كفة القوات الحكومية في هذه المرحلة من الصراع، وأدت إلى تراجع قوات دفاع تيجراي إلى مواقعها داخل إقليم تيجراي تفاديًّا للمزيد من الخسائر البشرية والعسكرية، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر عدة يتمثل أبرزها في إحكام القوات الحكومية وحلفائها من المليشيات والقوات الإريترية الحصار على جبهة تحرير تيجراي تمهيدًا للقضاء عليها في ظل تباطؤ المجتمع الدولي في اتخاذ قرارات حاسمة من شأنها إنهاء هذا الصراع.

ومع ذلك، يشير هذا القرار إلى إدراك جبهة تحرير تيجراي لتفوقها العسكري على الجيش الإثيوبي وعدم قدرة الأخير على استعادة المناطق من قوات تيجراي بالقوة، ومن ثم، عدم القلق من العودة إلى المربع الأول في الصراع وتجدده في البلاد في ظل التفوق العسكري والنوعي لقواتها الأكثر جاهزية من القوات الحكومية التي استعانت بقوات خاصة من بعض الولايات الإقليمية وقوات خارجية، ولم تستطع حسم الصراع لصالحها. وبالرغم من اعتماد الجيش الإثيوبي على الطائرات من دون طيار، إلا أنها لا توفر ضمانة حقيقية لحسم الصراع والانتصار فيه، لاسيما أن تكلفة تشغيلها وإصلاحها وتزويدها بالسلام باهظة. فالمشهد في إثيوبيا هو صراع وجودي بين الأطراف المنخرطة فيه، إذ يخشى آبي أحمد من الإطاحة بحكمه على يد تيجراي، وترغب قومية أمهرة في استمراره على رأس السلطة لكسب المزيد من النفوذ السياسي ربما تمهيدًا لاستعادة حكم إثيوبيا مجددًا، في حين تخشى قومية تيجراي من الإبادة والقضاء عليها نهائيًا من جانب نظام آبي أحمد وحلفائه وبمساندة إريترية، وهو ما قد يعني استمرار الحرب دون حسم ودون منتصر، بالنظر إلى الدعم الشعبي والتعبئة من جانب الطرفين، مما يكشف عدم قدرة أي طرف على توجيه ضربة قاتلة للطرف الآخر. وفي ظل عدم انتفاء الأسباب الجذرية للصراع، فإنه يبقى قابلًا للاشتعال مجددًا، ومن أبرزها استمرار العداء بين تيجراي وأمهرة، خاصة في ضوء عدم انسحاب القوات الأمهرية من الأراضي التي سيطرت عليها في غرب تيجراي في بداية الحرب الإثيوبية، واستمرار رغبة النظام الإريتري الحاكم في الانتقام من جبهة تحرير تيجراي، مما قد يترتب عليه مواجهات عسكرية بين القوات الإريترية وقوات دفاع تيجراي على الحدود بينهما.

لذلك، يظل العامل الخارجي هو العامل الحاسم الذي يمكنه تغيير هذا السياق المتأزم في المشهد الإثيوبي؛ من خلال تكثيف الضغوط الدولية على الأطراف المتصارعة من أجل الانخراط في عملية سلام شاملة تعيد الاستقرار للدولة الإثيوبية، وتنعكس آثارها على أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقي بشكل عام.


[1]. Declan Walsh, Foreign Drones Tip the Balance in Ethiopia’s Civil War, The New York Times, 20 December 2021, available at: https://nyti.ms/3qf1GIe

[2]. Ethiopia’s Slide Toward Civil War, The International Crisis, 6 November 2021, available at: https://bit.ly/3J98Ru3

[3]. Tigrayan Forces Retreat in Ethiopia, The International Crisis, 16 December 2021, available at: https://bit.ly/32fOydO

[4]. Andrew Korybko, The Great Ethiopian Homecoming Is Crucial for The Country’s Democratic Security, Borkena, 20 December 2021, available at: https://bit.ly/30MFBrB

[5]. Ethiopia: The UN is failing its Tigrayan peacekeeping troops, The Africa Report, 14 December 2021, available at: https://bit.ly/3spPmr7