د. أحمد قنديل

رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في إطار الاهتمام الذي يوليه مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بقضية تحول الطاقة في مصر، واستعداد الدولة المصرية لاستضافة "مؤتمر الأطراف السابع والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ COP 27" في شرم الشيخ في نوفمبر 2022، عقد المركز مؤتمرا تحت عنوان "الاستراتيجية الوطنية لمواجهة التغيرات المناخية 2050 وتحول الطاقة في مصر: من جلاسجو إلى شرم الشيخ"، في القاهرة في السابع من ديسمبر الجاري (٢٠٢١)، بالتعاون مع مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في القاهرة. وقد جاء المؤتمر تتويجا لمشروع بحثي نفذه المركز خلال النصف الثاني من هذا العام، شمل تنظيم أربع حلقات نقاش متخصصة، ناقشت الأولى الإطار المؤسسي والقانوني لعملية تحول الطاقة في مصر(٣ أغسطس ٢٠٢١)، وناقشت الثانية رؤية مجتمع الأعمال (٣٠ أغسطس ٢٠٢١)، وناقشت الثالثة رؤية مؤسسات التمويل (٢٠ سبتمبر ٢٠٢١)، وناقشت الرابعة التجارب الدولية والإقليمية الرائدة في مجال تحول الطاقة (٢٨ أكتوبر ٢٠٢١).

خلال المؤتمر عرض المشاركون تصوراتهم المقترحة حول الاستراتيجية الوطنية لمواجهة التغيرات المناخية 2050، وقضية تحول الطاقة في مصر، بناء على ما أسفرت عنه مناقشات ومداولات ثمان مجموعات عمل تم تكوينها في المجالات ذات الصلة. وضمت هذه المجموعات خبراء وأكاديميين في التنمية المستدامة، والطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي والهيدروجين، والتمويل، والمدن الذكية والمستدامة، والمجتمع المدني، والتعاون الدولي، والموارد المائية والمناطق الساحلية والنقل النظيف. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت عن المؤتمر أن "المؤسسات البحثية والإعلامية والتمويلية والتشريعية والتكنولوجية والمجتمع المدني هم شركاء النجاح للحكومة المصرية في استضافة مصر لمؤتمر الأطراف السابع والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ COP 27".

ألقى الكلمات الرئيسية في الجلسة الافتتاحية كل من د. محمد فايز فرحات (مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، د. ريتشارد بروبست (مدير مكتب مؤسسة فريدريش ايبرت بالقاهرة)، والسفير/ محمد نصر (مدير إدارة البيئة بوزارة الخارجية المصرية). وشارك في أعمال المؤتمر كل من د. عمرو الشوبكي (مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)، د. أحمد قنديل (رئيس وحدة الدراسات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات)، د. دينا شحاته (رئيس وحدة الدراسات المصرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)، د. مانفريد فياشيدك (رئيس معهد فوبرتال- ألمانيا)، المهندس مالك عطا الله الكباريتي (وزير الطاقة والثروة المعدنية الأسبق بالمملكة الأردنية الهاشمية)، الأستاذ عزت ابراهيم (رئيس تحرير الأهرام ويكلي وبوابة الأهرام الإنجليزية)، د. مهندس محمد صلاح السبكي (أستاذ الطاقة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة)، الأستاذة أميره صابر (أمينة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب)، د. سمر يوسف (رئيس منتدى الحوار والمشاركة من أجل التنمية)، د. ماجد كرم الدين (المدير الفني بالمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة)، د. حسين اباظة (خبير التنمية المستدامة بالأمم المتحدة)، د. جلال عثمان (الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة المنصورة)، الأستاذ محمد حجازي (مدير مبادرة مواصلة للقاهرة)، المهندس عماد حسن (مسئول التمويل ببنك الإعمار الأوروبي)، الدكتورة المهندسة هند فروح (مدير مشروع الخلايا الضوئية المتصلة بالشبكة)، د. صلاح عرفة (أستاذ الفيزياء والطاقة بالجامعة الأمريكية)، والسفير جمال بيومي (مساعد وزير الخارجية الأسبق)، د. أحمد يوسف (رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق)، والمهندس الدكتور هانئ النقراشي (عضو المجلس الاستشاري الرئاسي لعلماء وخبراء مصر)، د. عباس شراقي (أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة).

ميثاق وطني لتحول الطاقة في مصر

سلط المؤتمر الضوء على الجهود المختلفة للدولة المصرية في عملية تحول الطاقة، من خلال استعراض أهم الأفكار والمقترحات والتوصيات التي وردت في كتاب يخطط مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لإصداره مع بداية العام الجديد. وقد شارك في هذا الكتاب 17 خبيرا من تخصصات متعددة كالهندسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والقانون، من أجل نشر الوعي العام بالفرص الهائلة والتحديات القائمة أمام عملية تحول الطاقة في مصر خلال السنوات القادمة، خاصة في مجالات الكهرباء والغاز الطبيعي، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والاعتماد على النقل النظيف، وإنشاء المدن الذكية والمستدامة، وتعزيز الأمن السيبراني في مواجهة الهجمات الإلكترونية.

ومن أهم التوصيات التي انتهى إليها المشاركون في هذا الكتاب ضرورة وضع "ميثاق وطني لتحول الطاقة في مصر" تماشيا مع أول خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي، عند توليه المسؤولية في يونيو 2014، والذي أكد فيه على أن توفير الكهرباء مسألة أمن قومي، وتشديده على أن مصر غنية بطاقة الرياح والطاقة الشمسية التي تؤهلها لتكون واحدة من أكبر منتجي الطاقة المتجددة في العالم. ويقوم هذا الميثاق على المشاركة الواسعة من جانب المواطنين لربط تحول الطاقة برهانات التنمية الشاملة في جميع أنحاء الدولة المصرية، من خلال تحديد وتوضيح التزامات كافة الأطراف المعنية فيما يتعلق بهذا التحول، سواء الحكومة أو مجتمع الأعمال أو العاملين في المجالات الزراعية والصناعية، أو المجتمع المدني. وقد أثبتت هذه المقاربة نجاعتها في الماضي، حيث مكنت من ضمان الاطراد في تنفيذ المشروعات، وتسهيل الإجراءات ومنح الرؤية الواضحة لمجموع الجهات المعنية، خاصة إذا ما كان الميثاق مرفوقا باستراتيجية حقيقية للتواصل والتطوير.

كذلك، أوصى المشاركون في الكتاب بأهمية تطوير استراتيجية الطاقة المستدامة المتكاملة في مصر حتى عام 2035، من جانب الحكومة المصرية، بعد تقييم منجزاتها ورصد مكامن القوة والضعف في هذه الاستراتيجية، وذلك على اعتبار أن عملية المراجعة والتجديد هي لحظة طبيعية في دورة حياة كل استراتيجية أو سياسة عامة. وفي هذا السياق، أكد المشاركون على ضرورة مواكبة "ثورة الهيدروجين" في العالم، وتعظيم الاستفادة من الثروة الغازية التي اكتشفتها مصر في السنوات الأخيرة، وإعطاء الأولوية في مشروعات توليد الكهرباء مستقبلا لمصادر الطاقة المتجددة، وتبنى خطة وطنية لكفاءة الطاقة من خلال إنشاء وحدات قطاعية لتعزيز كفاءة الطاقة في أهم القطاعات المستخدمة للطاقة، وتشجيع البحوث والتطوير والابتكار المرتبط بتحول الطاقة في مصر.

مشاركة مجتمعية لإنجاح كوب 27

من ناحية أخرى، أكد المشاركون في المؤتمر على أهمية التطبيق الناجح للإستراتيجية الوطنية لمواجهة التغيرات المناخية 2050، من خلال التشجيع على الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتسريع التحول إلى المركبات الكهربائية، وحفز التعاون بين الحكومات والشركات والمجتمع المدني لتحقيق أهداف المناخ، وحشد التمويل، والعمل بالوعود المقدمة من الدول الغنية بتقديم 100 مليار دولار سنوياً. كما دعا المشاركون أيضا إلى وضع تعديلات تشريعية وإجراءات إعلامية، وأخرى أكاديمية لدعم المساعي المحلية والدولية في مجالات تحول الطاقة ومواجهة التغيرات المناخية، مشيرين إلى أن التفاعل غير الحكومي والمساهمة من جانب القوى المجتمعية المختلفة في هذه المجالات أصبح ضروريا ومهما لكل أطراف المجتمع، خاصة بعدما أصبحت التداعيات السلبية للتغيرات المناخية تفرض مخاطر وتهديدات على أمن الدول والمجتمعات، في ظل تفاقم الكوارث الطبيعية كالفيضانات، والجفاف، وتدهور الإنتاج الغذائي والزراعي وغيرها.

وفيما يتعلق بالتحضير لاستضافة مصر لمؤتمر الأطراف السابع والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، اقترح المشاركون عددا من التوصيات المهمة، أبرزها ما يلي:

· تكوين شبكة من المراكز البحثية المصرية المعنية بسياسات تحول الطاقة وتغير المناخ، وبالأخص مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية؛ للتشارك مع مراكز بحثية خارجية لديها القدرات المناسبة، من أجل إعداد أوراق عمل خاصة بالمجالات المختلفة لتحول الطاقة وتغير المناخ والتجارب الدولية الناجحة في هذه المجالات. كذلك يمكن لهذه الشبكة المشاركة في مسارات مؤتمر (كوب 27) المختلفة، خاصة تلك المرتبطة بالأنشطة والفعاليات الجانبية لتدعيم المبادرات والموضوعات ذات الأهمية للدول العربية والافريقية، والتي من المقرر عقدها على هامش مؤتمر شرم الشيخ بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية.

- تنظيم يوم لتمويل المناخ على هامش مؤتمر كوب 27، لمعرفة بدائل التمويل المستدام في مصر، وفرص الاستثمار العالمية والمحلية في مشروعات تحول الطاقة ومواجهة التغيرات المناخية.

- إدارة نقاش دولي متعدد الأطراف للوقوف على أهم التجارب الدولية في مجالات التمويل ومشروعات التكيف ونقل التكنولوجيا اللازمة، وإعداد دراسات مجمعة حول هذه التجارب.

- إعداد أدلة العمل الاسترشادية المتعلقة بإصدار وتداول المنتجات المالية الخضراء، وذلك بالتنسيق مع مؤسسات تنظيم أسواق المال والنقد، على أن تطرح تلك الأدلة على المختصين المشاركين في أعمال القمة.

- المشاركة بالتنسيق مع جهات التمثيل الرسمية في المؤتمر في وضع أهداف مالية وسياسية كمية وقابلة للقياس يمكن إطلاقها في كوب 27 مع وضع مؤشرات القياس اللازمة للتحقق من إنجازها.

- قيام مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بتنظيم حوار دائم بشأن التمويل المستدام، يمكن الاستفادة به قبل وبعد مؤتمر كوب 27، وذلك من خلال التواصل الفعال مع مراكز الأفكار والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار ومختلف الجهات المعنية بالتمويل المستدام داخل وخارج مصر.

- قيام مؤسسات المجتمع المدني بتنفيذ برنامج للشباب لإعداد سفراء للتعامل مع تغير المناخ، وتدشين مرصد لرصد التقدم في التعامل مع التغيرات المناخية في مصر والعالم، وانشاء وتفعيل مواقع فيس بوك وتويتر لنشر الوعي بكيفية مواجهة هذه التغيرات، وتفعيل المبادرات المجتمعية لبناء القدرات البشرية والمؤسسية فى مجال التنمية المستدامة.

- حث وسائل الإعلام المختلفة على ضرورة توسعة حجم التغطيات المعمقة المرتبطة بقضايا التغير المناخي، مع الحرص على تبسيط المصطلحات المتخصصة لإيصالها للقراء والمشاهدين، وكذلك شرح السياق الرابط بين الكوارث المحلية والتغيرات المناخية عالمياً، والفوائد التي سوف تعود على مصر والعالم من تطبيق الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمواجهة التغير المناخي حتى عام 2050.

وفي ختام أعمال المؤتمر شدد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والمشاركون على استعدادهم تقديم كافة الإمكانات إلى اللجنة العليا المعنية بالتحضير لاستضافة مصر مؤتمر COP-27، بهدف خروج المؤتمر في أفضل صورة ممكنة، وبالصورة المشرفة التي تعكس مكانة وقيمة مصر، وتُظهِر للعالم جهودها الجادة في الوفاء بالتزاماتها تجاه الإنسانية نحو حماية البيئة وتحقيق تنمية مستدامة للأجيال القادمة.