د. حمدي عبد الرحمن حسن

أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة

 

لقد بات تحالف قوى المعارضة الإثيوبية المُكوَّن بالأساس من قوات دفاع تيغراي وجيش تحرير أورومو على مقربة من بوابات العاصمة أديس أبابا، بعد هجوم طويل وشاق انطلق من مقلي في شمال البلاد. وعليه تعمل السفارات الأجنبية جاهدة منذ نهاية أكتوبر الماضي (2021) على سيناريوهات إجلاء مواطنيها. ففي 4 نوفمبر الفائت، كانت وزارة الخارجية الأمريكية أول من حث الأمريكيين على مغادرة إثيوبيا. بعد ذلك حذت كثير من الدول الأوروبية حذو الولايات المتحدة، وأوصت رعاياها باستخدام أي رحلات تجارية متاحة لمغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن. في عام 1991، عندما سقطت بلدة ديسي في أيدي الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، سقط نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام في الأسبوع التالي. على أن اليوم لا يشبه البارحة، فقد أساءت جبهة التيغراي لسمعتها وفقدت المصداقية بسبب ممارساتها القمعية عندما حكمت إثيوبيا على مدى 27 عاما. إنها لا تتمتع بنفس الدعم الشعبي الذي كانت تتمتع به في عام 1991. علاوة على ذلك، فقد استطاع تحالف آبي أحمد مؤخرًا الحصول على المزيد من المعدات العسكرية والطائرات القتالية من دون طيار.

آبي أحمد ومفهوم الحرب الوجودية

في محاولته الأخيرة لحشد جميع الإثيوبيين القادرين على خوض ما يسميه الآن "الحرب الوجودية"، أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد أنه ذاهب إلى جبهة القتال لتوجيه وقيادة الجيش، وهي خطوة دراماتيكية تعيد إلى الذاكرة سلوك الأباطرة القدماء. ربما تكون لدى رئيس الوزراء وقواته خطة متكاملة في مواجهة المعارضة، حيث ذهب إلى بلاد العفر واسترد بعض البلدات بالفعل. مايزال الرجل يرفض جهود الوساطة التي تبذلها الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي سعيًا لوقف إطلاق النار وبدء المحادثات. لعل ذلك كله يطرح المزيد من التساؤلات حول إمكانيات تدخل القوات الإريترية أو تلقي دعم خارجي يمكن أن يساعد في تحقيق توازن استراتيجي في ظل بيئة عرقية وسياسية منقسمة. في 22 نوفمبر الفائت نشرت جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية مقال رأي يدعو كاتبه إلى قيام إسرائيل بتقديم الدعم العسكري والسياسي لحكومة آبي أحمد المنتخبة ديمقراطيًا على حسب ماذكر كاتب المقال.

لقد تفكك الجيش الإثيوبي فعليًا، جزئيًا، بسبب الخسائر الكبيرة في ساحة المعركة من جهة وبسبب عمليات التطهير التي قام بها آبي أحمد منذ عام 2018 من جهة أخرى، حيث  تم التخلص من القيادات العليا  على أسس عرقية ولاسيما المنتسبين إلى قومية التيغراي وأورومو. وعليه لم يكن الجيش في حالة تسمح له بخوض معارك مع قوات التيغراي التي لا يستهان بخبراتها القتالية والعسكرية. وتعد أديس أبابا، عاصمة الدبلوماسية الأفريقية، واحدة من أكبر المدن في أفريقيا، حيث يقدر عدد سكانها بأكثر من 5 ملايين نسمة وهي معادية تمامًا لجبهة التيغراي. وبعد أن أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد أنه سيتجه إلى الخطوط الأمامية لقيادة العمليات القتالية ونقل السلطات التنفيذية إلى نائب رئيس الوزراء ديميكي ميكونين أعلن رياضيان مشهوران أنهما سينضمان إلى ساحة القتال للدفاع عن المدينة. ولاشك أن سردية الخطاب المعادي للإمبريالية الغربية والمدافع عن السيادة الإثيوبية الذي تبناه رئيس الوزراء وسعيه لطلب الشهادة في المعركة قد ألهم عشرات الآلاف من المتطوعين، من قاعدة تأييده التي تؤمن بأيديولوجية "إثيوبيا واحدة". يخضع هؤلاء المتطوعون لتدريب عسكري قصير ويقومون بحفر الخنادق حول العاصمة تحسبًا لحدوث الهجوم الكبير المتوقع. ولايخفى أن نموذج القتال حتى الموت في ساحة المعركة كان بارزًا في التاريخ السياسي المليء بالدماء في إثيوبيا. لقد شن الأباطرة حربًا بلا هوادة وماتوا في المعركة. كانوا يرفعون دومًا شعار إما النصر أو الشهادة. يبدو أن سياسة رئيس الوزراء آبي أحمد وخطابه وقناعاته الذاتية تستحضر بشكل غريب هذا التاريخ العنيف للدولة الإمبراطورية التي تأسست على الغزو وضم أراضي الغير.

موت السياسة في إثيوبيا

لا جدال في أن الصراع في إثيوبيا يدخل اليوم أخطر مراحله. كل الأطراف تؤمن بإمكانية تحقيق النصر العسكري، وهو ما يعني موت السياسة تمامًا وتبني استراتيجية حافة الهاوية. المخاوف من اندلاع معارك ضارية في العاصمة بين الميليشيات العرقية المتناحرة، وتسريع الانزلاق العنيف للبلاد نحو الفوضى، أو حتى الانهيار على النمط اليوغسلافي يظل احتمالاً قائمًا. إن المعركة من أجل مستقبل إثيوبيا قد بدأت بشكل واضح. يزعم آبي وأنصاره أنهم يقاتلون لمنع عودة الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي إلى حكم إثيوبيا مرة أخرى. وأغلب الظن أن التيغراي يدركون أن أديس أبابا اليوم ليست هي التي استقبلتهم فاتحين عام 1991. إنهم لا يرغبون في الاستيلاء على السلطة وإنما فك الحصار عن التيغراي التي يوجد بها ما يقرب من نحو نصف مليون شخص أعياهم الحصار وبحاجة إلى العون الإنساني المباشر. ربما يسعى أبناء التيغراي إلى المطالبة بقدر أكبر من الحكم الذاتي لإقليمهم، أو ربما حتى الانفصال عن إثيوبيا تمامًا. بالنسبة لجبهة تحرير تيغراي، يعتبر الاستيلاء على أديس أبابا هدفًا استراتيجيًا محدودًا.  قد يكون شرًا لابد منه لإسقاط آبي أحمد، ورفع الحصار المدمر عن تيغراي، وتأمين سكانها ضد التهديدات المستقبلية. في مرحلة مابعد آبي أحمد والاتفاق على حكومة انتقالية، سوف تنهمك جبهة التيغراي في عمليات المواجهة لمليشيات الأمهرة التي تحتل غرب التيغراي، وهو ما يرجح إمكانية تجدد الصراع مع إريتريا مرة أخرى.

مرحلة ما بعد آبي والفوضى القادمة

عندما أطلق التحالف الجديد المناوئ لحكم آبي أحمد اسم الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفدرالية الإثيوبية، فإن ذلك يحمل ملامح الدولة الإثيوبية الجديدة التي قد تسير على درب الاتحاد اليوغسلافي من حيث التفكك والانهيار أو تأخذ بنموذج الكونفدرالية الهشة بشكل أكثر تحضرًا على غرار الاتحاد الأوروبي. إن الخطر الأكبر الذي يواجه إثيوبيا في فترة ما بعد آبي أحمد لا يتمثل في أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سوف تستعيد مقاليد الحكم، بل بالأحرى أنها قد تتخلى عن العاصمة، تاركة جيش تحرير أورومو غير المجهز بمفرده لإدارة الفراغ السياسي والأمني، وهو أمر محفوف بالمخاطر في ظل بيئة صراعية منقسمة.

وبالمثل، من المرجح أيضًا أن يتم الإطاحة بالحكومات الإقليمية المواليةلآبي أحمد في كل إقليم، مما يؤدي إلى حالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار والعنف بشكل لا يمكن تصور أبعاده على مستوى الأقاليم الاتحادية. سوف تكون إثيوبيا ما بعد آبي دولة عصية على الحكم وربما تنزلق إلى حرب أهلية تستمر لعقود قادمة.

وإذا لم يتمكن تحالف المعارضة من تحقيق اختراق عسكري واضح ودخول أديس أبابا، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى المتوسط هو حالة من الجمود التي قد تستمر سنوات. على أن التكلفة البشرية لهذا السيناريو سوف تكون هائلة، سواء بالنسبة لإقليم التيغراي الذي لا يزال يعاني من آثار الحصار ونقص الغذاء والخدمات الأساسية على نطاق واسع أو في المناطق المجاورة التي تشعر بآثار الحرب وانتشار العنف. يعني ذلك أن جميع الفرقاء سوف يوجهون مواردهم لصالح المجهود الحربي، الأمر الذي يفضي إلى تدهور الاقتصاد ومعاناة السكان. في هذه الحالة، قد تعم الاضطرابات، في أوروميا وأمهرة وغيرها من المناطق، وهو ما قد يدفع إلى تأسيس حركات تمرد متعددة. وعليه نصبح أمام حالة من الفوضى متكاملة الأركان.

آبي أحمد منتصرًا

على أن هناك سيناريو آخر يبدو مرجحًا بدوره، في ظل بيئة دولية وإقليمية منقسمة. مع تواتر بعض الأنباء عن تمكن الجيش الوطني الإثيوبي من استرداد بعض المدن في إقليم العفر وتحريرها من قوات المعارضة، فإننا أمام احتمال انتصار آبي أحمد الذي يتدثر برداء الملك السابع ويخوض بنفسه غمار المعارك مُقلِّدًا سلوك الأباطرة السابقين الذي رفعوا شعار النصر أو الشهادة. تكشف بعض التقارير عن حصول الجيش الإثيوبي على أسلحة ومعدات من عدة دول من بينها تركيا والصين التي من المقرر أن يزور وزير خارجيتها أديس أبابا. في هذه الحالة، يمكن تحصين العاصمة وتحقيق نصر رمزي لقوات آبي أحمد تتبعه حالة من الجمود. وفي ظل هذه الأوضاع، قد يضغط المجتمع الدولي بقيادة الاتحاد الأفريقي من أجل فرض تسوية سياسية للحرب في إثيوبيا من خلال الشروع في إجراء حوار وطني شامل تشترك فيه كافة الأطراف.

وعلى أية حال، فإن استشراف آفاق المستقبل لابد وأن يتم من خلال فهم إثيوبيا كحقيقة جغرافية وثقافية وحضارية. ثمة مجموعة من العوامل التي يجب مراعاتها في دراسة السياسة الإثيوبية: أولاً، المشهد السياسي في إثيوبيا اليوم هو نتيجة للصياغة التاريخية للدولة بطرق متعددة من قبل أنظمة مختلفة كانت تسيطر على مقاليد السلطة السياسية في عصور سياسية متباينة من حيث العقيدة الحاكمة. تظل هذه الحقيقة بغض النظر عن سرديات الاستثنائية الإثيوبية ومعركة عدوة الكبرى مقدمة لازمة للفهم والتحليل. حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول البلاد لأكثر من أربعة عقود حتى أطاح به الدرج في عام 1974.  وفي عام 1991، سقط نظام منغستو هيلا مريام، بعد أن حكم البلاد بقبضة من حديد لمدة 17 عامًا.

هنا، من الأهمية بمكان دراسة كيفية هيكلة هذه الأنظمة لحكمها، وإدارة العلاقات بين المركز والأطراف (العلاقات بين الأقاليم الاتحادية والحكومة المركزية)، ونجاحها في البقاء في السلطة لفترات زمنية ممتدة. إن البحث وفهم الأسباب الكامنة، ودمج تلك المناهج الثقافية والمؤسسية والاقتصادية والاستراتيجية ذات الصلة بتحديد التفسيرات السببية لبقاء مثل هذه الأنظمة على المدى الطويل، سيقدم مساهمة كبيرة في دراسة السياسة الإثيوبية بشكل عام. 

ثانيًا، إثيوبيا الحالية وفقًا لدستور 1994 تقوم على أساس التصميم المؤسسي للفيدرالية العرقية كشكل من أشكال الهيكل الحكومي، وهو أمر شاذ في سياق القضايا الفيدرالية الأخرى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. على الرغم من وجود دول أفريقية أخرى ذات هياكل فيدرالية (تقدم نيجيريا مقارنة جيدة)، فإن التجربة الإثيوبية تظل شاذة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن ترتيبها الفيدرالي مصمم بشكل أساسي على أسس أو تصنيفات عرقية ولغوية، مما أدى إلى خروج واضح عن المقاربات المتعارف عليها.

ثالثًا، تثبت تجربة الحروب الأهلية الطويلة في إثيوبيا، حتى سقوط الدرج وتشكيل مجلس انتقالي في عام 1991 وحرب التيغراي الراهنة منذ نوفمبر العام الماضي، أن استغلال الأجندات العرقية من قبل الجماعات المتمردة يعد أمرًا في غاية الأهمية لتحقيق الاعتراف بالمظالم السياسية التي تبناها عند رفع السلاح.. كان القاسم المشترك في معظم هذه الحركات المتمردة التي خاضت كفاحًا مسلحًا خلال الفترات السياسية السابقة للتسعينيات هو طموحها لتوسيع حقوق جماعاتها العرقية وإعمال مبدأ تقرير المصير من خلال إنهاء ما وصفوه "هيمنة الأمهرة" في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية في الدولة الإثيوبية التاريخية.

وأيًا كان الأمر، فإن طبيعة المتغيرات الراهنة مثل العامل الإريتري وعدم حسم مسالة التيغراي في إطار صياغة فيدرالية أو حتى الانفصال، تدفع إلى ضرورة إعلاء مبدأ التسوية السلمية والحوار الوطني الجامع من أجل إنقاذ الدولة الإثيوبية. عندئذٍ يمكن أن تبدأ معركة إثيوبيا الموحدة حتى وإن خسر آبي أحمد حلمه في أن يكون ملك إثيوبيا السابع.