تقف إسرائيل في حالة ترقب لاستئناف المفاوضات التي تستهدف عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي مع إيران. فقد فشلت من قبل في منع الأخيرة (أثناء ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما) من الوصول إلى هذا الاتفاق عام 2015، ولكنها نجحت خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب في إقناعه بالانسحاب منه عام 2018. بين الفشل والنجاح، تعود إسرائيل للمربع الأول مجدداً، حيث تكرر فشلها عندما أصر الرئيس جو بايدن على إجراء مفاوضات غير مباشرة مع إيران لإعادة بلاده للاتفاق.

وتحاول إسرائيل حالياً إفشال المفاوضات عبر شن حملة مكثفة في المؤسسات الأمريكية لإقناع المسئولين هناك بضرورة وضع شروط صعبة أو تكاد تكون مستحيلة، مقابل عودة واشنطن للاتفاق، مثل إلزام إيران بالتخلي عن كمية اليورانيوم التي تم تخصيبها خارج الاتفاق الأصلي، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي التي تمت إضافتها رداً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وعدم إلغاء العقوبات المفروضة على إيران سواء التي بقيت بعد توقيع الاتفاق عام 2015، أو تلك التي أضيفت بعد قرار ترامب بالانسحاب منه.

تراهن إسرائيل، عبر هذه الشروط، على وضع الولايات المتحدة والدول الخمس الأخرى التي توصلت للاتفاق مع إيران تحت ضغوط متعددة، كما تراهن على أن إيران لن تقبل بالعودة إلى الالتزامات المفروضة عليها في الاتفاق دون أن تحصل على مقابل تبرر به للرأى العام الإيراني مثل هذه الخطوة. وترجح تقديرات الخبراء الإسرائيليين أن المفاوضات ستفشل في النهاية بسبب تعارض المواقف بين واشنطن وطهران، وأن إسرائيل ستحقق جزءاً من مطالبها التي تتجاوز عودة الولايات المتحدة للاتفاق، حيث تهدف بالأساس- وحتى من قبل توقيع الاتفاق عام 2015- إلى تشديد العقوبات على إيران، والتهديد باستخدام القوة من قبل واشنطن لمنعها من المضى قدماً في مشروعها النووي.

احتمال قائم

سيناريو فشل المفاوضات الذي تتمناه إسرائيل قد لا يتحقق إذا ما تمكنت واشنطن من إقناع طهران بإعلان استعدادها للعودة إلى التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق الأصلي، على أن يتم توسيع نطاق العقوبات التي سيتم إلغائها والتي فُرضت على إيران بحيث تشمل إلغاء عقوبات كانت مستمرة بعد توقيع الاتفاق وقبل انسحاب واشنطن منه، والعقوبات التي تم فرضها في عهد ترامب والمستمرة حتى اليوم، ويكون رفع العقوبات تدريجياً بحيث يتزامن إلغاء كل دفعة منها مع التزام إيران المتدرج أيضاً بالعودة إلى المستوى المنصوص عليه في الاتفاق الأصلي من حيث درجة تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي المسموح بها.

تتحسب إسرائيل لهذا الاحتمال الذي سيكون كارثياً بالنسبة لها، خاصة أنها تدرك أن الولايات المتحدة يمكن أن تحاجج إيران بأن انسحاب ترامب من الاتفاق لم يحظ بموافقة الدول الخمس الشريكة في الاتفاق، كما أن إيران لم تعلن بدورها الانسحاب منه، وبالتالي عليها أن تتخلى عن الخطوات التي اتخذتها عقب انسحاب ترامب منه لأنها ظلت داخل الاتفاق ولم تخرج منه، كما أن الدول الخمس لم تأخذ بالعقوبات التي فرضها ترامب على إيران، وبالتالي فإن على إيران أن تلتزم كما التزمت الدول الخمس بنصوص الاتفاق الأصلي.

خيارات محدودة

في كل الأحوال، تشعر إسرائيل بالقلق؛ فعلى الجانب الأول، فإن فشل المفاوضات لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستعتمد الخيار العسكري لمنع إيران من تصنيع أسلحة نووية، بل يمكن فقط أن تزيد من مستوى العقوبات، لكن هذا الخيار لم يثبت أنه قادر على ردع إيران عن المضي في سعيها للحصول على السلاح النووي، وبالتالي ستظل إسرائيل تشعر بالخطر الشديد الذي ستمثله إيران مستقبلاً عليها حينما تنجح في تصنيع هذا السلاح، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس بقوله: "نريد أن نرى الخطة البديلة Plan Bالتي يقول بايدن أنه سيطبقها حال فشل المفاوضات مع إيران، ونتوقع أنها ستعتمد على مزيد من العقوبات التي سيتوافق عليها الأطراف الستة الموقعة على الاتفاق لتصبح عقوبات دولية، ولكن كل ذلك لن يكون كافياً ما لم يتم وضع الخيار العسكري على الطاولة"

على الجانب الثاني (في حالة نجاح المفاوضات) سيكون الوضع بالنسبة لإسرائيل أكثر سوءاً لأن الاتفاق الأصلي لم يكن ليمنع إيران من تصنيع السلاح النووي، فقط كان سيُؤخِّر نجاحها في ذلك لبضعة سنوات لن تزيد عن عشرة أو خمسة عشر عاماً على أقصى تقدير، كما أن الاتفاق تضمن صياغة فضفاضة فيما يتعلق بمنع إيران من إجراء التجارب على الصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية، وكذلك لم يشمل الاتفاق إلزام إيران بالامتناع عن تقديم الدعم والمساندة المالية والعسكرية للتنظيمات التي تعتبرها إسرائيل إرهابية.

بالإضافة إلى ذلك، ترى إسرائيل أن بقاء القدرات النووية الإيرانية حتى بدرجة منخفضة سيزيد من قلق العديد من الدول العربية التي تخشى التمدد الإيراني في المنطقة، ومن ثم يمكن أن يؤدي التسامح مع المشروع النووي الإيراني ومنحه الشرعية القانونية والدولية إلى لجوء دول عربية إلى البحث في حيازة الخيار النووي، وهو ما سيفرض بدوره أعباءً أمنية مضاعفة على إسرائيل في المستقبل المنظور.

وتعكس بعض المواقف الإسرائيلية في الوقت الراهن قلقاً واضحاً من احتمال نجاح المفاوضات. على سبيل المثال، رفض رئيس الحكومة نفتالي بينيت الالتقاء بالمبعوث الأمريكي الخاص لإيران روبرت مالي الذي زار إسرائيل في 11 نوفمبر الجاري، للاستماع إلى وجهة النظر الإسرائيلية المتعلقة باستئناف المفاوضات، واعتبر الكثير من المعلقين الإسرائيليين أن بينيت أراد إيصال رسالة قوية لإدارة بايدن، بأن إسرائيل ترفض بشكل قاطع أى سياسة من شأنها عودة واشنطن للاتفاق النووي بصيغته الأصلية.

أيضاً تشعر إسرائيل بالتوجس من القرار الأمريكي الأخير بوضعها تحت مسئولية القيادة المركزية للجيش الأمريكي، إذ على الرغم من أن القرار -كما شرحه رئيس الأركان الأمريكي كينيث ماكينزي- يعني نقل عملية الاتصال والتنسيق بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي من القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي إلى القيادة المركزية الأمريكية، ولا يشتمل على تغيرات جوهرية فيما يتعلق بالالتزام الأمريكي القديم بحماية أمن إسرائيل، إلا أنه يعيد تذكير إسرائيل بما فعله الرئيس السابق باراك أوباما حينما تقدم بمشروع مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل لاحتواء غضبها من الاتفاق النووي. وقياساً على ذلك، قد يكون نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي إلى القيادة المركزية هو مقدمة لاحتواء غضب إسرائيل عندما تنجح المفاوضات في فيينا.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 25 نوفمبر 2021.