تطوير الريف المصرى من حيث المكان والإنسان والخصوصية، عملية ترتبط بالمستقبل ومكانة الدولة وحدود قوتها وتماسك مجتمعها، كما أنها تعبر عن حوكمة المقومات والركائز والموارد الواجب الاستناد إليها فى عملية التطوير والبناء. فهى بمثابة قفزة نجاة وطوق حياة نتجاوز بها عوامل الإهمال والعشوائية والتشوه التى تركت بصمتها على القرية المصرية وأهلها وأسلوب العيش فيها. ورسالة معبرة عن متطلبات العدالة وتوزيع ثمار التنمية وتعميق المواطنة، وفاعلية المواطن وعلاقة ذلك كله بقوة الدولة. وهو ما يقودنا إلى عدد من المعاني والدلالات:

الرؤية الحاكمة، لمشروع التطوير وعلاقاتها بحدود عمق الرسالة التى تشير إليها أهداف المشروع وارتباطها بفلسفة مبادرات حياة كريمة ودعم رئيس الدولة. فتنمية الريف المصرى ووضعه على خريطة التنمية والاستثمار فى البشر وزيادة رأس المال الاجتماعى، تشكل جميعها منظورًا تكامليًّا للبناء والاستدامة، وضمانًا للنمو والتوزيع العادل للموارد، والمشاركة التى تعلى من شأن الشعور بالمسئولية المجتمعية، وتعزز الانتماء وتدعم المساواة، وتمكن المواطنين.

فلسفة بناء وتنمية، فالاهتمام بالمواطن فى بيئته المحلية وتنميته مع مراعاة الخصوصية المجتمعية تظل أفضل السبل لضمان بناء إنسان يمتلك من مقومات الحياة الكريمة ما ينمى من شعوره بالثقة فى قدراته ومسئولياته تجاه مجتمعه وتجاه بلده. كما أن تكامل الرؤية والسياسات والبرامج فى أبعادها التنموية الشاملة والمستدامة، يوفر فى نفس الوقت القدرة على تقوية البنيان الاجتماعى بالقدر الذى يساعد على تطوير المجتمع، وإعادة صياغة تفاعلاته وفاعليته على مواجهة الاختلالات والتوترات الاجتماعية القائمة.

مداخل تحفيزية لتفعيل الآليات المجتمعية وأطر المسئولية التضامنية للمواطنين، فالمشروع يستهدف تحسين نوعية الحياة، ويمكن أن يقدم نماذج تنموية متعددة مرتبطة بالمكان والموارد والخبرات عبر آليات واضحة للمشاركة المجتمعية قادرة على التواصل والتفاعل الإيجابى مع المواطنين. فالمشروع يتضمن العديد من السمات والخصائص المرتبطة بالرؤية والأهداف والأطراف المشاركةوالمستهدفة، مما يجعله نموذجًا تنمويًّا داعمًا لمجموعة من القيم والحقوق الأساسية، ودافعًا لنمط التنمية بالمشاركة.

التوقيت وما تعكسه اللحظة الراهنة من متطلبات تفرضها الضغوط الاقتصادية ومظاهر الخلل الاجتماعى ومسئولية البناء، تشير إلى أهمية المسئولية الجماعية للدولة وللمجتمع، وتنامى الحاجة لتفعيل المسئولية المجتمعية من خلال إعلاء قيم وآليات المواطنة الفاعلة، والعدالة الاجتماعية، والحقوق الأساسية.

1- الرؤية الحاكمة وآفاقها

 يكتسب المشروع أهمية نوعية تتعلق بأجندته التمكينية وبالتوقيت وما يتطلبه ذلك من رؤية وجهد وتشارك قادرة على تعميق فلسفته التنموية كسبيل لتحقيق التنمية فى المجتمع. وإذا كان المشروع يستند إلى آليات حكومية وتمكين مجتمعى من خلال تعبئة وحشد كل القدرات والإمكانيات المحلية لتلبية وسد الاحتياجات الضرورية، وتحسين سبل العيش، فإنه يجب أن يستهدف تحويل هذه الآلية إلى عملية متكاملة من حيث المعارف والمهارات والسلوك وامتلاك القدرة على تحديد الاتجاهات (بناء قدرات الأشخاص والمنظمات والهيئات المشاركة) من خلال أجندة عمل تعكس التحديات الاجتماعية والثقافية التى تفرض إيقاعها السلبى والضاغط على أهل الريف، وأن تراعى الأجندة التنوع والتعدد والخصوصية والتميز التى تتمتع بها الأقاليم الاقتصادية وما تتضمنه من قرى، وأن تكون هناك برامج متخصصة وأدوات متعددة تتوافق وطبيعة الأزمات والقضايا المزمنة التى تفرض تأثيراتها وتداعياتها على التماسك المجتمعى وآليات الضبط الاجتماعى.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن أن يتحول المشروع من رؤية لــ «تطوير المجتمع الريفى» إلى بناء نماذج تنموية استرشادية دافعة لمنظومة متكاملة تتجاوز سلبيات التقسيم الحضرى (ريف وحضر) والتقسيم الجغرافى (صعيدى وبحرى) وتساهم فى بناء نماذج تنموية متكاملة (بما يتوافق وخصوصية القرية وتميزها من حيث القدرات والموارد). وهنا يمكن التأكيد على عدد من النقاط المرتبطة بأهمية بناء النماذج التنموية وفقا لخصوصية كل قرية رغم وجود الكثير من القواسم المشتركة للتحديات والقضايا القائمة، نذكر منها:

تفعيل الآليات المجتمعية وأطر المسئولية التضامنية للمواطنين، كمدخل أساسي لمشاركة أهل القرية فى التخطيط وتنفيذ المبادرات المحلية الدافعة للتواصل والتفاعل الإيجابى مع المواطنين، لمواجهة العديد من المظاهر السلبية التى تعمقت وتزايدات مع القبول بالتعايش مع الموروث التقليدى السلبى، مثل الزواج المبكر والثار والطائفية، والتمييز، وعمل المرأة، والتسرب من التعليم، والزيادة السكانية، عمل الأطفال، والهجرة إلى الداخل أو الخارج.

2- المكون الثقافى الحاكم

هناك أهمية وحتمية للمكون الثقافى والقيمى كمدخل للتنمية وبناء الوعى والتعايش، وأن يمثل مكونًا رئيسيًّا وتكامليًّا فى البرامج التنموية حتى تتكامل الأدوار التنموية، وهو ما يعرف بـ «النموذج المتكامل» الداعم للتنمية على أسس حقوقية وقيمية. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من المحددات والأفكار الداعمة لقضية التنمية الثقافية كمدخل لنشر منظومة القيم الداعمة للتعايش الإيجابى بين المواطنين، والقادرة على إدارة الخلافات والتوترات المجتمعية بعيدًا عن مسار الصراعات وبما يدعم الاستقرار المجتمعى. نذكر منها:

المحدد الأول: التنمية الثقافية مكون حاكم لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، فلا يمكن تحقيق هذه التنمية بدون الارتكاز للأبعاد الثقافية فى معناها الواسع والكلى من قيم ومعارف ومعتقدات وفنون كسبيل لبناء الإنسان وتنمية قدراته.

المحدد الثانى: المكونات الثقافية تصيغ ذلك الإطار المعبر عن درجة تضامن المجتمع واستقراره والحاكم لدرجة تماسكه، والمحافظ على بنائه الاجتماعى، فالثقافة هى القاعدة التى تُبنى عليها ركائز الحوار والاعتراف بالتنوع وإعمال القانون والأخلاقيات والحريات والشعور بالعدالة.

المحدد الثالث: إن التنوع الثقافى والقبول بهذا التنوع فى إطار الثقافة الأم يطرح بدوره حجم التشوهات التى أصابت «الشخصية المصرية» وما فرضته تداعيات الأمية بأنماطها وإدراكاتها المتعددة من تأثير على مستوى الوعى الاجتماعى وضعف التفكير العلمى والعقلانى من تحديات أمام الارتقاء بالسلوك العام الذى يمثل فى النهاية المحصلة الثقافية. ويمثل مشروع تطوير الريف المصرى فرصة وآلية للبناء العلمى والثقافى والمعرفى عبر تفعيل فلسفة ودور المؤسسات الثقافية، مثل: مراكز الشباب، وقصور الثقافة، والجمعيات الأهلية المعنية بالثقافة، بالقدر الذى يمكنها من دعم المكون الثقافى والمعرفى.

3- المسئولية والخريطة المعرفية للمكان والإنسان

تحديد الاحتياجات الأساسية والعمل على تلبيتها قدر الإمكان، مرحلة تأسيسية لا مفر منها، ولكن الوقوف على حجم التغيير الذى مس النسيج الاجتماعى والثقافى للمجتمع المصرى وفى القلب منه سكان الريف، أمر يصعب تحديده بدقة مع ضعف وقلة الدراسات والمسوح الاجتماعية، ومع الإقرار بأهمية المعرفة والإحاطة بجملة التطورات التى أصابت القرية المصرية على مستوى المكان والعمران والإنسان وسبل العيش، فإن رسم خريطة معرفية بهذه التطورات يعد سبيلا ونقطة انطلاق حتمية لاستكمال نماذج التنمية المستهدفة والقدرة على مواجهة التشوهات والمسببات التى أحدثها التطرف الدينى والعنف والاستقطاب الاجتماعى والسياسى، وما يتطلبه ذلك من بناء وعى وتفكير علمى وترسيخ قيم وتنمية ثقافية داعمة للحوار والمواطنة والقبول بالتنوع، والاستثمار فى البشر وزيادة رأس المال الاجتماعى وتوفير فرص عمل والاهتمام بالمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، حتى تتحقق فرص مستدامة من النمو والتنمية.

تقودنا تلك الأهداف ومستوياتها المتعددة إلى أهمية تحديد المسئولية والأدوار، ووضع الأطر الضامنة للتكامل والتنسيق، فى ظل ثقافة عامة لا تحفز العمل الجماعى والمستمر لفترة ممتدة.

وهو ما يطرح قضية الإدراك المتبادل لطبيعة المسئوليات والأدوار المتوقعة من جانب كل طرف، فلدينا التصور الرسمى الذى تتبناه الحكومة لدورها ولدور بعض الأطراف مثل القطاع الخاص والمحليات والجمعيات الأهلية، الأمر الذى يطرح معه مجموعة من الأسئلة الرئيسية حول حدود التوافق والفاعلية المطلوبة لتعزيز فرص بناء النموذج التنموى المتكامل، وأطر التشبيك على نمط العلاقة المشتركة بين الأطراف المستهدفة (المحليات، والجمعيات الأهلية، والقطاع الخاص المحلى)، وحدود المرونة الإدارية المطلوبة لبناء البرامج والنماذج الخاصة بكل قرية، وطبيعة القيود والمشكلات التى تحول دون مزيد من التفاعل وصولا لتحقيق هدف التخطيط بالمشاركة.

وخاصة مع عدم صدور قانون المحليات الجديد، وعدم وجود مجالس محلية منتخبة، وغلبة الطابع الخيرى والرعائى على الجمعيات الأهلية، بما يعنى الحاجة للتفاعل بقدر أكبر مع المعطيات الخاصة بالبيئة المحلية والاستجابة لها، حتى يمكن إحداث حراك اجتماعى يساعد على مشاركة وفاعلية أكبر للطبقات الدنيا. فكل من المحليات والجمعيات الأهلية تهتم بقضيتى المشاركة وتوزيع الموارد كسبيل لتحقيق التنمية على المستوى القاعدى.

مشروع تطوير الريف المصرى إذن، هو فرصة لتغيير كبير يشمل الدولة المصرية ككل، ويؤسس لمرحلة جديدة من التطوير والبناء ويعظم من فرص تحصين المجتمع، ويزيد من مناعته وقدرته على مقاومة الكثير من الأمراض والاختلالات التى أحاطت ببيئته، ومدخل لإعادة تأسيس الكثير من شكل العلاقات والتفاعلات والتى يأتى فى مقدمتها الشراكة بين القطاعات الثلاثة (الحكومى والأهلى والخاص)، وطبيعة العلاقة بين المواطن والمجتمع والدولة، وهنا يمكن الإشارة، إلى أهمية تعظيم المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال والقطاع الخاص، وتعزيز قدرات المنظمات الأهلية نحو مزيد من الأدوار التنموية، مع إعطاء اهتمام خاص للمنظمات الأهلية القاعدية، بالقدر الذى يسمح، أولاً: بإعطاء الفرصة للمواطنين المهمشين (النساء، والشباب، والفقراء، وذوى الدخل المنخفض، وذوى الاحتياجات الخاصة) للتعبير عن أنفسهم وثانياً: القدرة على التعبير الواضح عن مصالح المواطن، وتنظيم المواطنين لكى يتمكنوا من متابعة مصالحهم بصورة أفضل مع المؤسسات العامة وصانعى القرارات. وثالثًا: مساعدة المواطنين على صياغة رسالة واضحة وجلية وتسهيل اتصالهم بالمؤسسات العامة ومساعدة المؤسسات العامة على أن تستجيب لمطالب المواطنين بكفاءة وبصورة ملائمة. ورابعاً: توفير معرفة أفضل للمواطنين بخطط المؤسسات العامة وأولوياتها وإجراءاتها.

وهنا يجب التأكيد على النموذج التنموى المستدام وعلى المسئولية التكاملية للدولة والمجتمع وأيضًا المواطن فى توفير متطلبات التطوير وإنجاح هذا النموذج، وتلك المبادرة الداعمة لتوفير حياة كريمة لأهل مصر وفى القلب منها مواطنو القرية. فتكامل الأدوار والمسئوليات ومن قبلها السياسات والبرامج وأطر التنسيق والتشبيك، تكتسب أهمية متزايدة فى هذه المرحلة التى تتطلب الدفع نحو مزيد من عوامل التحفيز على المشاركة والشراكة فى عملية النهوض المجتمعى وبناء الدولة الحديثة.

د. أيمن السيد عبد الوهاب

خبير شئون المياه وإفريقيا - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية