اقترب موعد انعقاد الجولة السابعة من مفاوضات فيينا الخاصة بالاتفاق النووي بين إيران ومجموعة "4+1" بمشاركة غير مباشرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، في 29 نوفمبر الحالي (2021). ورغم أن مجرد استئناف المفاوضات يشير إلى أن هناك رغبة قد تكون متبادلة في الوصول إلى اتفاق، فإن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه أنه لا يمكن التكهن بما يمكن أن تؤول إليه في النهاية. فالمسارات كلها مطروحة، لاسيما أن الخلافات العالقة ليست ثانوية ولا يمكن تسويتها بسهولة.

اللافت في هذا السياق، هو أنه عندما بدأت تقترب الجولة السابعة من الانعقاد، بدأت تظهر دعوات إلى ضرورة التدقيق في "اللغة" المُستخدَمة سواء في المفاوضات أو في أى اتفاق قد يتم التوصل إليه في النهاية، بالمعنى الحرفي لها، وليس التقني. وقد بدا ذلك جلياً في الافتتاحية التي كتبها رئيس تحرير صحيفة "كيهان" (الدنيا) حسين شريعتمداري، في 17 نوفمبر الجاري، بعنوان "برادرانه با دكتر باقري"(أُخُوَة مع الدكتور باقري).

أهمية هذا المقال تكمن في دعوة شريعتمداري- المُقرَّب من المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي ويعتبر ضمنياً متحدثاً بلسانه- لفريق التفاوض النووي إلى الحذر في انتقاء الكلمات سواء في التصريحات التي يدلي بها أعضاءه أو خلال المفاوضات مع القوى الدولية، باعتبار أن هذه الكلمات قد تحمل أكثر معنى وتوفر فرصة للطرف المقابل من أجل توسيع هامش الخيارات والمناورات المتاح أمامه.

دلالات عديدة

دعوة شريعتمداري لانتقاء الكلمات قد لا تكون هى الأولى من نوعها، فقد ظهرت في الفترة التالية على الوصول إلى الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015، دعوات مماثلة دولية، وتحديداً أمريكية، وهو ما يطرح دلالات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- ثغرات متعددة في الاتفاق النووي: تشير هذه الدعوات إلى أن الاتفاق النووي يتضمن ثغرات قد لا تكون قليلة، وكانت كفيلة في الفترة الماضية بتفجير أزمات عديدة أدت في النهاية إلى عدم التزام بعض الأطراف بتعهداتها فيه، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. وهنا، كان لافتاً أن تصريحات بعض المسئولين تشير إلى أن معالجة تلك الثغرات كان أحد محاور الجولات الست التي سبق انعقادها وآخرها في 20 يونيو الماضي، بعد إجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية بيومين. فقد سبق أن قال وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، في 19 يونيو الماضي: "المحادثات تجري ونحن نتحدث الآن"، مضيفاً: "أصبح النص أكثر وضوحاً ونظافة. يجري إزالة الأقواس".

معنى ذلك، أن هناك صيغة جديدة للاتفاق النووي يجري العمل عليها في الاتفاق، لتلافي الثغرات التي يعاني منها الاتفاق الحالي. وقد كان لافتاً أيضاً أن وزير الخارجية الحالي حسين امير عبد اللهيان بات يتحدث بدوره عن "اتفاق جيد"، في إشارة أخرى إلى أن هناك اتجاهاً لدى القوى المنخرطة في المفاوضات لعدم التعويل على الاتفاق الحالي.

2- خلاف حول مدى "إلزامية" الكلمات: أبدت اتجاهات أمريكية عديدة بدورها تحفظات حول بعض الكلمات، أو تحديداً "الأفعال" التي ينص عليها الاتفاق النووي، أو قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر في 20 يوليو 2015، أى بعد الوصول إلى الاتفاق بأسبوع واحد، و"أُنهِيت" بموجبه القرارات الأممية السابقة التي فرضت بمقتضاها عقوبات دولية على إيران. ففي رؤية حسين شريعتمداري، فإن كلمة "lift sanctions" حملت أكثر من معنى على نحو فهمته إيران والولايات المتحدة الأمريكية بشكل متباين، وربما تعمدتا ذلك. فإيران اعتبرت أن الكلمة تعني "رفع" العقوبات، فيما رأت واشنطن أنها تعني "تعليق".

لكن هذه الرؤية مردود عليها، بأنه أياً كان المعنى الدقيق أو المقصود أو المرغوب فيه للكلمة، فإن صفة الديمومة كانت مفتقدة في البند الخاص بالعقوبات في الاتفاق، في ظل ارتباط هذا الإجراء بمدى التزام إيران بتعهداتها في الاتفاق، فضلاً عن أن الاتفاق والقرار الأممي نفسه لم يستبعد إعادة فرضها مجدداً، وفقاً لشروط معينة حددها بالتفصيل.

إذ ينص الاتفاق على ما يسمى بآلية "سناب باك" Snapback أو "كبح الزناد" والتي تقضي بإمكانية إعادة العمل بقرارات مجلس الأمن التي عُلِّقت في غضون شهر في حالة تقدم أحد الأطراف في الاتفاق بشكوى إلى مجلس الأمن. ومعنى ذلك أن "رفع" العقوبات- حسب المفهوم الإيراني- ليس نهائياً، وأن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت استغلال ذلك سواء في انسحابها من الاتفاق في 8 مايو 2018، أو في محاولتها استصدار قرار من مجلس الأمن بتمديد حظر الأسلحة الأممي المفروض على إيران، الذي رفع في 18 أكتوبر 2020، بعد مرور خمسة أعوام من تاريخ اعتماد الاتفاق في 18 أكتوبر 2015.

3- بنود "ملغومة" في الاتفاق: قد لا ينجح الوصول إلى اتفاق جديد في مفاوضات فيينا في تسوية الخلافات العالقة مع إيران حول بعض الملفات، لاسيما في حالة ما إذا تضمن بعض ما يمكن تسميته بـ"البنود الملغومة" في الاتفاق الحالي. ويتمثل أهم هذه البنود في البند الخاص بالصواريخ الباليستية أو ما يسمى بـ"القذائف التسيارية" حسب ما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 2231. إذ تضمنت الفقرة 3 من المرفق "باء" للقرار صيغة فضفاضة فيما يتصل بأنشطة إيران المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية. وجاء النص على النحو التالي: "تدعو الفقرة 3 من المرفق باء للقرار 2231 (2015) إيران إلى عدم القيام بأى نشاط يتصل بالقذائف التسيارية المعدة لتكون قادرة على إيصال الأسلحة النووية، بما في ذلك عمليات الإطلاق باستخدام تكنولوجيا من هذا القبيل للقذائف التسيارية".

وهنا، فإن الفعل "تدعو" لا يتضمن صيغة إلزامية أو يفرض قيوداً صارمة على إيران فيما يتعلق بتطوير أنشطتها الصاروخية. فهو يختلف، على سبيل المثال، عن فعل "تُلزِم"، على نحو وفّر لإيران مساحة أكبر من المناورة في هذا الصدد، دفعتها إلى إجراء تجارب على إطلاق صواريخ باليستية عديدة.

والمشكلة لا تنحصر في ذلك فقط، إذ أن إيران اعتبرت أن "التوصيف" الذي حددته تلك الفقرة لا ينطبق على برنامجها الصاروخي، حيث زعمت ببساطة أن صواريخها الباليستية غير مصممة لحمل أسلحة نووية. ومن هنا، يمكن تفسير أسباب عدم اتخاذ إجراء قوي وحاسم من جانب القوى الدولية ضد التجارب الصاروخية العديدة التي قامت بها إيران، باعتبار أن الاتفاق وقرار مجلس الأمن لا يُوفِّر لها آلية واضحة ومتفق عليها في هذا السياق.

4- تأثير أزمة غياب الثقة: ما زال عدم الثقة هو السمة الرئيسية في العلاقات بين الأطراف الرئيسية المنخرطة في المفاوضات. إذ يمكن القول إن هذه الأطراف تعمدت انتقاء "كلمات فضفاضة" في الاتفاق السابق تحسباً لاتخاذ إجراءات مُخالِفة له أو التفكير في خيارات أخرى في مرحلة لاحقة، وهو ما حدث فعلاً عندما انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018 وبدأت في فرض عقوبات أمريكية على إيران بداية من 7 أغسطس من العام نفسه، وعندما بدأت إيران في تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق، سواء على مستوى عمليات تخصيب اليورانيوم التي تجاوزت الحد المسموح به (3.67%) ووصلت إلى 20 و60%، أو على صعيد استخدام أجهزة طرد مركزي من طرازات أكثر تقدماً مثل "IR4" و"IR6"، أو على مستوى توسيع نطاق عمليات التخصيب لتشمل مفاعل فوردو إلى جانب منشأة ناتانز.

هنا، يمكن القول إن هذه الأزمة هى التي تدفع الآن في اتجاه الدعوة لانتقاء الكلمات والتركيز على الصياغة التي تتضمن معنى واحداً ومباشراً دون الدخول في تعقيدات تفرض في مرحلة لاحقة عواقب وخيمة على غرار تلك التي واجهها الاتفاق النووي الحالي.

في النهاية، تبقى المسارات مفتوحة في الجولة القادمة من مفاوضات فيينا. فالخلافات تتراكم والشروط تتزايد، ما يعني أن الخيارات كلها قد تطرح في مرحلة لاحقة، رغم وجود رغبة في الوصول إلى تسوية تنهى الأزمة النووية الحالية.

د. محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية