تشير العملية الإرهابية التي استهدفت مستشفى سردار محمد خان العسكري في العاصمة كابول، في 2 نوفمبر الجاري، والتي نتج عنها وفاة 25 شخصاً وإصابة 50 آخرين، إلى أن عدم الاستقرار الأمني سوف يبقى علامة مميزة في المشهد الأفغاني خلال المرحلة القادمة. وتبدو تلك العملية تكراراً لنموذج العمليات الإرهابية الكبرى التي نفذها تنظيم "داعش خراسان" في الداخل الأفغاني منذ وصول حركة "طالبان" إلى الحكم في منتصف أغسطس الماضي.

فقد كان التنظيم حريصاً على انتقاء أهداف مدنية متنوعة، كان آخرها استهداف مساجد تابعة للشيعة في شمال وجنوب أفغانستان، عبر عمليات إرهابية أسفرت عن سقوط العشرات من الضحايا والجرحى. ويُعد الهجوم الأخير هو الهجوم الانتحاري الثالث الذي يقوم به التنظيم في قلب العاصمة كابول، بعد الهجوم الذي وقع في 3 أكتوبر الفائت قرب مسجد "إيد غاه" في كابول واستهدف قيادات حركة "طالبان" وأدى إلى مقتل 5 أشخاص على الأقل.

هذا التصعيد المتنامي في معدل العمليات الإرهابية لتنظيم "داعش خراسان"، من حيث العدد وقوة العملية واختيار الأهداف، خلال الفترة الأخيرة، يطرح العديد من التساؤلات حول أسباب تزايد القدرات النوعية للتنظيم بشكل ملحوظ بعد سيطرة حركة "طالبان" على الحكم.

تكرار النموذج العراقي

بتحليل طبيعة العمليات الإرهابية الثلاثة الأخيرة التي نفذها تنظيم "داعش" بداخل العاصمة الأفغانية، والتي بدأت بعملية مطار كابول في 27 أغسطس الماضي، يتضح أن هناك تحولاً نوعياً في القدرات التكتيكية للتنظيم من حيث دقة اختيار الأهداف واقتحام التحصينات الأمنية لحركة "طالبان"، على نحو يشير- في الغالب- إلى وجود معلومات مسبقة لدى التنظيم حول الإجراءات الأمنية التي تتخذها الأجهزة الأمنية التابعة للحركة في العاصمة كابول، وفهم دقيق من جانبه لطبيعة الأهداف، وهو ما يرجح احتمال أن يكون التنظيم قد تمكن خلال المرحلة الأخيرة من استقطاب عناصر تمتلك خبرات قتالية ومعلوماتية وتنظيمية.

هذا الاحتمال ظهر مع إشارة تقارير عديدة إلى مقتل ضابط في الجيش الأفغاني- الذي اختفى عقب سيطرتها على الحكم- ضمن عناصر تنظيم "داعش" خلال اشتباكات اندلعت بين الحركة والتنظيم منذ عدة أيام، حسب ما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، التي أضافت أن الضابط المقتول ضمن صفوف تنظيم "داعش" كان مسئولاً عن مستودع أسلحة وذخيرة في غارديز، عاصمة ولاية باكتيا الجنوبية الشرقية.

هنا، وبصرف النظر عن مدى صحة تلك التقارير من عدمه، لا يمكن استبعاد ذلك الاحتمال رغم نفى حركة "طالبان" له، وهو موقف متوقع من جانبها. ففي كل الأحوال، لا يمكن تجاهل أن هناك تساؤلات ما زالت بلا إجابة حول مستقبل العديد من ضباط الجيش الأفغاني وعناصر الاستخبارات السابقين، ومدى إمكانية انضمام بعضهم لتنظيم "داعش"، على غرار ما حدث في العراق قبل أن يظهر التنظيم على الساحة في منتصف عام 2014. وفي هذا الصدد، قال رحمة الله نبيل الرئيس السابق لوكالة التجسس التابعة للمديرية الوطنية للأمن الذي غادر البلاد- وفقاً للصحيفة- أن "داعش أصبح جذّاباً للغاية، بالنسبة لبعض العناصر السابقين في قوات الأمن، لاسيما في بعض المناطق".

دافعان رئيسيان

ينطلق احتمال انضمام بعض العناصر الأمنية والاستخباراتية الأفغانية لتنظيم "داعش خراسان"، من دافعين أساسيين: الأول، الحماية والاحتواء، فمع انهيار الجيش الأفغاني وهروب أغلب عناصر الجيش والأجهزة الأمنية خوفاً من بطش حركة "طالبان"، ربما اتجه بعض هذه العناصر للانضمام للتنظيم ليس بدافع فقهي أو أيديولوجي وإنما للاحتماء داخل التنظيم في مواجهة حركة "طالبان". وربما يحاول التنظيم تعزيز قدرته على استقطاب هؤلاء عبر تقديم حوافز مالية لهم، من أجل تغيير توازنات القوى لصالحه أو تمكينه من مواجهة أية ضغوط محتملة قد يتعرض لها في المرحلة القادمة.

الثاني، هو الثأر من الحركة، على نحو يشبه ما حدث في العراق، عندما انضم بعض عناصر الجيش العراقي السابق الذي كان قائماً قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلى تنظيم "داعش" بدافع الثأر من السلطة الجديدة. إذ يبدو أن بعض العناصر العسكرية والأمنية الأفغانية تسعى إلى الانتقام من الحركة بعد نجاحها في السيطرة على الحكم سريعاً بالتوازي مع الانسحاب الأمريكي.

أسباب الاستقطاب

في حالة ما إذا ثبت أن التنظيم يسعى بالفعل إلى استقطاب عناصر ذات خلفية أمنية وعسكرية أفغانية، فإن ذلك يعني أنه يحاول تحقيق أهداف رئيسية ثلاثة: الأول، تقدم خدمات تدريبية لرفع القدرات، خاصة أن بعضهم قد يكون له صلة أو إسهام سابق في التخطيط العسكري، وربما تولى مناصب عسكرية وأمنية رفيعة. وهنا، فإن التنظيم يرى أن انضمام هؤلاء سوف يؤدي إلى اكتساب خبرات نوعية في عمليات التدريب ورفع قدرات عناصره الأساسية، بالإضافة إلى الاستفادة من هؤلاء الضباط في التصنيع العسكري وعمليات الهجوم وآليات السيطرة الميدانية وإدارة أى مواجهات قد تندلع مع أى تنظيم إرهابي أو مسلح آخر.

الثاني، الاستفادة من المخزون المعلوماتي، الذي تمتلكه العناصر الاستخباراتية التي ربما تنضم للتنظيم، سواء على مستوى الداخل الأفغاني أو على صعيد دول الإقليم والجوار، وهو ما يمنح التنظيم قدرة أكبر على تخطيط العمليات الإرهابية، من حيث اختيار المستهدف ونقاط ضعف قوات الأمن المُواجِهة. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في العمليات الإرهابية الثلاث التي وقعت بالعاصمة كابول، ومنها العملية الأخيرة ضد المستشفى العسكري يوم الثلاثاء الماضي.

الثالث، تحسين الصورة الذهنية للتنظيم في الداخل الأفغاني، والترويج إلى أنه أقرب إلى جماعة "تمرد"، ومحاولة إضفاء وجاهة خاصة -غير حقيقية بالطبع- على توجهاته، وذلك استناداً إلى انضمام ضباط من المؤسستين العسكرية والأمنية السابقتين إلى صفوفه.

ختاماً، تشير العمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم "داعش خراسان" خلال المرحلة الماضية إلى أن ثمة تطور نوعي طرأ على قدراته، لاسيما فيما يتعلق باختيار المستهدف وتكتيكات العملية الإرهابية، على نحو يشير إلى أنه يسعى إلى تكرار النموذج العراقي في أفغانستان من جديد، عبر استقطاب عناصر عسكرية وأمنية للانضمام إليه.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 10 نوفمبر 2021.
أحمد كامل البحيري

باحث متخصص في شئون الإرهاب - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية