يبدو أن نهاية المعركة المسلحة فى مأرب بين القوات المشتركة والمليشيا الحوثية ستشكل نقطة تحول استراتيجية فى المشهد اليمني بشكل عام. فالصراع المسلح الممتد لسنوات يزحف حالياً على معقل الشرعية الرئيسي مع تطويق الحوثيين للمحافظة من ثلاث جهات: شمالاً من الجوف وجنوباً من تخوم شبوة، وغرباً على امتداد الجبهات الممتدة مع صنعاء. وتحافظ المليشيا على وتيرة هجومية متصاعدة على خطوط الدفاع الرئيسية للقوات المشتركة، مع افتقار تلك القوات إلى القدرة على إحداث اختراق نوعي. وعلى الأرجح، كل ما تستطيع فعله حالياً هو تعطيل تقدم المليشيا واستنزاف قدراتها قدر الإمكان.

على هذا النحو، لم يعد السؤال المطروح حالياً بشأن معركة مأرب يتعلق بإمكانية سيطرة المليشيا الحوثية عليها من عدمه، بقدر ما يتعلق بكيفية حدوث ذلك فى ظل اعتمادها تكتيك "الأرض المحروقة" باستهداف كل ما يعترضها دون المبالاة بحجم الدمار الذي تُخلِّفه عمليات القصف بالصواريخ والطائرات من دون طيار "الدرونز"، أو الكُلفة البشرية الباهظة فى ظل عدم التفرقة بين ما هو مدني وما هو عسكري، وتداعياتها الإنسانية الصعبة فى بلد يتصدر قائمة الأزمات الإنسانية فى العالم، حيث تنظر المليشيا فقط إلى المكاسب السياسية والاقتصادية التي ستجنيها حال السيطرة علي مأرب باعتبارها المعقل الأخير للحكومة الشرعية، بالإضافة لكونها الأكثر غنى بموارد النفط فى البلاد.

وقياساً على مستوى المعارك السابقة التي شهدها الصراع اليمني الذي دخل عامه الثامن، فإن معركة مأرب هى الأعنف وستكون الأعلى فى محصلة الخسائر، فضلاً عن كونها الأطول زمنياً، فقد شهدت المعركة نقلة استراتيجية منذ شهر أبريل من العام الجاري، بالسيطرة على جبهتى صرواح والكسارة، ثم تطويق مأرب عبر الحصار العسكري باتجاه الشمال مع الجوف، والجنوب مع شبوة، واستخدمت المليشيا فيها الصواريخ الباليستية مبكراً بالإضافة إلى الدرونز المفخخة، فقد تبنت المليشيا من قبل تكتيك الحصار والقصف فى معركة دماج التي كانت إحدى أبرز معاركها فى مسار وصولها إلى العاصمة صنعاء وإسقاطها فى 21 سبتمبر 2014، لكنها استخدمت آنذاك وسائل القصف المدفعي المختلفة والصواريخ فى بعض الأحيان، إلا أنها لم تكن بنفس القدرات الفائقة التي تستخدمها حالياً.

تكتيكات السيطرة

فى هذا السياق، تبدو المقارنة ما بين معركتى دماج ومأرب مهمة من زوايا أخرى، منها مثلاً طبيعة الخصم الذي كانت تواجهه المليشيا فى دماج وهو التيار السلفي، الذي كانت تعتبره التحدي الأبرز لها فى معقلها الديني فى صعدة، بالإضافة إلى العامل الثأري مع هذا التيار، وبالتالي من الناحية الرمزية فرضت ما تعتبره نوعاً من الهيمنة الدينية أو المذهبية إن جاز التعبير أيضاً.

كذلك فى معارك أخرى فى عمران، كسرت المليشيا التحدي القبلي المتمثل فى أعرق القبائل اليمنية وأكبرها تكتلاً وهى حاشد، فيما تعتبر القبيلة فى حد ذاتها رمزية ربما كانت تتقدم على رمزية الدولة ذاتها فى المنظور اليمني، فضلاً عن القاسم المشترك وهو العامل الثأري فى كل تلك المعارك، حيث ركزت فى معركتها على آل الأحمر باعتبارهم سلطة اجتماعية وسياسية واقتصادية أيضاً.

وفى مأرب، لا يمكن تنحية العامل الثأري ضد ما تبقى من بقايا الدولة التي رحلت إلى هناك، فقد قصفت المليشيا بالصواريخ الباليستية دار الحديث (1 نوفمبر 2021) مُخلِّفة عشرات القتلى والمصابين، وهو المشهد الذي أعاد إلى الأذهان على الفور معركة دماج وقصف دار الحديث هناك. كذلك، فإن حصارها للقبائل فى العبدية ورحبة فى مأرب يُذكِّر بما جرى فى معارك عمران، وبالتالي يمكن القول إن المليشيا الحوثية تجاوزت حاجز المنافسين الأيدلوجيين، ثم حاجز القبلية، وبالتالى تحشد قواها القصوى فى آخر مواجهة مع الشرعية من خلال معركة مأرب.

على الجانب الآخر، تكشف هذه المؤشرات والقواسم المشتركة عن أنه لم يتم الاستفادة من الدروس السابقة، فقد كان التحسن النسبي بالنسبة لقوات الشرعية يعتمد إلى حد كبير على دفع (التحالف العربي لدعم الشرعية) إلى إحداث توافقات ما بين القوى العسكرية المتباينة على الهدف وهو هزيمة الحوثي، لكن هذه التوافقات لم تصل إلى معالجة الاختلالات الهيكلية العسكرية، وغالباً ما يشار إلى أنه كان هناك تحدي فى دمج المكونات المختلفة سياسياً، بالإضافة إلى ضعف أدوار بعض هذه القوى، لاسيما مكون الإصلاح فى مقاربة الهدف ذاته، وهو التصدي للحوثيين، كما يشير هذا السياق إلى نتيجة أخرى وهى أن التقدم الحوثي لم يكن يعتمد على قوة المليشيا بقدر ما يعتمد على ضعف الطرف الآخر لأسباب هيكلية.

السيناريوهات المحتملة لليوم التالى

يبدو أن السيناريو الاحتمالي لسقوط مأرب بيد الحوثيين هو السيناريو الأصعب في ملف الأزمة اليمنية عموماً، بالنظر إلى بعض المؤشرات ومنها على سبيل المثال:

١- على الرغم من انعكاسات السيطرة المحتملة على مأرب بالنسبة للشرعية، إلا أنها قد لا تعني الانهيار الكامل للشرعية، لكنها ستكون أضعف بكثير سياسياً من ضعفها الحالي، كما أن تعثر تنفيذ اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والجنوب سيخصم من رصيد الشرعية السياسي إلى حد كبير. لكن فى المقابل، لن يضيف ذلك رصيداً سياسياً للحوثيين، فلن تكون جماعة أنصار الله الحوثية هى الشرعية البديلة، ولا يعتقد أن هناك من سيعترف بها أكثر ممن اعترفوا فى السابق خاصة إيران، ووكلائها الإقليميين فى لبنان والعراق، وبالتالى فإن محصلة العائد السياسي للحوثيين هى مجرد تقويض رمزية الشرعية، وربما ستسعى المليشيا إلى استخدام الورقة الإنسانية كورقة ضغط للتعامل مع المجتمع الدولي، لكن فى حالات عديدة لم تكن ورقة ضغط للاعتراف كما فى حالة الصومال الأقرب إلى الحالة اليمنية فى حال حدوث سيناريو سقوط مأرب.

٢- ينسحب السياق ذاته على الموقف الخاص بالمكاسب الاقتصادية التي يترقبها الحوثيون حال سيطرتهم على مأرب، وبالتبعية السيطرة على قطاع النفط فيها. فمن السهولة بمكان، بل على الأرجح، سيتم فرض عقوبات على هذا القطاع، ولن تتمكن المليشيا الحوثية من الاستفادة منه، فقط يمكنها تشغيله داخلياً إلى حد ما، لكنها قد تواجه أزمات متعددة أبرزها أزمة الصيانة، إلا أن الهيمنة على منابع النفط ستظل قيمة مضافة لموارد الحوثيين بشكل عام حتى فى ظل تحديات القدرة التشغيلية. 

٣- لا يعتقد أن القرارات الأممية بشأن الشرعية سيكون لها فاعلية حال سقوط مأرب، لاسيما القرار 2216. فسقوط مأرب سيُقوِّض عملياً استئناف أى مفاوضات بين الشرعية والحوثيين، وهو سياق واضح، فالمليشيا تجاهلت كل دعوات التفاوض مع كافة الوسطاء الأمميين والدوليين وظل الطرح مؤجلاً لحين حسم المعركة عسكرياً. وعلى الأرجح، أصبح الوسيطان الأممي والأمريكي فى مرحلة الاستعداد لما هو قادم أو بالأحرى لما بعد مرحلة سقوط مأرب، وهى نقطة كاشفة عن ضعف أدوات الأطراف الدولية فى التعامل مع الصراعات، وحتى بمنطق إدارة الصراع لم يتمكن الوسطاء من التوصل إلى تفاهم مع الحوثيين بشأن الملفات الإنسانية وإيصال المساعدات إلى النازحين والمتضررين فى مأرب. وربما كان رفع تصنيف المليشيا الحوثية من اللائحة السوداء الأمريكية هو نقطة الضعف الرئيسية فى هذا السياق وتخلٍ مسبق عن ورقة ضغط كان بالإمكان استدعائها فى المرحلة الحالية.   

فى الأخير، يمكن القول إن معركة مأرب ستشكل منعطفاً فى مسار الأزمة اليمنية، وسيكون العام الثامن لهذه الأزمة هو عام التحولات الرئيسية فيها، وإعادة تشكل موازين القوى بين الأطراف الفاعلة على الأرض، كالحوثيين فى الشمال والانتقالى فى الجنوب، وهذا السياق ليس جديداً على الحالة اليمنية تاريخياً، بل يمكن النظر إليه بشكل عام على أنه دورة من دورات التاريخ اليمني، وربما ستكون له حسابات إقليمية مختلفة، بالنظر إلى حسابات كل من إيران والسعودية.

إذ يمكن القول إن ترجيح كفة إيران فى معادلة هذا الصراع على المديين القريب والمتوسط سيضيف المزيد من التعقيدات فى المشهد الإقليمي، وسيضاعف من النظرة السلبية لمشروعها الإقليمي، وسيُقوِّض الفرص الممكنة لاستيعابها وقبولها عربياً ودولياً، كما أن كُلفة التمدد فى الخارج قابلة لأن تتحول فى مرحلة تالية إلى عامل ضعف وليس عامل قوة، بالنظر إلى التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا التمدد خاصة وأنه سيكون مقيداً بعدم المشروعية فضلا عن القيود على حركة الحوثيين كوكيل لها.

أما بالنسبة للسعودية، فتاريخياً تعاطت سياسياً مع تحولات المشهد اليمني كمشهد قابل لإعادة إنتاج الفوضى باستمرار، لكن يمكن التكيف معه بالوسائل السياسية والدفاعية الممكنة.

أحمد عليبة

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية