صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

استهدفت قاعدة التنف العسكرية، الموجودة فى منطقة المثلث الحدودى بين العراق وسوريا والأردن، فى 20 أكتوبر الفائت (2021)، بعدة هجمات من طائرات مسيرة "درونز" أحدثت خسائر مادية فى القاعدة التى تتمركز فيها القوات الأمريكية والبريطانية العاملة ضمن التحالف الدولى لمحاربة تنظيم "داعش" منذ عام 2016، كما تتمركز بالقرب منها فصائل جيش "مغاوير الثورة" التابع للمعارضة السورية، والذى حظى بدعم من قوات التحالف الدولى التى عدلت استراتيجيته من مواجهة قوات النظام السورى إلى مواجهة "داعش"، وذلك عبر حصر مهامه العسكرية حالياً فى تسيير دوريات مسلحة لمواجهة مسلحى التنظيم من آن لآخر. وقد أشارت التقديرات إلى مسئولية حلفاء إيران من الميليشيات المسلحة على أرض الصراع السورى عن تلك الهجمات، رداً على قيام إسرائيل فى منتصف شهر أكتوبر 2021، باستهداف عدد من المصالح الإيرانية فى الأراضى السورية بمنطقة تدمر بريف حمص – ضرب قاعدة "تياس" السورية الجوية والمعروفة باسم مطار تى فور – وبهذا الاستهداف تكون إيران قد أعادت ملف الصراع السورى إلى واجهة الأحداث مجدداً؛ لاسيما تلك التى تشهد مواجهات مع الولايات المتحدة على خلفية موقفها من مباحثات البرنامج النووى الإيرانى المتوقفة منذ  يونيو 2021.    

جدير بالذكر هنا أن اختيار موقع قاعدة التنف فى جنوب شرق سوريا، فى المثلث الحدودى بين العراق وسوريا والأردن منذ عام 2016، لم يمثل استهدافاً لتنظيم "داعش" فى منطقة الحدود السورية- العراقية فقط، وإنما مثل استهدافاً مباشر للمشروع الإقليمى الإيرانى؛ حيث أن موقع القاعدة يقطع فعلياً مساراً مرورياً يمتد من إيران إلى العراق ومنه إلى سوريا، وبالتالى ينقطع – جغرافياً – مسار تواصل "الهلال الشيعى" الذى ترغب إيران فى تأمينه (طريق بغداد – دمشق)؛ لكونه يضمن لها العبور إلى جنوب لبنان حيث الحليف اللبنانى الاستراتيجى حزب الله. ولهذا السبب تحديداً سعت طهران، منذ تمركز القوات الأمريكية فى التنف عام 2016، إلى إيجاد ممر آخر – بديل- يضمن لها حرية التنقل عبر الحدود العراقية- السورية دون قطع جغرافى كالذى أحدثته قاعدة التنف، ونجحت فى ذلك فعلياً حينما استطاعت ميليشياتها السيطرة على مدينة البوكمال بمحافظة دير الزور السورية على الحدود مع العراق فى نوفمبر 2017، وبهذه السيطرة ضمنت إيران المرور الآمن عبر معبر (القائم العراقى - البوكمال السورى) من خلال طريق (طهران - البوكمال - دمشق – بيروت)، والمحمى فى الاتجاهين بأربعة من أشرس فصائلها وهى ( الفاطميون والزينبيون وحزب الله والنجباء)، بدلاً من طريق (طهران - بغداد - التنف - دمشق – بيروت)، الذى قطعت تواصله قاعدة التنف الأمريكية.

أسباب استهداف التنف

وفقاً لما سبق، تعد قاعدة التنف الأمريكية مرتكزاً مهماً فى مواجهة "داعش من ناحية، وفى مواجهة مسار النفوذ الإيرانى فى كل من العراق وسوريا من ناحية ثانية. وهذا يعنى أن التصعيد الإيرانى الجديد ضد أهم القواعد الأمريكية فى سوريا جاء مدفوعاً بعدة أسباب منها:

١- حالة الحسم التى شهدتها عدة ملفات خاصة بالصراع السورى، والتى كانت مفتوحة أمام تفاعلات القوى الدولية والإقليمية المعنية بالصراع؛ كالحسم الذى توصلت إليه روسيا- حليف إيران– فى منطقة الجنوب الغربى السورى والتسوية التى أجرتها بين النظام والمعارضة بشأنه وتحديداً فى محافظة درعا. وإن كانت هذه التسوية ليست فى صالح إيران بصورة مباشرة، لكونها باتت ملزمة بإبعاد ميليشياتها تماماً عن تلك المنطقة الحدودية مع إسرائيل عبر الجولان المحتل، والتى كانت تتخذها كورقة ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لكنها فى النهاية حققت لها مصلحة مباشرة تمثلت فى فرض حليفها السورى- نظام الأسد- سيطرته الأمنية بالاشتراك مع قوات الشرطة الروسية على مجمل مدينة درعا البلد، وتسليم المعارضة أسلحتها النوعية والخفيفة على حد سواء لقوات النظام، فضلاً عن خروج المتشدد منها وترحيله إلى إدلب فى الشمال الغربى. وقد مثلت تلك التطورات بالنسبة لإيران نجاحاً للنظام السورى، ودافعاً نحو حسم باقى نقاط التماس السورى مع القوى المناهضة للنظام كالولايات المتحدة، عبر الضغط عليها فى قواعدها المهمة فى شرق الفرات السورى وأهمها قاعدة التنف.

٢- ضمان أمن الممر الإيرانى عبر طريق (بغداد – دمشق) الذى يضمن انتقال الميليشيات والأسلحة والمعدات العسكرية من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان؛ بما يعنيه من ضرورة تخليص هذا الممر من القواعد العسكرية القاطعة جغرافياً لمساره، وفى الوقت نفسه إشعال فتيل المواجهات العسكرية بالقرب من حدود دولتين عربيتين هما العراق والأردن، بما يضغط فعلياً على حالة التقارب العربى الذى تبديه الدولتان تجاه نظام الأسد، وهو أمر لا تستحسنه إيران لأنها تدرك جيداً أن محاولات الانفتاح العربى على نظام الأسد تهدف إلى جذبه بعيداً عن سيطرتها؛ خاصة مع نجاح الأردن فى إعادة تشغيل معبر "نصيب" الحدودى مع سوريا ودوره فى تنشيط العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، لاسيما بعد موافقة الولايات المتحدة على استثناء هذا التقارب من عقوبات قانون قيصر المفروضة على النظام السورى. وبالتالى تكمن المصلحة الإيرانية بشأن تأجيج الوضع العسكرى فى منطقة المثلث الحدودى الأردنى- العراقى- السورى فى قطع حالة التقارب السورى- العربى أيضاً؛ لأن تصعيداً عسكرياً فى المنطقة سيدفع الأردن مجدداً إلى إغلاق المعبر، وبالتالى تراجع حالة التقارب الاقتصادى العربى مع سوريا عبره، وهو ما يحقق مصلحة إيران فى إبقاء نظام الأسد فى دائرة التبعية الاقتصادية لها.

٣- محاولة طهران الاستفادة من تزايد حدة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية على التواجد الأمريكى العسكرى فى سوريا، وتحديداً منذ إبداء إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن رغبة فى تقليص الوجود الأمريكى العسكرى فى المنطقة، واستبداله بتواجد دبلوماسى عبر آلية المبعوثيين الدبلوماسيين التى أقرتها إدارته فى التعامل مع أزمات الصراع الدولية والإقليمية. وهنا تحديداً يأتى الملف السورى حيث تبقى الولايات المتحدة على وجود عسكرى محدود فى الشمال والشرق السورى (قوة تتراوح قوامها من 400- 600 فرد)، وفى ظل استراتيجيات بايدن للانسحاب من بؤر الصراع التى بدأها بأفغانستان ثم الانسحاب المتوقع من العراق نهاية العام الجارى، تسعى طهران إلى الضغط على القواعد الأمريكية فى سوريا مستفيدة من محاولات مماثلة تبديها القوى الدولية والإقليمية الأخرى المنخرطة فى الصراع؛ روسيا وتركيا. فعلى الرغم من تعارض بعض مصالح الدول الثلاثة إيران وتركيا وروسيا فى الملف السورى؛ إلا أن الثلاثة تجمعها مصلحة فعلية فى الضغط على الوجود الأمريكى فى سوريا، وعلى حلفاء واشنطن المحليين من الأكراد السوريين، ودفعها للانسحاب الكامل منها، خاصة بعد اتجاه الولايات المتحدة، وعلى عكس المتوقع، إلى تعزيز قواتها المتواجدة فى سوريا بعدة آليات عسكرية وذخيرة ومدرعات على مدار شهر أكتوبر 2021 الجارى، هذا إلى جانب تمديد الإدارة الأمريكية حالة الطوارئ بخصوص سوريا، المعمول بها منذ أكتوبر 2019، عاماً جديداً.

٤- دخول العامل الإسرائيلى على معادلة العلاقات الروسية- الإيرانية- الأمريكية؛ لاسيما فى ظل حكومة نفتالى بنيت الجديدة؛ وتفسير ذلك أن حكومة بنيت الجديدة تسعى إلى الحصول على المكانة المتميزة التى كانت تحظى بها حكومات بنيامين نتنياهو لدى الرئيس الروسى فيلاديمير بوتين، وهى المكانة التى ضمنت ما يسمى بالتنسيق الأمنى بين روسيا وإسرائيل فى سماء سوريا، والذى أقر ضرورة إعلام روسيا مسبقاً بأى عملية عسكرية تشنها الطائرات الإسرائيلية داخل سوريا لاستهداف الميليشيات الإيرانية أو قوات النظام أو القوافل العسكرية. وأدركت إيران مسعى رئيس الوزراء الإسرائيلى الجديد، لذلك شنت هجومها الحاد على قاعدة التنف الأمريكية استباقاً للقمة التى جمعت بينت وبوتين فى روسيا مؤخراً. وبذلك تكون إيران قد بعثت برسالة لإسرائيل مؤداها أنه وإن كانت التسوية الروسية- الأمريكية بشأن درعا قد أخرجت إيران وميليشياتها من مناطق الجنوب السورى، إلا أنها (أى إيران) لازال بمقدورها إشعال الجبهة مجدداً عبر استهداف قاعدة التنف الأمريكية بما يؤثر سلباً ولو بصورة غير مباشرة على أمن إسرائيل. فضلاً عن إدراك إسرائيل لأهمية التنسيق مع روسيا فى سوريا، فى ضوء الانسحاب الأمريكى المحتمل من العراق فى نهاية عام 2021 الجارى، بما يعنيه ذلك من احتمالات تقليص وربما تراجع مستوى الأمن الذى كانت توفره الولايات المتحدة لإسرائيل من خلال وجودها فى العراق، باعتبار أن ذلك الوجود كان كابحاً للتهديدات الإيرانية ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضى العراقية، هذا بخلاف ما مثلته قاعدة التنف تحديداً من كونها منصة لتقديم الدعم اللوجيستى للهجمات العسكرية الجوية التى تشنها إسرائيل ضد المصالح الإيرانية فى سوريا.

دلالات الاستهداف وأبعاد التصعيد

استهداف الميليشيات الإيرانية فى سوريا لقاعدة التنف الأمريكية فى ضوء الدوافع السابقة، يعكس بعداً صراعياً جديداً فى مسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ، الأمر الذى يحمل دلالات وأبعاداً متعددة: أولها؛ يتعلق بالدلالة "الرمزية" التى تشير إليها عملية استهداف قاعدة التنف التى تعد أهم قواعد الولايات المتحدة فى جنوب شرق سوريا، باعتبارها منطقة عدم اشتباك حصَّنتها القوات الأمريكية بمسافة 55 كيلومتر، وهذا يعنى أنها منطقة شديدة التأمين، ولديها دفاعات جوية قوية، واستهدافها بدقة من قبل حلفاء إيران من الميليشيات المسلحة داخل سوريا يضرب بمسلمات التأمين العسكرية فائقة الدقة عرض الحائط.   

وثانيها، يؤشر إلى انتهاج إيران وحلفائها فى سوريا استراتيجية "الاستهداف المباشر" للوجود الأمريكى العسكرى الداعم لعمليات إسرائيل العسكرية فى سوريا، فثمة تقديرات تقول بأن الاستهدافات الإسرائيلية للمصالح الإيرانية فى سوريا خلال منتصف شهر أكتوبر 2021، انطلقت من قاعدة التنف الأمريكية. هذا بالإضافة إلى استنفاد محاولات التفاهم الإيرانى مع روسيا لدفعها للضغط المباشر على إسرائيل، بهدف وقف استهدافها العسكرى المتواصل للنظام السورى من ناحية، وللمصالح الإيرانية من ميليشيات وبنية عسكرية من ناحية ثانية. وتصبح استراتيجية الاستهداف المباشر، وفقاً لذلك، إحدى أدوات "توازن الردع" التى تسعى إيران إلى توظيفها ضد الولايات المتحدة وحليفها الإسرائيلى فى سوريا خلال المرحلة القادمة، وهى تطورات تعيد الصراع السورى إلى حالة التفعيل مجدداً.

وثالثها، يعكس حالة التصعيد التى تحاول إيران انتهاجها فى سوريا للتغطية على حالات انهزامها شعبياً فى ملفات انخراطها فى المنطقة، وهى ملفات ترتبط أيضاً بنفوذها فى العراق ولبنان تحديداً؛ وتفسير ذلك أن تراجع حلفائها من الأحزاب السياسية فى الانتخابات التشريعية العراقية – أجريت فى 10 أكتوبر 2021- وعلى رأسها تحالف الفتح ونواته هيئة الحشد الشعبى، كان مفاجئاً لها وغير متوقع، ومن ثم تحاول إيران تجاوز هذا التراجع على الساحة العراقية بمكاسب على الساحة السورية. الأمر نفسه فى لبنان، حيث شهد خلال الأسبوعين الماضيين تصعيداً حاداً بين حليف إيران الأول فى لبنان حزب الله، وبين بعض القوى السياسية الأخرى على خلفية أزمة التحقيق فى قضية مرفأ بيروت.

ورابعها، يطرح احتمال حصر هامش الرد الأمريكى على الاستهداف الإيرانى لقاعدة التنف؛ داخل الأراضى السورية فقط؛ ويرجع ذلك إلى كون المصالح الأمريكية فى سوريا محدودة بالقياس إلى مصالحها فى العراق، كما أن تلك المصالح تعرضت للاستهداف المتكرر من قبل أذرع إيران فى العراق كحالات استهداف قاعدة عين الأسد الأمريكية بالأنبار، وحالات اقتحام السفارة الأمريكية فى المنطقة الخضراء داخل بغداد. وبالتالى فإن احتمالات استهداف المصالح الأمريكية فى العراق تُخلِّف ورائها مستويات خسائر عالية للإدارة الأمريكية، وبدرجة أقل على الساحة السورية. هذا بخلاف أن مشكلة رد الفعل الأمريكى على الساحة السورية تكمن فى "نوعية" الرد، وليس فى "نطاق" الرد؛ لأن المصالح الأمريكية سواء فى العراق أو سوريا يستطيع وكلاء إيران فى البلدين استهدافها، وتصبح الاستهدافات العسكرية بين الجانبين دافعاً لمزيد من الاستهدافات المتبادلة، وهكذا وصولاً إلى مرحلة من التصعيد العسكرى المباشر التى يصعب معها العودة إلى الوراء.  

وخامسها، يرتبط بحضور ملف البرنامج النووى الإيرانى على معادلة أوراق الضغط التى تمارسها إيران على الولايات المتحدة، لاسيما بعد توقف مفاوضات فيينا الخاصة بعودة الولايات المتحدة للاتفاق، منذ يونيو 2021. ويرى البعض أن التصعيد الإيرانى ضد قاعدة التنف الأمريكية فى سوريا يشير - فى أحد أهدافه - إلى حمل إدارة بايدن على تسريع وتيرة تعاملها الدبلوماسى مع ملف إيران النووى.

 الدوافع والدلالات بشأن استهداف إيران أو عبر وكلائها لقاعدة التنف الأمريكية فى سوريا، قد تؤشر إلى مرحلة مختلفة من المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة على الساحة السورية مستقبلاً، ما يضع معادلة الصراع السورى وفواعلها من القوى الدولية والإقليمية أمام مسار تفاعلي جديد ينذر بمزيد من المستجدات التى قد تدفع إلى أحد مسارين: إما إحداث حلحلة فعلية لحالة الجمود التى أصبحت عليها خريطة توازنات المصالح بين القوى الدولية والإقليمية المنخرطة فى الصراع السورى، ومن ثم الدفع بقوة نحو تسوية شاملة. وإما إحداث حالة من التصعيد العسكرى النوعى بين تلك القوى تدفع نحو مزيد من التعقيد والتشابك فى مصالحها على الساحة السورية، الأمر الذى قد يُبقى الصراع مستمراً ومشتعلاً لسنوات قادمة.