مع الاحتفال بذكرى مرور عشر سنوات على صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 11 أكتوبر الحالي (2021)، عادت إلى الواجهة العديد من التساؤلات عن صفقة تبادل الأسرى المطروحة للمباحثات بين حركة المقاومة الإسلامية- حماس وإسرائيل، عبر وساطة مصرية، ضمن ترتيبات التهدئة التي صاحبت مرحلة ما بعد حرب غزة الرابعة.

وعلى الرغم من التصريحات المتناقضة عن قرب التوصل إلى صفقة، وما يمكن أن تشمله تلك الصفقة من بنود ومراحل، تظل الفجوة واضحة بين حماس وإسرائيل. فجوة تعبر عنها تصريحات حماس التي تؤكد على مكانة ملف الأسرى وعدم التنازل عن حقوقهم، والالتزام بالإفراج عن أكبر عدد ممكن منهم بشكل يتجاوز ما تم في صفقة شاليط، مقابل التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد على صعوبة التوصل إلى صفقة على طريقة شاليط من حيث عدد ونوعية الأسرى المفرج عنهم.

بدورها، تحاول حماس تحرير أكبر عدد ممكن من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والبالغ عددهم 4600 شخص بينهم 35 أسيرة و200 طفل وفقاً لبيانات نادي الأسير حتى نهاية سبتمبر الفائت. ورغم الصعوبات التي تفرضها التصريحات الإسرائيلية، خاصة عندما يتم الحديث عن أصحاب المحكوميات العالية، تستمر حماس فى تقديم الوعود ونشر الآمال ورفع سقف التوقعات من صفقة التبادل القادمة بشكل يتجاوز حدود فلسطين والأسرى في الداخل إلى الأردن عبر الحديث عن الأسرى العرب.

وبهذا تفرض تصريحات حماس الكثير من التحديات أمام فرص التوصل إلى اتفاق وفرص القبول بالصفقة شعبياً، حيث تزيد من صعوبة التفاوض، وتفرض المزيد من أسس تقييم ما يمكن التوصل إليه بالنسبة للحركة في ظل الاستمرار في رفع سقف المتوقع مقابل تصريحات إسرائيل التي تقيد سقف الممكن.

وبشكل عام، تؤكد إسرائيل على صعوبة تكرار صفقة شاليط، وتستبعد الإفراج عن عدد كبير مثل الذى تم الإفراج عنه من قبل، حيث وصل العدد إلى 1027 سجين محرر في صفقة شاليط. كما تؤكد على صعوبة الإفراج عن المتهمين بقتل إسرائيليين من أصحاب المحكوميات العالية أو "المُلطخة أيديهم بالدماء" كما تطلق عليهم، وتستبعد بعض الأسماء المهمة مثل مروان البرغوثي القيادي في حركة فتح، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في حين تستمر حماس في تقديم الوعود بالإفراج عن المزيد من الأعداد والاسماء. وعود ظهرت بصورة واضحة وأثارت الكثير من الجدل بداية من الرقم اللغز "1111"، إلى الأسرى الأردنيين، مروراً بالبرغوثي وسعدات وعدد غير قليل من أصحاب المحكوميات العالية في السجون الإسرائيلية.

ورغم إمكانية وأهمية التوصل إلى صفقة تبادل للأسرى، فلسطينياً وإسرائيلياً، يظل حجم الصفقة ونوعية من يفرج عنهم نقاط الخلاف الموضوعية الأساسية، والتوقعات المصاحبة وشعبية ما يتم التوصل إليه فلسطينياً وإسرائيلياً تحدياً معنوياً وشعبياً لا يقل أهمية عن التحديات الموضوعية المصاحبة للتفاوض. ومن شأن الوصول إلى صفقة أقل من وعود وآمال حماس الحد من قيمة الإنجاز الممكن تحقيقه بالنسبة للحركة مقارنة بغياب تلك الوعود والتصريحات العلنية، كما يثير مثل هذا الاحتمال التساؤل عن المنهج المستخدم من قبل حماس للاستعداد للحظة الوصول إلى صفقة قد لا تتطابق مع الوعود المعلنة والإمكانيات والقدرات المتصورة بالضرورة والحاجة إلى خطاب استباقي للخروج من إشكالية الأسقف المرتفعة في حالة عدم الوصول إليها والبقاء ضمن الأسقف الإسرائيلية المنخفضة أو صفقة في مساحة وسط بين تلك الاحتمالات.

كما يفرض الجدل حول صفقة التبادل في اللحظة الراهنة الحديث عن الترتيبات الإسرائيلية للقضية خلال السنوات القادمة، وفقاً لحكومة رئيس الوزراء نفتالي بينيت. ويقوم التصور الإسرائيلي المطروح على استبعاد المسار السياسي، وتقديم الاقتصاد بوصفه المقابل الممكن للتهدئة والاستقرار في قطاع غزة كما في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو تصور رغم ما يطرحه من تحديات كبرى على مستوى القضية الفلسطينية، وفرص إعلان الدولة، ومستقبل القدس والمسجد الأقصى، يظل مثيراً للجدل على صعيد القطاع، حيث الفصائل وخيار المقاومة وما يمكن تقديمه والتجاوز عنه مقابل الاقتصاد في المستقبل القريب.

صفقة شاليط وحرب غزة وتحديات الصفقة القادمة

تفرض صفقة شاليط، والمعروفة باسم صفقة "وفاء الأحرار" فلسطينياً، الكثير من الضغوط على حماس وما يفترض أن تصل إليه في صفقة جديدة. وفي حين تفاوضت حماس في صفقة شاليط على إعادة جندي واحد، تتفاوض الحركة في الصفقة الحالية على إعادة ٤ أسرى هم الجندي شاؤول آرون والجندي هذار غولدن والذين قامت حماس بإلقاء القبض عليهم في حرب غزة 2014، والجندي السابق من أصول أثيوبية أفيرا منغستو الذي تم إلقاء القبض عليه في 2014 أيضاً، والجندي السابق هشام السيد الذي تسلل إلى القطاع في 2015. ورغم عدم وضوح وضع الجنود شاؤول آرون وهذار غولدن، في ظل حالة الغموض التي تمارسها حماس، وتعامل إسرائيل معهم بوصفهم أموات وأن ما ستحصل عليه بالنسبة لهم هو الرفات، يظل العدد الإجمالي للأسرى لدى الحركة أكبر من صفقة شاليط، والمتصور وفقاً لحماس هو تحرير عدد أكبر من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في المقابل.

وإلى جانب فكرة العدد، ساهمت حالة الغموض القائمة في ما يتعلق بأوضاع الأسرى الإسرائيليين في فرض تحديات على الطرف الإسرائيلي تتعلق بالموقف الرسمي القائل بوفاة الجنود، مقابل عدم تحديد حماس لموقف نهائي بما يسمح لها بالتفاوض من أجل توضيح الحقائق حول الجنود الأسرى. كما يسمح الوضع القائم لحماس بزيادة المطالب الخاصة بالتفاوض استجابة لرغبة عائلات الأسرى الإسرائيليين لديها، بالإضافة إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية في مواجهة العائلات وخاصة من تؤكد إسرائيل على وفاتهم مقابل تشكيك وغموض تحركات حماس عبر التسجيل الصوتي الذى أذيع في يونيو الماضي والرسالة التي نشرت بوصفها من الجندى آرون في أكتوبر الجاري رغم تشكيك إسرائيل وتأكيدها على وفاته. وفي هذا السياق تطرح حماس إمكانية التفاوض على مرحلة واحدة أو مرحلتين تتعلق الأولى بتوضيح وضع الأسرى مقابل الإفراج عن الأسيرات والأطفال والمرضى، في حين تتعلق المرحلة الثانية بتسليم الأسرى والإفراج عن السجناء الفلسطينين المحكوم عليهم بعدد من الأحكام الطويلة.

وبالإضافة لما سبق، جاءت حرب غزة الرابعة لتضيف الكثير من الضغوط على الصفقة القادمة وسط خطاب فلسطيني يؤكد على انتصار المقاومة وضرورة الحصول على مقابل يتناسب مع الانتصار من وجهة النظر الشعبية. ومثّل عامل الحرب وتطوراتها، وضغوط الرأى العام الدولي، مؤثراً جديداً على اتصالات حماس عبر وسطاء مع إسرائيل للإفراج عن الأسرى، وهى الاتصالات المستمرة على مدار سبع سنوات منذ حرب غزة 2014.

وساهم تمسك حماس، وغيرها من الفصائل، بفكرة الانتصار وما ترتبه من آمال وتطلعات في ترسيخ موقف الحركة من صفقة التبادل وما يمكن الوصول إليه استناداً للقوة التي ظهرت في الحرب. كما ساهمت الأوضاع التي صاحبت الحرب في تقديم العديد من الوعود حول الصفقة وما يمكن أن تقدمه الحركة من صفقة مشرفة لا تقل عن ما تحقق في صفقة شاليط وتستهدف أكبر عدد من السجناء في السجون الإسرائيلية. كما أكدت حرب غزة على التشابه بين الوضع العام لصفقة شاليط والوضع العام للصفقة المفترضة من سنوات انتظار وحرب في القطاع وضحايا ومعاناة وخسائر ترتب ارتفاع الثمن وأفق التبادل والتهدئة، كما اتضح من تصريحات مروان عيسي، نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- في 6 يونيو الماضي من تجربة أسر شاليط وجهود الحركة للحفاظ عليه من جانب، وما حملته ظروف صفقة شاليط من تشابهات مع الواقع بشكل يرتب ويبرر، من وجهة نظر الحركة، الحصول على عدد أكبر من الأسرى من جانب آخر.

وبهذا، في حين حصلت حماس على1027 أسير في صفقة شاليط، جاء الحديث عن الرقم 1111 الذي أطلقه رئيس الحركة في القطاع، يحيى السنوار، بعد حرب غزة بوصفه عدد الأسرى المستهدف تحريرهم من السجون الإسرائيلية ليطرح رغبة الحركة في الوصول إلى هذا العدد أو تجاوز عدد ما تم الإفراج عنهم في صفقة شاليط بوصفه عنصراً مهماً في الاتفاق القادم. ومثّل هذا الرقم في حد ذاته، والذي طالب السنوار الجميع بمحاسبة الحركة وجناحها العسكري عليه، أول التحديات العلنية لصفقة التبادل المنتظرة في مرحلة ما بعد حرب غزة، خاصة وأن إسرائيل ترفض الحديث عن تحرير مثل هذا العدد أو عدد قريب من صفقة شاليط مرة أخرى.

وترى العديد من التصريحات الإسرائيلية أن صفقة شاليط خطأ لا يجب أن يتكرر من جهة عدد من تم الإفراج عنهم من جانب ونوعية هؤلاء الأسرى من جانب آخر، حيث شملت الصفقة عدداً من "المُلطخة أيديهم بالدماء"، كما شملت شخصيات أثرت على الأحداث التالية مثل السنوار الذي خرج في صفقة شاليط التي تمت خلال حكومة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو. ولهذا، تحاول الحكومة الحالية تقديم تنازلات أقل مما حدث في صفقة شاليط وتجنب السجناء من أصحاب المحكوميات العالية ومن يمكن أن يعود ليهدد أمن إسرائيل. وتفرض تلك النقاط الكثير من التحديات في عملية التفاوض وما يمكن التوصل إليه من قائمة نهائية متفق عليها لمن يتم الإفراج عنهم.

ويضاف للتحديات التي تفرضها حماس على نفسها أو فرضتها الأوضاع، إعلان أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب عز الدين القسام - الجناح العسكري لحماس، عن وضع الأسرى الستة الذين هربوا من سجن جلبوع الاسرائيلي في شهر سبتمبر الفائت في قائمة أى صفقة تبادل مستقبلية. ومما يضيف للتحدى الخاص بتلك الجزئية حديث الأسرى أنفسهم عن ثقتهم في الخروج قريبا تنفيذاً لوعد حماس المعلن، وهو أمر صعب التحقق بالنظر للأوضاع التي صاحبت عملية الهروب من السجن وانعكاساتها الأمنية بالنسبة للقيادة الإسرائيلية التي لازالت تبحث في أسباب الهروب وما حدث من تقصير وتفرض الكثير من القيود على هؤلاء الأسرى وعلى الأسرى عموماً منذ حادثة الهروب وما ترتب عليها من تساؤلات حول القدرات الأمنية والصورة الذهنية عن إسرائيل وقدرتها على فرض السيطرة.

وإلى جانب تلك التحديات، والتوقعات والآمال الكثيرة التي تطرح فلسطينياً وسط زخم الحديث عن انتصار المقاومة في حرب غزة، فرضت مطالبة البرلمان العربي لحماس في 20 أكتوبر الجاري بالإفراج عن الأسرى الأردنيين البالغ عددهم 21 في أول صفقة تبادل مع إسرائيل، وتأكيد حماس على تضمين هذا المطلب، تحدياً إضافياً معنوياً ومادياً يتعلق بقدرة حماس على تنفيذ تلك الوعود، وما تحمله ويترتب عليها في حالة تحققها أو عدم تحققها كلياً أو جزئياً من تأثير على مكانة وصورة الحركة بوصفها فصيل مقاوم مدعوم من عدة أطراف في الإقليم وخارجه.

وفي حين تؤكد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت على معارضته لمطالب حماس الخاصة بالإفراج عن مئات الأسرى، تدرك إسرائيل أن القيمة لا تتوقف على عدد من يتم الإفراج عنهم فقط، ولكن نوعية ورمزية الأسرى. ورغم أن عدم التوصل إلى صفقة تبادل تطابق وعود حماس المباشرة وغير المباشرة وضع يمكن تفسيره دوماً بالضغوط والتعنت الإسرائيلي، وتبريره بالحصول على بدائل أخرى أو شخصيات لها وزن، إلا أن ما تدركه إسرائيل بوضوح في مرحلة ما بعد حرب غزة هو أنه كلما اقتربت الصفقة النهائية من تنفيذ وعود حماس كلما حصلت الحركة على المزيد من المكانة والقيمة والقدرة على التأثير في اللحظة والمستقبل، وكلما ساهمت تلك المكانة في حسابات التوازن الداخلية وحسابات القوى والفصائل الفلسطينية في مواجهة السلطة وهى أمور تفرض تحديات أخرى على التوصل لصفقة تطابق أو تقترب من وعود حماس.

وفي المحصلة النهائية، ساهمت تصريحات حماس العلنية في تعقيد مشهد صفقة التبادل ورفع سقف المتوقع فلسطينياً وعربياً، كما ساهمت في وضع قيود على الحد الأدنى الذي كان يمكن تمريره لصفقة تبادل لا يصاحبها كل تلك الوعود العلنية، وبهذا قيدت حدود المقبول فلسطينياً كما تقيد الإطار العام لتقييم ما يمكن قبوله من حماس على مستوى الداخل الفلسطيني والأطراف المؤيدة عربياً وإقليمياً.

صفقة التبادل وخطة لبيد للتهدئة في غزة

تؤكد العديد من التصريحات والمواقف الإسرائيلية والأمريكية على أهمية التهدئة وتجنب حرب جديدة في غزة من أجل الحفاظ على الحكومة الإسرائيلية القائمة. ويمثل سيناريو التهدئة وتجنب الحرب لفترة طويلة الخيار الذي تدعمه الحكومة الإسرائيلية والأمريكية، كما تظهر التحركات الأوروبية موقفاً يصب في تلك الجهود من خلال التواصل مع السلطة الفلسطينية وتقديم معونات اقتصادية بعد مرحلة جمود، رغم التأكيد على وجود فساد في السلطة وعدم وجود خطة للتسوية السياسية في الوقت الراهن.

ومن ضمن الخطوات المعلنة إسرائيلياً لتحقيق هذا الهدف، خطة وزير الخارجية يائير لبيد، التي أعلنها في 12 سبتمبر الفائت، للتعامل مع القطاع وفقاً للإطار العام المطروح حالياً، وهو الاقتصاد مقابل السلام، وفي حالة القطاع الاقتصاد مقابل التهدئة. وأعلن لبيد خطته في مؤتمر جامعة هرتسليا بقوله: "يجب أن نذهب في خطوة متعددة السنوات في غزة، الاقتصاد مقابل الهدوء". ويتصور أن تتيح الخطة، وفقاً للرؤية الإسرائيلية، حالة من الاستقرار والهدوء مع استبعاد عقد مفاوضات مباشرة مع حماس من أجل تجنب الاعتراف بمنظمة "إرهابية"، وتجنب إضعاف السلطة الفلسطينية الشريك الواجب دعمه من أجل التهدئة والاستقرار والوقوف في مواجهة الفصائل وتعاظم دورها ليس في غزة فقط ولكن في الضفة الغربية والقدس أيضاً.

ومن خلال المدخل الاقتصادي القائم على تقديم خطة اقتصادية متعددة السنوات للقطاع، يتصور أن تتوقف هجمات حماس والفصائل عموماً من غزة، والتركيز على إعادة إعمار القطاع، مع مكافحة عملية بناء وتعظيم قوة حماس والفصائل العسكرية، ودعم السلطة الفلسطينية التي يجب عليها، وفقاً لتلك الرؤية، قيادة العملية الاقتصادية في القطاع مع السيطرة المدنية والسياسية على الأوضاع فيه.

ووفقاً لما أعلنه لبيد، تؤيد الحكومة الإسرائيلية، بما فيها رئيس الوزراء بينيت، ووزير الدفاع بيني غانتس، الخطة والمبدأ الذي تقوم عليه وهو "الاقتصاد مقابل الهدوء"، بالإضافة إلى طرح الخطة للنقاش مع الأطراف المعنية بما فيها وزير الخارجية الأمريكي ووزير الخارجية الروسي والمسئولين في المنطقة والاتحاد الأوروبي. وقدمت التصريحات الإسرائيلية المتزايدة للتجار الفلسطينين في غزة للعمل خارج القطاع وغيرها من التسهيلات بوصفها خطوات في مسار تنفيذ خطة الاقتصاد مقابل التهدئة.

وفي الوقت الذي تم فيه الحديث عن خطة لبيد ذات الأبعاد الأمنية- الاقتصادية الواضحة، استمرت إسرائيل في شن هجماتها ضد أهداف تابعة لحماس في القطاع، مؤكدة من خلال التصريحات الرسمية على أن تلك الهجمات ترتبط بالرد على صواريخ تنطلق من القطاع، وأنها تستهدف ورش تحت الأرض تستخدم في إنتاج الصواريخ، والتدريب العسكري، وتخزين وسائل قتالية وإقامة أنفاق. كما استمرت جهود القبض على عناصر تابعة لحماس خارج القطاع من أجل تقييد مجال الحركة أمام الأخيرة وغيرها من الفصائل في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وعلى الرغم من تقاطع تلك الخطة مع جزء من مطالب حماس، وخاصة إعمار القطاع وفصل ملف الإعمار عن ملف صفقة التبادل الخاصة بالأسرى، إلا أن هناك العديد من الأبعاد التي يصعب تمريرها دون اتفاق فلسطيني- فلسطيني ووساطة مصرية، وخاصة ما يرتبط بدور السلطة الفلسطينية في القطاع بصفة عامة وفي عملية الإعمار والتعامل مع الأموال المتعلقة بالإعمار بصفة خاصة. وبدون التوصل إلى اتفاق بين حماس والسلطة الفلسطينية حول تلك الملفات يظل رفض حماس لدور السلطة في إدارة القطاع عاملاً أساسياً في تقييد الاتفاق، وهو الأمر الذي يتضح في الجدل المثار منذ التهدئة عن دخول الأموال القطرية وغيرها من الأموال المخصصة للإعمار للقطاع، بين رغبة السلطة في أن يتم التعامل مع تلك الأموال عبر مؤسساتها مقابل رغبة حماس في وصول الأموال مباشرة للقطاع وبدون تدخل السلطة إدارياً أو مالياً فيه. بالإضافة إلى إشكالية حماس-السلطة، والقدرة على الاتفاق في مجال إدارة القطاع والإعمار، تظل العديد من النقاط المركزية دون اتفاق واضح على صعيد إجراء الانتخابات الفلسطينية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية وغيرها من الملفات التي تتوسط مصر من أجل التوصل إلى اتفاق حولها بين السلطة والفصائل.

وعلى صعيد التهدئة مقابل الاقتصاد، لا يتصور أن تقبل حماس مثل هذا الاتفاق علناً، خاصة وأنه يؤثر على موقعها ومكانتها بوصفها فصيلاً مقاوماً، ويقدم الحركة والفصائل عموماً، بموقف التراجع عن المقاومة مقابل مكتسبات اقتصادية، مع تحديات القبول باتفاق مماثل في وقت تزداد فيه تحركات المستوطنين في المسجد الأقصى وجهود إسرائيل للسيطرة علي القدس الشرقية. وبهذا قد تقبل حماس، وسط ترتيبات أوسع للتهدئة بشكل غير علني، بحالة من الصمت مثل الفترة التي سبقت حرب غزة الرابعة مع استمرار دور الوساطة المصرية والتواجد الأمريكي عبر مسافات من أجل تأسيس والحفاظ على التهدئة مقابل الاقتصاد.

ورغم أهمية إعمار غزة وتخفيف أو رفع الحصار عن القطاع بوصفها مطالب أساسية من مطالب حماس في مرحلة ما بعد حرب غزة الرابعة، يظل التحدي في ما تحصل عليه حماس من وعود تسمح لها، بشكل غير مباشر، باستمرار البناء العسكري والحفاظ على قدرة قتالية لمرحلة ما بعد التهدئة الاقتصادية، والتواجد كلما تعقدت الأوضاع في الأقصى. ولهذا لا يتصور قبول الفصائل بالاقتراب الإسرائيلي المطروح دون تقييد الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية، وتخفيف تحركات المستوطنين في المسجد الأقصى حتى لا تواجه حماس مرة أخرى بالمطالب الشعبية بتدخل محمد الضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام، في الأحداث التي تشهدها القدس بما يعيد للواجهة فرص نشوب حرب غزة الخامسة في وقت أقرب مما تتصور الأطراف المعنية.

وتصب الكثير من الأوضاع في دعم خيار التهدئة في غزة وخاصة مع تركيز إسرائيل على إيران وعدم استبعاد خيار المواجهة العسكرية من أجل إيقاف البرنامج النووي الإيراني،وتأكيد الولايات المتحدة على أهمية الحفاظ على الحكومة الإسرائيلية وتهدئة القضية دون الاهتمام بالمسار السياسي. وتساهم الضغوط الداخلية الإسرائيلية والمعاناة الفلسطينية في غزة والسجون الإسرائيلية في ترجيح التوصل إلي صفقة التبادل. ولكن إدراك تلك الحقيقة ووجود ما يدعمها لا يرتب معرفة ملامح الصفقة النهائية وقدرتها علي تحقيق الهدوء في ظل غياب الشروط الموضوعية للتهدئة في القدس والأقصى، وبناء المزيد من المستوطنات واستهداف البنية التحتية لحماس والفصائل دون توقف، ولكنها أوضاع أساسية في تحديد موقف حماس والفصائل من التصور الإسرائيلي عن صفقة التبادل والحل الاقتصادي المؤقت لاحتمالات التصعيد والحرب المستمرة في خلفية المشهد وتطوراته.

عبير ياسين

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية