قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات عربية وإقليمية 2021-10-22

لا تشكل مخرجات مؤتمر دعم استقرار ليبيا، الذي عقد في 21 أكتوبر الجاري (2021)، وفقاً للبيان الصادر عنه، إضافة جوهرية على مستوى المضمون. فقد تمحورت المخرجات الأساسية حول قضايا السيادة وإجراء الانتخابات وإخراج المرتزقة والدعم الدولي الممكن لهذه الملفات باعتبارها استحقاقات مرحلية مطلوب تنفيذها خلال المرحلة الانتقالية التي توشك على نهايتها افتراضياً بحكم الجدول الزمني لخريطة الطريق. لكن من الناحية الرمزية، يمكن الإشارة إلى أن المؤتمر قدم قيمة مضافة كونه يشكل سابقة بانعقاده داخل ليبيا، وبمستوى عالٍ من التمثيل العربي والدولي، لاسيما الأمريكي والأوروبي والأممي، كأبرز فعالية على هذا المستوى منذ اندلاع الأزمة عام 2011.

ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب: تطورات إشكالية

كشفت الفعالية عن تمثيل تركي- روسي بلا حضور أو مشاركة فاعلة، على الرغم من كونهما معنيين بملف المقاتلين الأجانب، وكثيراً ما كان الطرفان يتجاهلان الدور الملقى على عاتقهما في هذا الملف. ففي مؤتمر برلين-2 (يونيو 2021) تحفظت أنقرة على البند الخامس الخاص بملف المرتزقة (يجب سحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا دون تأخير، وإصلاح قطاع الأمن ووضعه بقوة تحت إشراف وسلطة رقابة مدنية موحدة)، وهى صياغة ذكية ربطت بين ملفين مترابطين في بند واحد، بينما أبدت موسكو حينها رؤية استحوذت على الاهتمام تمثلت في جدولة عملية الخروج بشكل متناسب ومتزامن. وكانت النقلة الثانية في لقاء سوتشي (29 سبتمبر 2021) بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان وللمرة الأولى تم تناول الملف الليبي على المستوى الثنائي، وأشار بوتين في ختامه إلى أهمية التنسيق في هذا الملف.

وتجدر الإشارة إلى أن تشديد المؤتمر على صيغة وقف التدخل الخارجي في البلاد وفقاً للبند الأول من البيان، بالإضافة إلى إعلان روزماري دي كارلو وكيل الأمين العام للشئون السياسية وصول أول مجموعة من الفريق الأممي المعني بملف مراقبة وقف إطلاق النار وملف المقاتلين الأجانب بالتنسيق مع لجنة (5+5) كان لهما دور في تراجع مستوى الحضور التركي والروسي، إذ من الواضح أن تركيا وروسيا لم تتوصلا عملياً إلى خطة في هذا الشأن. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة تطورات ذات صلة، منها أن اللجنة العسكرية (5+5) لم تعلن عن الإجراءات والآليات أو توضح أنه تم التوصل إليها بشكل نهائي على الرغم من أنها اجتمعت مؤخراً في جنيف (6-8 أكتوبر 2021) والتقت كلاً من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة بالتزامن مع المؤتمر، وتم تسليط الضوء على الملف دون أن يعكس ذلك أيضاً مخرجاً جوهرياً. فضلاً عن ذلك، فإن هناك مخاوف متنامية لدى دول جوار ليبيا لاسيما تشاد والنيجر من عملية خروج المرتزقة على النحو الذي يتم الترويج له على الساحة الليبية، وتتحدث تشاد عن المتمردين التشاديين في الأراضي الليبية، التي لا توافق على عودتهم، لكن هذا التطور يلفت الانتباه إلى أبعاد أخرى في ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا.

يمكن الجدل في نقطة أخرى، في الملف ذاته، فيما يتعلق بالاستقرار السياسي وعامل السيادة الوطنية. فمن المهم القول أن وجود مقاتلين أجانب ومرتزقة هو انعكاس لأدوات التدخل الخارجي، لكن لا يمكن فصل هذا الملف عن الملف الداخلي الخاص بالمليشيات أو الفصائل المسلحة الليبية، ومن المستغرب أن ما تسرب من مداولات اللجنة العسكرية المشتركة كشف أنه تم التركيز على ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب كأولوية وترحيل ملف الفصائل المسلحة الداخلية، بل وربطه فقط بعملية (إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية) – وهو مصطلح لافت أيضاً إذا ما وضع في الاعتبار أن العنوان الأساسي هو توحيد المؤسسة العسكرية وليس فقط الإصلاح- في حين أن دور الفصائل المسلحة الداخلية في التأثير على العملية الانتخابية يثير مخاوف أكثر من الدور الذي يمكن أن يقوم به المرتزقة الأجانب، فالفصائل المحلية ستُحرِّكها دوافع داخلية ومكاسب ومصالح وحسابات موازين قوى داخلية وبالتالي ستكون هى الأداة التي يمكنها إشعال فتيل التوتر في المشهد أولاً كأحد السيناريوهات المحتملة.

على الجانب الآخر، عكست تصريحات بعض السياسيين في شرق ليبيا انطباعات سلبية تجاه المؤتمر، لاسيما عدد من نواب البرلمان، لكنها في الوقت ذاته ليست مواقف مستجدة، الا أن صيغة (شرق – غرب) السياسية لم تتغير خلال المرحلة الانتقالية، العديد منهم اعتبر المؤتمر "مهرجان تسويق سياسي" للحكومة ورئيسها عبد الحميد الدبيبة أحد المرشحين المحتملين للرئاسة في ليبيا، وربما غياب شخصيات بارزة من الشرق كان يصب في الاتجاه ذاته. والبعض الآخر تحدث عن المخاوف من الاستحواذ على ملفات ليست من مهام الحكومة مثل ملف المرتزقة. 

ملف الانتخابات: مناورات مستمرة وتحركات اللحظة الأخيرة

أكد البيان الختامي لمؤتمر استقرار  ليبيا على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 24 ديسمبر المقبل، وكانت تسريبات مشروع القرار قبل يوم من المؤتمر قد تسببت في جدل بشأن عدم ذكر تاريخ الانتخابات، وسوَّق المعارضون للمؤتمر أنه ربما يمثل محاولة لتأجيلها، لكن هذه الصيغة عُدِّلت في البيان الختامي، بإقرار موعد الانتخابات مع الإشارة إلى الدعم المطلوب لاستقرار بيئة الانتخابات، وهى صيغة توافقية، لكن على الأرجح جرى تعديل مشروع البيان تحت ضغط المشاركين، فأغلب المدخلات ركزت على موعد الاستحقاق، وبدا وكأنه مطلب عير قابل للنقاش أو الجدل بشأنه.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى دور المجلس الرئاسي في هذا الصدد، فعلى الأرجح لعب المنفي دوراً وازناً في ضبط حركة الأطراف لاسيما اللاعبين في السلطة التنفيذية، حيث التقى مع المفوضية العليا للانتخابات وبدا أن هناك نوعاً من الحزم بشأن الموعد، والإجراءات الخاصة بالجوانب الفنية، ويمكن القول أن عدم وجود نوايا من جانب المنفي يشكل رمانة الميزان في المرحلة الحالية.

 وهنا أيضاً يمكن الإشارة إلى أن إشكالية قضية (القاعدة الدستورية) توارت، وتراجع الجدل بشأن ثنائية الاستفتاء على (الدستور أولاً قبل الانتخابات) واستبدل بجدل المجلس الأعلى تجاه قوانين الانتخابات التي أصدرها البرلمان. وبخلاف هذا الجدل، يبدو أن الأمم المتحدة سحبت هذا الملف من الملتقى السياسي، فقد فشل الأخير أكثر من مرة في حسم موضوع "القاعدة الدستورية"، وما أن بدأ البرلمان في إعداد قوانين الانتخابات توقف الحديث والجدل في هذه القضية، وكان البرلمان حاسماً في إصدار القوانين، ومن الواضح أن البعثة الأممية ترحب بهذا التوجه حتى لا تدور في دائرة مفرغة من الجدل الذي يثيره مجلس الدولة من جهة وكتله من أعضاء الملتقى من جهة أخرى، حيث طالبوا البعثة الأممية أكثر من مرة بعقد جلسة لكن البعثة تجاهلت الأمر، وهو ما يعكس دلالة رئيسية وهى أن البعثة لا يمكنها تجاوز موعد الاستحقاق وتسعى إلى إنجاز المهمة مع الأطراف القادرة على الإنجاز بغض النظر عن هامش الجدل، ربما لأنها تدرك أن الجدل لن ينتهي.

وفي الأخير، من المتصور أن الأمر سيحسم عبر الإعلان الدستوري القائم مع إجراء بعد التعديلات المناسبة.

مؤتمر باريس: الخطوة ما قبل الأخيرة

روّج وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان لمؤتمر باريس الشهر المقبل (نوفمبر 2021) خلال مشاركته في مؤتمر استقرار ليبيا، ومن غير الواضح ما هى الفروقات التي سيحققها مؤتمر باريس عن سلسلة المؤتمرات السابقة (برلين-2 – استقرار ليبيا) إلا من زاوية التأكيد على ما هو مؤكد بشأن القضايا الرئيسية، لكن أيضاً يتوقع أن يثير المؤتمر إشكاليات المرحلة الانتقالية قبيل نهايتها بشهر واحد، على سبيل المثال: ماذا لو لم يحدث تقدم جوهري في ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب؟، ربما سيكون هناك محاولة لإخراج المشهد بأى شكل، على أن تجرى الانتخابات في موعدها مع القفز على ما يتم إنجازه من الملفات بشكل عام، وبالتالي يعاد إنتاج السلطة في ليبيا لكن لا يمكن القول إن المعطيات الراهنة تؤكد على أنها ستعيد الاستقرار المطلوب والمأمول.

في المحصلة الأخيرة، يمكن القول إن مؤتمر استقرار ليبيا حمل عنواناً أكبر من حجم التوقعات المرتقبة في المشهد الليبي، فالمحك الرئيسي سيبدأ مع لحظة فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، التي تمثل العنوان الهام للمرحلة المقبلة، فللمرة الأولى ستنتخب ليبيا الرئيس، ولا يقلل ذلك من أهمية الانتخابات البرلمانية، لكن أن يكون عنوان الاستقرار في يد الرئيس بالصلاحيات المشار إليها في القانون، فإن ذلك يؤكد على أن هناك فصلاً هاماً في المشهد الانتقالي الليبي لم يبدأ بعد.

أحمد عليبة

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية